الْمُتَوَفَّى لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ١٥ مُحَرَّمٍ ١٤٤٧ هـ
وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَجْرَ الْخَمِيسِ
وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْبَقِيعِ (رَحِمَهُ اللهُ وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ)
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَبْدٍ ضَعِيفٍ -مُوشِكٌ عَلَى فِرَاقِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَمُقْبِلٌ عَلَى الْآخِرَةِ – بِأَنْ يَتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَأَنْ يَعْتَصِمُوا بِحِبَالِهِ جَمِيعًا وَأَلَّا يَتَفَرَّقُوا وَأَلَّا يُفَرِّقُوا دِينَهُمْ، فَإِنَّ فِي تَقْوَى اللهِ وَفِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ كِتَاباً وَسُنَّةً سَعَادَتَهُمْ وَسِيَادَتَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِي التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ يَكْمُنُ ذُلُّهُمْ وَهَوَانُهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ اجْتِمَاعُهُمْ وَوَحْدَةُ صَفِّهِمْ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَعَلَيْهِمُ الْأَخْذُ بِهَذَا السَّبَبِ الْعَظِيمِ الْمُوجِبِ لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالِابْتِعَادُ عَمَّا يُضَادُّهُ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ اللَّذَيْنِ هُمَا سَبَبُ الشَّقَاءِ وَالذُّلِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأُوصِي السَّلَفِيِّينَ مِنْهُمُ الَّذِينَ تَمَيَّزُوا بِالِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا أَنْ يُضَاعِفُوا جُهُودَهُمْ فِي إِصْلَاحِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَقِيدَةً وَعِبَادَةً وَسِيَاسَةً وَاقْتِصَاداً وَاجْتِمَاعاً وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ شُئُونِ حَيَاةِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَرْتَكِزَ كُلُّهَا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَأَنْ يُوَضِّحُوا ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعاً وَيُبْرِزُوا لَهُمْ حُسْنَ نِيَّتِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فَلَا يُرِيدُونَ إِلَّا دَفْعَ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ نَزَلَ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَتِيجَةً لِابْتِعَادِهِمْ عَنِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأُوصِي طُلَّابَ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءَ مِنْ مُخْتَلِفِ الِاتِّجَاهَاتِ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ فِي أُمَّتِهِمْ، اتَّقُوا اللهَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنْ يَسْعَوْا بِكُلِّ مَا يَسْتَطِيعُوا لِلْعَوْدَةِ بِالْأُمَّةِ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ عَقِيدَةٍ وَعِبَادَةٍ وَسِيَاسَةٍ وَاجْتِمَاعٍ وَأَخْلَاقٍ وَأَنْ يَبْتَعِدُوا كُلَّ الْبُعْدِ عَنِ الْهَوَى وَأَسْبَابِ الِاخْتِلَافِ الَّتِي فَعَلَتْ بِالْأُمَّةِ الْأَفَاعِيلَ وَقَدْ آنَ الْأَوَانُ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَهُبُّوا لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْغَايَاتِ النَّبِيلَةِ وَالِابْتِعَادِ بِالْمُسْلِمِينَ عَنْ كُلِّ مَا يُوقِعُهُمْ فِي الْوَهْنِ وَالذُّلِّ وَلَا يَصْلُحُ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ أَوَّلُهَا. عَلَى الْجَمِيعِ أَنْ يُدْرِكُوا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَا حَازَتِ الْخَيْرِيَّةَ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهَا إِلَّا لِكَوْنِهَا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُؤْمِنُونَ بِاللهِ.
وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَائِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ قَدْ حَازُوا هَذِهِ الْخَيْرِيَّةَ بِشَهَادَةِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّدِينَ يَلُونَهُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَكْثُرُ فِيهِمُ السِّمَنُ » (٤).
وَقَوْلُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَيَبْقَى حُفَالَةٌ -أَوْ حُثَالَةٌ- كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ بَالَةً» (٥).
فَعَلَى حَمَلَةِ الْعِلْمِ أَنْ يَنْصَحُوا لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَخَاصَّتِهِمْ حَتَّى يُنْقِذَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَنْ يُنْقِذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَالَةِ الْغُثَاءِ وَالْحُثَالَةِ، لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِذَلِكَ إِلَّا ابْتِعَادُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ عَنِ الِاعْتِصَامِ بِكِتَابِ اللهِ وَالِاحْتِكَامِ إِلَى اللهِ وَالِاحْتِكَامِ إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَعْلَنُوا ذَلِكَ بِجِدٍّ وَصِدْقٍ تَحَقَّقَ بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ.
نَسْأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُحَقِّقَ ذَلِكَ وَأَنْ يُبْعِدَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ أَسْبَابِ الْهَوَانِ وَالذُّلِّ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُفَرِّقَةِ وَالتَّحَاسُدِ وَالشَّحْنَاءِ وَالْبَغْضَاءِ الَّتِي يَلْمُسُهَا وَآثَارَهَا كُلُّ مَنْ يُرِيدُ لِلْأُمَّةِ هَذِهِ خَيْراً.
كَتَبَهُ تِلْمِيذُهُ وَابْنُهُ
خَالِدُ بْنُ ضَحْوِي الظَّفِيرِيُّ
وَأَوْصَانِي بِنَشْرِهَا فِي كُلِّ
مَكَانٍ فِي الْجَرَائِدِ وَغَيْرِهَا
أَمْلَاهُ
رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ
فِي عَصْرِ الْخَمِيسِ مِنْ لَيْلَةِ
٢٥ / ذِي الْحِجَّةِ / ١٤٢٠ هـ
(١) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ (١٠٢).
(٢) سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ (١).
(٣) سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الْآيَاتُ (٧٠-٧١).
(٤) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣٦٥٠) مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ).
(٥) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦٤٣٤) مِنْ حَدِيثِ مِرْدَاسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ).