الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ هُنَاكَ مَنْ يَخْتَرِعُ أُصُولًا يُحَارِبُ بِهَا أَهْلَ السُّنَّةِ لِيَرْمِيَهُمْ بِالْإِرْجَاءِ وَمِنْهَا أَصْلُهُمْ (مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ وَالْعَمَلَ كَمَالٌ وَفَرْعٌ).
وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْحَدَّادِيُّونَ وَعَلَى رَأْسِهِمْ فَوْزِيٌّ الْأَشَرِيُّ وَابْنُ حَمَدٍ وَعَبْدُالْحَمِيدِ الْجُهَنِيُّ وَعَبْدُاللهِ ابْنُ صَوَّانٍ الْغَامِدِيُّ صَاحِبُ شَبَكَةِ الْآفَاقِ وَأَهْلُ شَبَكَةِ الْأَشَرِيِّ الْحَدَّادِيُّونَ، وَقَدْ بَيَّنَّا لَهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ عَامِ ١٤٢٧ فَلَمْ يَرْدَعْهُمْ هَذَا الْبَيَانُ بَلْ أَصَرُّوا عَلَى هَذَا الْإِجْرَامِ رَمْيِ أَهْلِ السُّنَّةِ السَّابِقِينَ وَاللَّاحِقِينَ بِالْإِرْجَاءِ.
وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ هَتَكُوا أَسْتَارَهُمْ فَأَعْلَنُوا مَذْهَبَهُمُ التَّكْفِيرِيَّ الْخَارِجِيَّ فِي مَوَاقِعِهِمْ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ «مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَظْهَرَهَا اللهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ».
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ وَالْعَمَلَ فَرْعٌ أَوْ كَمَالٌ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَكِبَارُ أَئِمَّتِهِمْ وَمِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ هَذَا وَيُكَرِّرُهُ وَسَأَذْكُرُ أَسْمَاءَ غَيْرِهِ فِي هَذَا الْبَيَانِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
وَقَبْلَ أَنْ أُورِدَ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ أَسُوقُ بَعْضَ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٥].
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي مُسْنَدِهِ (٦/٤٧، ٩٩):
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفَهُمْ بِ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحٌ إِنْ سَلِمَ مِنْ إِرْسَالِ أَبِي قِلَابَةَ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْإِيمَانِ بِرَقْمِ (١٩) قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ خَالِدٍ بِهِ.
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو دَاوُودَ فِي سُنَنِهِ (٥/٦٠): حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» أَهْلِهِ».
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (٢/٢٥٠ وَ٤٧٢) وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقَيْنِ بِرَقْمِ (١٨ وَ٢٠) وَالتِّرْمِذِيُّ (٢/٤٥٤ رَقْمُ ١١٦٢) وَقَالَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا حَدِيثٌ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلَهُ شَاهِدٌ آخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٥/٦٠ رَقْمُ ٤٦٨١) وَشَاهِدٌ آخَرُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ وَيُرْوَى مِنْ طَرِيقَيْنِ ضَعِيفَيْنِ يُقَوِّي أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – إِلَي عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ:
«إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْإِيمَانِ (٤٥ رَقْمُ ١٣٥) بِإِسْنَادٍ
«صَحِيحٍ» وَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا (١/١٩).
أَقُولُ:
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِيمَانِ أَصْلًا وَكَمَالًا إِذِ الْكَمَالُ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى أَصْلٍ.
كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ الْمُهِمِّ:
١- قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَهْ فِي كِتَابِهِ الْإِيمَانِ (١/٣٣١-٣٣٢) بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَقْوَالَ الطَّوَائِفِ فِي الْإِيمَانِ:
«وَقَالَ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ: الْإِيمَانُ هُوَ الطَّاعَاتُ كُلُّهَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ غَيْرَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا وَفَرْعًا.
فَأَصْلُهُ الْمَعْرِفَةُ بِاللهِ وَالتَّصْدِيقُ لَهُ وَبِهِ وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعَ الْخُضُوعِ لَهُ وَالْحُبِّ لَهُ وَالْخَوْفِ مِنْهُ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ، مَعَ تَرْكِ التَّكَبُّرِ وَالِاسْتِنْكَافِ وَالْمُعَانَدَةِ، فَإِذَا أَتَى بِهَذَا الْأَصْلِ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ وَلَزِمَهُ اسْمُهُ وَأَحْكَامُهُ، وَلَا يَكُونُ مُسْتَكْمِلًا لَهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِفَرْعِهِ وَفَرْعُهُ الْمُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَوِ الْفَرَائِضُ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، وَقَدْ جَاءَ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ سِتُّونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ).
فَجَعَلَ الْإِيمَانَ شُعَبًا بَعْضُهَا بِاللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، وَبَعْضُهَا بِالْقَلْبِ، وَبَعْضُهَا بِسَائِرِ الْجَوَارِحِ».
وَقَالَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ (١/٣٥٠): «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.
فَضَرَبَهَا مَثَلًا لِكَلِمَةِ الْإِيمَانِ وَجَعَلَ لَهَا أَصْلًا وَفَرْعًا وَثَمَرًا تُؤْتِيهِ كُلَّ حِينٍ».
أَقُولُ: بَيَّنَ الْإِمَامُ ابْنُ مَنْدَهْ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْإِيمَانِ وَأَنَّهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ وَبَيَّنَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ وَأَنَّهُ يَكُونُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:
الْمَعْرِفَةُ بِاللهِ وَالتَّصْدِيقُ لِلَّهِ وَبِهِ وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعَ الْخُضُوعِ وَالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالتَّعْظِيمِ الخ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَكْمِلُهُ الْعَبْدُ إِلَّا إِذَا أَتَى بِفُرُوعِهِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ مَعَ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ شُعَبِ الْإِيمَانِ.
وَفِي النَّصِّ الثَّانِي سَاقَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ الْآيَةَ.
ثُمَّ قَالَ فَضَرَبَهَا مَثَلًا لِكَلِمَةِ الْإِيمَانِ وَجَعَلَ لَهَا أَصْلًا وَفَرْعًا وَثَمَرًا.
فَمَا رَأْيُ أَهْلِ الشَّغَبِ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ حَكَى عَقِيدَتَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ هَذَا الْإِمَامُ وَسَاقَ بَعْضَ أَدِلَّتِهِمْ أَهُمْ مُرْجِئَةٌ؟! أَمْ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ حَقًّا؟
نُرِيدُ الْإِجَابَةَ الصَّادِقَةَ الصَّرِيحَةَ.
٢- وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ رَحِمَهُ اللهُ -حَاكِيًا قَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ خِلَالَ مُنَاقَشَتِهِ لِلْمُرْجِئَةِ-: «فَلَمَّا أَقَرَّتِ الْمُرْجِئَةُ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ هُوَ إِيمَانٌ يَكْمُلُ بِهِ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ، وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَنَا، وَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ أَوَّلُ الْإِسْلَامِ، ثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِيمَانِ، فَإِنْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ لَيْسَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَالْإِقْرَارُ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْإِسْلَامِ لَيْسَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَبِإِيجَابِهِمْ أَنَّ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ بِجَارِحَةِ اللِّسَانِ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ، يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا كُلَّمَا بَقَى مِنَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ مَا سَمَّى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَالرَّسُولُ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ إِيمَانًا، ثُمَّ شَهِدَتِ الْمُرْجِئَةُ أَنَّ الْإِقْرَارَ الَّذِي سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِسْلَامًا هُوَ إِيمَانٌ، فَمَا بَالُ سَائِرِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ مِنَ الْإِيمَانِ، فَهُوَ فِي الْأَخْبَارِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَفِي اللُّغَةِ، وَالْمَعْقُولِ كَذَلِكَ، إِذْ هُوَ خُضُوعٌ بِالْإِخْلَاصِ، إِلَّا أَنَّ لَهُ أَصْلًا وَفَرْعًا، فَأَصْلُهُ الْإِقْرَارُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَالْخُضُوعُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ خُضُوعُ اللِّسَانِ بِالْإِقْرَارِ بِالْإِلَهِيَّةِ بِالْإِخْلَاصِ لَهُ مِنَ الْقَلْبِ، وَاللِّسَانِ، أَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ ثُمَّ فُرُوعُ هَذَيْنِ الْخُضُوعُ لَهُ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ» وَمَا عَدَا مِنَ الْفَرَائِضِ، فَلِمَ جَعَلَتِ الْمُرْجِئَةُ الشَّهَادَةَ إِيمَانًا، وَلَمْ تَجْعَلْ جَمِيعَ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِيمَانًا؟! وَكَيْفَ جَعَلَتْ بَعْضَ مَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِسْلَامًا إِيمَانًا، وَلَمْ تَجْعَلْ جَمِيعَهُ إِيمَانًا وَتَبْدَأْ بِأَصْلِهِ، وَتُتْبِعْهُ بِفُرُوعِهِ، وَتَجْعَلْهُ كُلَّهُ إِيمَانًا؟!» تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ (٢/٧٠١-٧٠٢).
أ – انْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ عَنِ الْإِيمَانِ: «إِلَّا أَنَّ لَهُ أَصْلًا وَفَرْعًا، فَأَصْلُهُ الْإِقْرَارُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَالْخُضُوعُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ… الخ.
ب – وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ: «ثُمَّ فُرُوعُ هَذَيْنِ الْخُضُوعُ لَهُ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا» أَيْ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ».
جـ – وَإِلَى قَوْلِهِ: «وَكَيْفَ جَعَلَتْ بَعْضَ مَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِسْلَامًا إِيمَانًا، وَلَمْ تَجْعَلْ جَمِيعَهُ إِيمَانًا وَتَبْدَأْ بِأَصْلِهِ، وَتُتْبِعْهُ بِفُرُوعِهِ، وَتَجْعَلْهُ كُلَّهُ إِيمَانًا؟!».
– وَقَالَ أَيْضًا: «وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى أَيْضًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِمِثْلِ مَقَالَةِ هَؤُلَاءِ(٢) إِلَّا أَنَّهُمْ سَمَّوْهُ مُسْلِمًا لِخُرُوجِهِ مِنْ مِلَلِ الْكُفْرِ، وَلِإِقْرَارِهِ بِاللهِ، وَبِمَا قَالَ، وَلَمْ يُسَمُّوهُ مُؤْمِنًا، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مَعَ تَسْمِيَتِهِمْ إِيَّاهُ بِالْإِسْلَامِ كَافِرٌ، لَا كَافِرٌ بِاللهِ، وَلَكِنْ كَافِرٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَمَلِ، وَقَالُوا: كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ مِنَ الْمِلَّةِ، وَقَالُوا: مُحَالٌ أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ))، وَالْكُفْرُ ضِدُّ الْإِيمَانِ، فَلَا يَزُولُ(٣) عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ إِلَّا وَاسْمُ الْكُفْرِ لَازِمٌ لَهُ، لِأَنَّ الْكُفْرَ ضِدُّ الْإِيمَانِ إِلَّا أَنَّ الْكُفْرَ كُفْرَانِ: كُفْرٌ هُوَ جَحْدٌ بِاللهِ، وَبِمَا قَالَ، فَذَلِكَ ضِدُّ الْإِقْرَارِ بِاللهِ، وَالتَّصْدِيقِ بِهِ، وَبِمَا قَالَ، وَكُفْرٌ هُوَ عَمَلٌ ضِدُّ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ، أَلَا تَرَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))، قَالُوا: فَإِذَا لَمْ يُؤْمِنْ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ كُفْرٌ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ [إِذْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ] لِأَنَّهُ لَا يُضَيِّعُ الْمُفْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَيَرْكَبُ الْكَبَائِرَ إِلَّا مِنْ خَوْفِهِ(٤)، وَإِنَّ مَا يَقِلُّ خَوْفُهُ مِنْ قِلَّةِ تَعْظِيمِهِ لِلَّهِ، وَوَعِيدِهِ، فَقَدْ تَرَكَ مِنَ الْإِيمَانِ التَّعْظِيمَ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ الْخَوْفُ وَالْوَرَعُ عَنِ الْخَوْفِ، فَأَقْسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ((لَا يُؤْمِنُ إِذَا لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).
ثُمَّ قَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ))، وَأَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ)): (يَا كَافِرُ) وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ فَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِهِ أَخَاهُ كَافِرًا، وَبِقَوْلِهِ لَهُ: يَا كَافِرُ؛ كَافِرًا وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ دُونَ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ.
قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُ مَنِ احْتَجَّ عَلَيْنَا، فَزَعَمَ أَنَّا إِذَا سَمَّيْنَاهُ كَافِرًا، لَزِمَنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْكَافِرِينَ بِاللهِ، فَنَسْتَتِيبَهُ، وَنُبْطِلَ الْحُدُودَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ إِذَا كَفَرَ، فَقَدْ زَالَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْمُؤْمِنِينَ، وَحُدُودُهُمْ، وَفِي ذَلِكَ إِسْقَاطُ الْحُدُودِ، وَأَحْكَامِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ كُلِّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً، فَإِنَّا لَمْ نَذْهَبْ فِي ذَلِكَ إِلَى حَيْثُ ذَهَبُوا.
وَلَكِنَّا نَقُولُ: لِلْإِيمَانِ أَصْلٌ وَفَرْعٌ، وَضِدُّ الْإِيمَانِ الْكُفْرُ فِي كُلِّ مَعْنًى، فَأَصْلُ الْإِيمَانِ: الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ، وَفَرْعُهُ إِكْمَالُ الْعَمَلِ بِالْقَلْبِ، وَالْبَدَنِ، فَضِدُّ الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ: الْكُفْرُ بِاللهِ، وَبِمَا قَالَ، وَتَرْكُ التَّصْدِيقِ بِهِ، وَلَهُ.
وَضِدُّ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ، وَلَيْسَ هُوَ إِقْرَارٌ، كُفْرٌ، لَيْسَ بِكُفْرٍ بِاللهِ [يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ،] وَلَكِنْ كُفْرٌ يُضَيِّعُ الْعَمَلَ كَمَا كَانَ الْعَمَلُ إِبْمَانًا، وَلَيْسَ هُوَ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ إِقْرَارٌ بِاللهِ، فَكَمَا كَانَ مَنْ تَرَكَ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ إِقْرَارٌ بِاللهِ كَافِرًا يُسْتَتَابُ، وَمَنْ تَرَكَ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ مِثْلَ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّوْمِ، أَوْ تَرَكَ الْوَرَعَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَالزِّنَا، فَقَدْ زَالَ عَنْهُ بَعْضُ الْإِيمَانِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ عِنْدَنَا، وَلَا عِنْدَ مَنْ خَالَفَنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَهْلِ الْبِدَعِ…» [تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ (٢/٥١٧-٥١٩)].
وَالشَّاهِدُ فِي قَوْلِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: (وَلَكِنَّا نَقُولُ: لِلْإِيمَانِ أَصْلٌ وَفَرْعٌ، وَضِدُّ الْإِيمَانِ الْكُفْرُ فِي كُلِّ مَعْنًى، فَأَصْلُ الْإِيمَانِ: الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ، وَفَرْعُهُ إِكْمَالُ الْعَمَلِ بِالْقَلْبِ، وَالْبَدَنِ).
٣- قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ:
أ- «ثُمَّ هُوَ فِي الْكِتَابِ بِمَعْنَيَيْنِ(٢): أَصْلٌ، وَفَرْعٌ وَاجِبٌ، فَالْأَصْلُ الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَرَاءَ الْعَمَلِ؛ فَلِهَذَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البينة: ٧] وَالَّذِي يَجْمَعُهُمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، وَ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٤٤]. وَحَدِيثُ الْحَيَاءِ، وَوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَصْلٍ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ، وَمِنْ وَاجِبٍ يَنْقُصُ بِفَوَاتِهِ نَقْصًا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعُقُوبَةَ، وَمِنْ مُسْتَحَبٍّ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ عُلُوُّ الدَّرَجَةِ، فَالنَّاسُ فِيهِ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمُقْتَصِدٌ وَسَابِقٌ، كَالْحَجِّ وَكَالْبَدَنِ وَالْمَسْجِدِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْيَانِ، وَالْأَعْمَالِ وَالصِّفَاتِ، فَمِنْ سَوَاءِ أَجْزَائِهِ مَا إِذَا ذَهَبَ نَقَصَ عَنِ الْأَكْمَلِ وَمِنْهُ مَا نَقَصَ عَنِ الْكَمَالِ، وَهُوَ تَرْكُ الْوَاجِبَاتِ أَوْ فِعْلُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمِنْهُ مَا نَقَصَ رُكْنَهُ وَهُوَ تَرْكُ الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ، الَّذِي يَزْعُمُ الْمُرْجِئَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ أَنَّهُ مُسَمًّى فَقَطْ، وَبِهَذَا تَزُولُ شُبُهَاتُ الْفِرَقِ، وَأَصْلُهُ الْقَلْبُ وَكَمَالُهُ الْعَمَلُ الظَّاهِرُ، بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ أَصْلَهُ الظَّاهِرُ، وَكَمَالَهُ الْقَلْبُ».
أَقُولُ:
فَفِي هَذَا النَّصِّ جَعَلَ الشَّيْخُ الْإِسْلَامِ لِلْإِيمَانِ مَعْنَيَيْنِ أَصْلًا وَفَرْعًا وَأَشَارَ إِلَى كَوْنِ الْعَمَلِ كَمَالًا لِلْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ «فَمِنْ سَوَاءِ أَجْزَائِهِ مَا إِذَا ذَهَبَ نَقَصَ عَنِ الْأَكْمَلِ وَمِنْهُ مَا نَقَصَ عَنِ الْكَمَالِ وَهُوَ تَرْكُ الْوَاجِبَاتِ أَوْ فِعْلُ الْمُحَرَّمَاتِ إِلَخْ وَأَكَّدَ هَذَا التَّقْرِيرَ بِقَوْلِهِ عَنِ الْإِيمَانِ: «وَأَصْلُهُ الْقَلْبُ وَكَمَالُهُ الْعَمَلُ الظَّاهِرُ.
وَقَالَ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ: (بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ) فَإِنَّ أَصْلَهُ الظَّاهِرُ، وَكَمَالَهُ الْقَلْبُ».(٦)
فَمَاذَا يَقُولُ الْمُتَطَفِّلُونَ عَلَى عُلُومِ الْإِسْلَامِ وَعَقَائِدِهِ فِي هَذَا الْإِمَامِ الْجِهْبِذِ وَفِي تَقْرِيرِهِ هَذَا
عَنِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ؟!!.
ب- وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَالدِّينُ الْقَائِمُ بِالْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ عِلْمًا وَحَالًا هُوَ الْأَصْلُ، وَالْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ هِيَ الْفُرُوعُ، وَهِيَ كَمَالُ الْإِيمَانِ.
فَالدِّينُ أَوَّلُ مَا يُبْنَى مِنْ أُصُولِهِ وَيَكْمُلُ بِفُرُوعِهِ، كَمَا أَنْزَلَ اللهُ بِمَكَّةَ أُصُولَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْأَمْثَالِ الَّتِي هِيَ الْمَقَايِيسُ الْعَقْلِيَّةُ، وَالْقَصَصِ، وَالْوَعْدِ، وَالْوَعِيدِ، ثُمَّ أَنْزَلَ بِالْمَدِينَةِ ـ لَمَّا صَارَ لَهُ قُوَّةٌ ـ فُرُوعَهُ الظَّاهِرَةَ مِنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالْجِهَادِ، وَالصِّيَامِ، وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا، وَالْمَيْسِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وَاجِبَاتِهِ وَمُحَرَّمَاتِهِ.
فَأُصُولُهُ تُمِدُّ فُرُوعَهُ وَتُثَبِّتُهَا، وَفُرُوعُهُ تُكَمِّلُ أُصُولَهُ وَتَحْفَظُهَا، فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ نَقْصٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّمَا يَقَعُ ابْتِدَاءً مِنْ جِهَةِ فُرُوعِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الصَّلَاةُ).(٧)
صَرَّحَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هُنَا بِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْأَصْلُ وَالْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ هِيَ الْفُرُوعُ وَهِيَ كَمَالُ الْإِيمَانِ وَأَنَّ أُصُولَهُ تُمِدُّ فُرُوعَهُ وَتُثَبِّتُهَا وَأَنَّ فُرُوعَهُ تُكَمِّلُ أُصُولَهُ.
ج- وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ اللهَ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ فِي مَوَاضِعَ، فَهَذَا صَحِيحٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا أُطْلِقَ أَدْخَلَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِيهِ الْأَعْمَالَ الْمَأْمُورَ بِهَا.
وَقَدْ يُقْرَنُ بِهِ الْأَعْمَالُ، وَذَكَرْنَا نَظَائِرَ لِذَلِكَ كَثِيرَةً؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ هُوَ مَا فِي الْقَلْبِ. وَالْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ لَازِمَةٌ لِذَلِكَ. لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ إِيمَانِ الْقَلْبِ الْوَاجِبِ مَعَ عَدَمِ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، بَلْ مَتَى نَقَصَتِ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ كَانَ لِنَقْصِ الْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ؛ فَصَارَ الْإِيمَانُ مُتَنَاوِلًا لِلْمَلْزُومِ وَاللَّازِمِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مَا فِي الْقَلْبِ؛ وَحَيْثُ عُطِفَتْ عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ، فَإِنَّهُ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِإِيمَانِ الْقَلْبِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ».(٨)
وَهُنَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ هُوَ مَا فِي الْقَلْبِ وَأَنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ لَازِمَةٌ لَهُ.
وَلَا يُرِيدُ بِهَذَا التَّلَازُمِ إِلَّا التَّلَازُمَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَفُرُوعِهِ.
د- وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَكَذَلِكَ يُذْكَرُ الْإِيمَانُ أَوَّلًا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ.
ثُمَّ يَذْكُرُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فَإِنَّهُ أَيْضًا مِنْ تَمَامِ الدِّينِ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلَا يَظُنَّ الظَّانُّ اكْتِفَاءَهُ بِمُجَرَّدِ إِيمَانٍ لَيْسَ مَعَهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ».(٩)
وَهُنَا بَيَّنَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنِ الْإِيمَانِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ وَأَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ لَا بُدَّ مِنْهُ».
فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْعَمَلَ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ يَعْنِى الْإِيمَانَ، وَهَذَا أَمْرٌ يُبَدِّعُ بِهِ أَهْلُ الْفِتَنِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ».
هـ- وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «ثُمَّ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ نَصَرُوا قَوْلَ جَهْمٍ يَقُولُونَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ، وَيَقُولُونَ: ((الْإِيمَانُ فِي الشَّرْعِ)) هُوَ مَا يُوَافِي بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَجَعَلُوا فِي ((مَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ)) مُسَمَّى الْإِيمَانِ مَا ادَّعَوْا أَنَّهُ مُسَمَّاهُ فِي الشَّرْعِ، وَعَدَلُوا عَنِ اللُّغَةِ، فَهَلَّا فَعَلُوا هَذَا فِي الْأَعْمَالِ. وَدَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الْوَاجِبَةَ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ لَا تُحْصَى كَثْرَةً، بِخِلَافِ دَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى إِيمَانًا؛ إِلَّا مَا مَاتَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ».(١٠)
انْظُرْ إِلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ كَيْفَ صَرَّحَ أَنَّ دَلَالَةَ الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الْوَاجِبَةَ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ لَا تُحْصَى كَثْرَةً أَيْ أَنَّهَا مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ فَقَدْ جَعَلَ الْأَعْمَالَ الْوَاجِبَةَ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ.
وَهَذَا أَمْرٌ مُنْكَرٌ وَإِرْجَاءٌ خَطِيرٌ عِنْدَ جُهَّالِ أَهْلِ الْفِتَنِ وَالشَّغَبِ فَمَاذَا يَقُولُ فِيهِمْ مَنْ يُهَوِّنُ مِنْ شَأْنِهِمْ وَمِنْ خَطَرِ فِتْنَتِهِمْ؟» وَيَرَى أَنَّهُ يَجِبُ السُّكُوتُ عَنْهُمْ.
و- وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَإِذَا ذُكِرَ اسْمُ الْإِيمَانِ مُجَرَّدًا، دَخَلَ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الشُّعَبِ: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ). وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَجْعَلُ فِيهَا أَعْمَالَ الْبِرِّ مِنَ الْإِيمَانِ.
ثُمَّ إِنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ عِنْدَ عَدَمِهَا، دَلَّ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَإِنْ ذَكَرَ فَضْلَ إِيمَانِ صَاحِبِهَا -وَلَمْ يَنْفِ إِيمَانَهُ- دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ؛ فَإِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَنْفِي اسْمَ مُسَمَّى أَمْرٍ –أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ- إِلَّا إِذَا تُرِكَ بَعْضُ وَاجِبَاتِهِ، كَقَوْلِهِ: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ)، وَقَوْلِهِ: (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ) وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مُسْتَحَبًّا فِي الْعِبَادَةِ لَمْ يَنْفِهَا لِانْتِفَاءِ الْمُسْتَحَبِّ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ جَازَ، لَجَازَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُؤْمِنِينَ اسْمَ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ عَمَلٍ إِلَّا وَغَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَفْعَلُ أَفْعَالَ الْبِرِّ مِثْلَ مَا فَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بَلْ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ. فَلَوْ كَانَ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِكَمَالِهَا الْمُسْتَحَبِّ يَجُوزُ نَفْيُهَا عَنْهُ، لَجَازَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْكَمَالُ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ نَفْيُ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ الَّذِي يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيَتَعَرَّضُ لِلْعُقُوبَةِ، فَقَدْ صَدَقَ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ نَفْيُ الْكَمَالِ الْمُسْتَحَبِّ، فَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ؛ فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ الْوَاجِبَ كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْتَقِصْ مِنْ وَاجِبِهِ شَيْئًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: مَا فَعَلَهُ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا. فَإِذَا قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: (ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، وَقَالَ لِمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ -وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ–: (لَا صَلَاةَ لِفَذٍّ خَلْفَ الصَّفِّ) كَانَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، يُبَيِّنُ أَنَّ الْجِهَادَ وَاجِبٌ، وَتَرْكَ الِارْتِيَابِ وَاجِبٌ».(١١)
ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هُنَا حَدِيثَ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَذَكَرَ أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ مِنَ الْإِيمَانِ، وَذَكَرَ مَا يُفِيدُ أَنَّ لِلْإِيمَانِ كَمَالًا وَاجِبًا وَكَمَالًا مُسْتَحَبًّا، وَأَنَّهُ إِذَا نُفِيَ الْإِيمَانُ عَنِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا النَّفْيِ نَفْيُ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ لَا الْكَمَالِ الْمُسْتَحَبِّ.
مِثْلُ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، فَنَفْيُ الصَّلَاةِ هُنَا عَنْ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لَا اسْتِحْبَابِهَا وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ إِنَّ النَّفْيَ هُنَا نَفْيٌ لِلْكَمَالِ الْوَاجِبِ لَا نَفْيٌ لِحَقِيقَةِ الصَّلَاةِ.
وَنَفْيُ الْإِيمَانِ عَنْ مَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمَانَةَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَهِيَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُ أَنَّهُ كَافِرٌ خَارِجٌ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَنُنَبِّهُ الْقَارِئَ هُنَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ قَصْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مِنَ التَّمْثِيلِ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ بَيَانُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا النَّفْيِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ لَا نَفْيُ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَلَا نَفْيُ الْكَمَالِ الْمُسْتَحَبِّ.
وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
فَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا تَكْفِيرَ هَؤُلَاءِ الْعُصَاةِ بِالْكَبَائِرِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا وَلَا إِخْرَاجَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَعْتَقِدُ الْخَوَارِجُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ كَمَالِ الْإِيمَانِ الْمُسْتَحَبِّ عَنْهُمْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَفْيُ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ.
فَالَّذِي لَا يُجِيزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ لِلْإِيمَانِ كَمَالًا وَتَمَامًا مَاذَا يَقُولُ فِي نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ وَالْمُنْتَهِبِ وَمُؤْذِي جَارِهِ؟.
إِنْ قَالَ الْمُرَادُ نَفْيُ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ مَذْهَبِهِ فِي رَمْيِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ وَالْعَمَلَ كَمَالٌ.
وَإِنْ قَالَ إِنَّ الْمَنْفِيَّ عَنِ الْعَاصِي: الزَّانِي وَغَيْرِهِ إِنَّمَا هُوَ الْإِيمَانُ الْمُقَابِلُ لِلْكُفْرِ الْأَكْبَرِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ نَادَى عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مِنَ الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ.
ح- وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الْمَجْمُوعِ (١٣/١٥٧-١٥٩): «وَقَالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٧].
وَالْأُصُولُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أُصُولِ الشَّجَرَةِ وَأَسَاسِ الْبِنَاءِ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ فِيهِ: الْأَصْلُ مَا ابْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ، أَوْ مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ غَيْرُهُ.
فَالْأُصُولُ الثَّابِتَةُ هِيَ أُصُولُ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا قِيلَ:
أَيُّهَا الْمُغْتَدِي لِتَطْلُبَ عِلْمًا كُلُّ عِلْمٍ عَبْدٌ لِعِلْمِ الرَّسُولِ
تَطْلُبُ الْفَرْعَ كَيْ تُصَحِّحَ حُكْمًا ثُمَّ أَغْفَلْتَ أَصْلَ أَصْلِ الْأُصُولِ
وَاللهُ يَهْدِينَا وَسَائِرَ إِخْوَانِنَا الْمُؤْمِنِينَ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقًا.
وَهَذِهِ الْأُصُولُ يَنْبَنِي عَلَيْهَا مَا فِي الْقُلُوبِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا.
وَقَدْ ضَرَبَ اللهُ مَثَلَ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَثَلَ الْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي فِي قُلُوبِ الْكَافِرِينَ. وَالْكَلِمَةُ هِيَ قَضِيَّةٌ جَازِمَةٌ وَعَقِيدَةٌ جَامِعَةٌ، وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوتِيَ فَوَاتِحَ الْكَلَامِ، وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ، فَبُعِثَ بِالْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْعُلُومِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ عَلَى أَتَمِّ قَضِيَّةٍ، فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ -وَهِيَ الْعَقِيدَةُ الْإِيمَانِيَّةُ التَّوْحِيدِيَّةُ- كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، فَأَصْلُ أُصُولِ الْإِيمَانِ ثَابِتٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ كَثَبَاتِ أَصْلِ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وَاللهُ -سُبْحَانَهُ- مَثَّلَ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ، أَيْ: كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، بِشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ».
وَهُنَا اسْتَدَلَّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِى ضَرَبَ اللهُ فِيهَا الْمَثَلَ لِلْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ لَهَا أَصْلٌ ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ فَكَمَا أَنَّ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ أَصْلًا يَقُومُ عَلَيْهَا فُرُوعٌ وَلَهَا ثِمَارٌ طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ شَجَرَةُ الْإِيمَانِ لَهَا أَصْلٌ ثَابِتٌ وَلَهَا فُرُوعٌ وَثِمَارٌ طَيِّبَةٌ وَالْأَصْلُ كَمَا قَالَ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَوْ مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ غَيْرُهُ.
هَكَذَا يَفْهَمُ الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ الْقُرْآنَ وَأَمْثَالَهُ الْمَضْرُوبَةَ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «مَنْ عَبَدَ اللهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ» فَأَمَّا الْعَمَلُ الصَّالِحُ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ: فَلَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ، وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِعِبَادَةِ اللهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ تَنْتَظِمُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا: عِلْمَ الْقَلْبِ وَحَالَهُ، وَإِنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللِّسَانِ وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ أَيْضًا، فَإِنَّ وُجُودَ الْفُرُوعِ الصَّحِيحَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُودِ الْأُصُولِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، لَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا بَسْطَهُ» مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى (٢/٣٨٢).
وَقَالَ أَيْضًا: «وَالدِّينُ الْقَائِمُ بِالْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ عِلْمًا وَحَالًا هُوَ «الْأَصْلُ» وَالْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ هِيَ «الْفُرُوعُ» وَهِيَ كَمَالُ الْإِيمَانِ» مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى (١٠/٣٥٥).
٤- قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ (١/١٧١-١٧٤):
«وَمِنْهَا (أَيِ الْأَمْثَالِ) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٥] فَشَبَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَالشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ الثَّمَرَ النَّافِعَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَإِنَّهَا تُثْمِرُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ؛ فَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ مَرْضِيٍّ لِلهِ ثَمَرَةُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَفِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وَهُوَ الْمُؤْمِنُ ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يَقُولُ: يُرْفَعُ بِهَا عَمَلُ الْمُؤْمِنِ إِلَى السَّمَاءِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هَذَا مَثَلُ الْإِيمَانِ؛ فَالْإِيمَانُ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ وَأَصْلُهَا الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَزُولُ الْإِخْلَاصُ فِيهِ وَفَرْعُهُ فِي السَّمَاءِ خَشْيَةُ اللهِ، وَالتَّشْبِيهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ وَأَحْسَنُ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ شَبَّهَ شَجَرَةَ التَّوْحِيدِ فِي الْقَلْبِ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الثَّابِتَةِ الْأَصْلِ الْبَاسِقَةِ الْفَرْعِ فِي السَّمَاءِ عُلُوًّا الَّتِي لَا تَزَالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَهَا كُلَّ حِينٍ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا التَّشْبِيهَ رَأَيْتَهُ مُطَابِقًا لِشَجَرَةِ التَّوْحِيدِ الثَّابِتَةِ الرَّاسِخَةِ فِي الْقَلْبِ الَّتِي فُرُوعُهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ صَاعِدَةٌ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُثْمِرُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ كُلَّ وَقْتٍ بِحَسَبِ ثَبَاتِهَا فِي الْقَلْبِ وَمَحَبَّةِ الْقَلْبِ لَهَا وَإِخْلَاصِهِ فِيهَا وَمَعْرِفَتِهِ بِحَقِيقَتِهَا وَقِيَامِهِ بِحُقُوقِهَا وَمُرَاعَاتِهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.
فَمَنْ رَسَخَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي قَلْبِهِ بِحَقِيقَتِهَا الَّتِي هِيَ حَقِيقَتُهَا وَاتَّصَفَ قَلْبُهُ بِهَا وَانْصَبَغَ بِهَا بِصِبْغَةِ اللهِ الَّتِي لَا أَحْسَنَ صِبْغَةً مِنْهَا فَعَرَفَ حَقِيقَةَ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا قَلْبُهُ لِلهِ وَيَشْهَدُ بِهَا لِسَانُهُ وَتُصَدِّقُهَا جَوَارِحُهُ وَنَفَى تِلْكَ الْحَقِيقَةَ وَلَوَازِمَهَا عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللهِ وَوَاطَأَ قَلْبُهُ لِسَانَهُ فِي هَذَا النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَانْقَادَتْ جَوَارِحُهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ طَائِعَةً سَالِكَةً سُبُلَ رَبِّهِ ذُلُلًا غَيْرَ نَاكِبَةٍ عَنْهَا وَلَا بَاغِيَةٍ سِوَاهَا بَدَلًا كَمَا لَا يَبْتَغِي الْقَلْبُ سِوَى مَعْبُودِهِ الْحَقِّ بَدَلًا فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ هَذَا الْقَلْبِ عَلَى هَذَا اللِّسَانِ لَا تَزَالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَهَا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الصَّاعِدِ إِلَى اللهِ كُلَّ وَقْتٍ، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الَّتِي رَفَعَتْ هَذَا الْعَمَلَ الصَّالِحَ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تُثْمِرُ كَلِمًا كَثِيرًا طَيِّبًا يُقَارِنُهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فَيَرْفَعُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ لِقَائِلِهَا عَمَلًا صَالِحًا كُلَّ وَقْتٍ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إِذَا شَهِدَ بِهَا الْمُؤْمِنُ عَارِفًا بِمَعْنَاهَا وَحَقِيقَتِهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مُتَّصِفًا بِمُوجَبِهَا قَائِمًا قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ وَجَوَارِحُهُ بِشَهَادَتِهِ، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الَّتِي رَفَعَتْ هَذَا الْعَمَلَ مِنْ هَذَا الشَّاهِدِ أَصْلُهَا ثَابِتٌ رَاسِخٌ فِي قَلْبِهِ وَفُرُوعُهَا مُتَّصِلَةٌ بِالسَّمَاءِ وَهِيَ مُخْرِجَةٌ لِثَمَرَتِهَا كُلَّ وَقْتٍ.
وَمِنَ السَّلَفِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ هِيَ النَّخْلَةُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الصَّحِيحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ الْمُؤْمِنُ نَفْسُهُ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يَعْنِي بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الْمُؤْمِنَ وَيَعْنِي بِالْأَصْلِ الثَّابِتِ فِي الْأَرْضِ وَالْفَرْعِ فِي السَّمَاءِ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ يَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ وَيَتَكَلَّمُ فَيَبْلُغُ عَمَلُهُ وَقَوْلُهُ السَّمَاءَ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قَالَ: ذَلِكَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ لَا يَزَالُ يَخْرُجُ مِنْهُ كَلَامٌ طَيِّبٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ يَصْعَدُ إِلَى اللهِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ قَالَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ ضُرِبَ مَثَلُهُ فِي الْإِخْلَاصِ لِلهِ وَحْدَهُ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ قَالَ أَصْلُ عَمَلِهِ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ قَالَ ذِكْرُهُ فِي السَّمَاءِ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْمَثَلِ الْمُؤْمِنُ وَالنَّخْلَةُ مُشَبَّهَةٌ بِهِ وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِهَا وَإِذَا كَانَتِ النَّخْلَةُ شَجَرَةً طَيِّبَةً فَالْمُؤْمِنُ الْمُشَبَّهُ بِهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَمَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ إِنَّهَا شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَالنَّخْلَةُ مِنْ أَشْرَفِ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ.
حِكْمَةُ تَشْبِيهِ الْمُؤْمِنِ بِالشَّجَرَةِ.
وَفِي هَذَا الْمَثَلِ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ مَا يَلِيقُ بِهِ وَيَقْتَضِيهِ عِلْمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَحِكْمَتُهُ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّجَرَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ عُرُوقٍ وَسَاقٍ وَفُرُوعٍ وَوَرَقٍ وَثَمَرٍ فَكَذَلِكَ شَجَرَةُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ لِيُطَابِقَ الْمُشَبَّهُ الْمُشَبَّهَ بِهِ، فَعُرُوقُهَا الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالْيَقِينُ، وَسَاقُهَا الْإِخْلَاصُ وَفُرُوعُهَا الْأَعْمَالُ وَثَمَرَتُهَا مَا تُوجِبُهُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مِنَ الْآثَارِ الْحَمِيدَةِ وَالصِّفَاتِ الْمَمْدُوحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الزَّكِيَّةِ وَالسَّمْتِ الصَّالِحِ وَالْهَدْى وَالدَّلِّ الْمَرْضِيِّ فَيُسْتَدَلُّ عَلَى غَرْسِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِي الْقَلْبِ وَثُبُوتِهَا فِيهِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ».
أَقُولُ:
١- انْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُثْمِرُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ مَرْضِيٍّ لِلهِ ثَمَرَةُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.
٢- وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ: وَالتَّشْبِيهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ وَأَحْسَنُ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ شَبَّهَ شَجَرَةَ التَّوْحِيدِ فِي الْقَلْبِ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الثَّابِتَةِ الْأَصْلِ الْبَاسِقَةِ الْفَرْعِ فِي السَّمَاءِ عُلُوًّا …. إِلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا التَّشْبِيهَ رَأَيْتَهُ مُطَابِقًا لِشَجَرَةِ التَّوْحِيدِ الثَّابِتَةِ الرَّاسِخَةِ فِي الْقَلْبِ الَّتِي فُرُوعُهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ صَاعِدَةٌ إِلَى السَّمَاءِ وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُثْمِرُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ …. إِلَخْ.
٣- وَإِلَى قَوْلِهِ: «وَفِي هَذَا الْمَثَلِ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ مَا يَلِيقُ بِهِ وَيَقْتَضِيهِ عِلْمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَحِكْمَتُهُ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّجَرَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ عُرُوقٍ وَسَاقٍ وَفُرُوعٍ وَوَرَقٍ وَثَمَرٍ، فَكَذَلِكَ شَجَرَةُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ؛ لِيُطَابِقَ الْمُشَبَّهَ بِهِ فَعُرُوقُهَا الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالْيَقِينُ، وَسَاقُهَا الْإِخْلَاصُ، وَفُرُوعُهَا الْأَعْمَالُ وَثَمَرَتُهَا مَا تُوجِبُهُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مِنَ الْآثَارِ الْحَمِيدَةِ وَالصِّفَاتِ الْمَمْدُوحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الزَّكِيَّةِ وَالسَّمْتِ الصَّالِحِ وَالْهَدْيِ وَالدَّلِّ الْمَرْضِيِّ، فَيُسْتَدَلُّ عَلَى غَرْسِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِي الْقَلْبِ وَثُبُوتِهَا فِيهِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ».
فَتَرَاهُ هُنَا اعْتَبَرَ الْإِخْلَاصَ وَالتَّوْحِيدَ شَجَرَةً فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ وَفُرُوعُهَا الْأَعْمَالُ الخ.
وَالشِّرْكَ وَالْكَذِبَ وَالرِّيَاءَ شَجَرَةً فِي قَلْبِ الْكَافِرِ وَذَكَرَ أَنَّ ثِمَارَهَا فِي الدُّنْيَا الْخَوْفُ وَثِمَارَهَا فِي الْآخِرَةِ الزَّقُّومُ وَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ وَأَحَالَ بِالْمَثَلَيْنِ إِلَى الْقُرْآنِ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ.
فَهَلْ هَذَا الْإِمَامُ مُرْجِئٌ عِنْدَ أَجْهَلِ الْفِرَقِ؟!
بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ كُلُّهُمْ مُرْجِئَةٌ عَلَى أَصْلِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ، وَمِنْهُمْ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ، لَكِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ يُبَرِّآنِ أَهْلَ السُّنَّةِ وَأَئِمَّتَهُمْ مِمَّا يَقْذِفُهُمْ بِهِ الْحَدَّادِيَّةُ: خَوَارِجُ وَمُرْجِئَةُ الْعَصْرِ تَبَعًا لِلْخَوَارِجِ الْأَوَّلِينَ.
وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ الْفَوَائِدِ (ص١٧٩-١٨٠) طـ دَارِ مَكْتَبَةِ الصَّفَا):
«وَالْإِخْلَاصُ وَالتَّوْحِيدُ شَجَرَةٌ فِي الْقَلْبِ؛ فُرُوعُهَا الْأَعْمَالُ وَثَمَرُهَا طِيبُ الْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ فِي الْآخِرَةِ، وَكَمَا أَنَّ ثِمَارَ الْجَنَّةِ لَا مَقْطُوعَةٌ وَلَا مَمْنُوعَةٌ فَثَمَرَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ.
وَالشِّرْكُ وَالْكَذِبُ وَالرِّيَاءُ؛ شَجَرَةٌ فِي الْقَلْبِ ثَمَرُهَا فِي الدُّنْيَا الْخَوْفُ وَالْهَمُّ وَالْغَمُّ وَضِيقُ الصَّدْرِ وَظُلْمَةُ الْقَلْبِ، وَثَمَرُهَا فِي الْآخِرَةِ الزَّقُّومُ وَالْعَذَابُ الْمُقِيمُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ».
٥- وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ (١/١٥١).
«وَقَدْ ضَرَبَ الْعُلَمَاءُ مَثَلَ الْإِيمَانِ بِمَثَلِ شَجَرَةٍ لَهَا أَصْلٌ وَفُرُوعٌ وَشُعَبٌ فَاسْمُ الشَّجَرَةِ يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَلَوْ زَالَ شَيْءٌ مِنْ شُعَبِهَا وَفُرُوعِهَا لَمْ يَزُلْ عَنْهَا اسْمُ الشَّجَرَةِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: هِيَ شَجَرَةٌ نَاقِصَةٌ أَوْ غَيْرُهَا أَتَمُّ مِنْهَا.
وَقَدْ ضَرَبَ اللهُ مَثَلَ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٥].
وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَبِأَصْلِهَا التَّوْحِيدُ الثَّابِتُ فِي الْقُلُوبِ، وَأُكُلُهَا: هُوَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ النَّاشِئَةُ مِنْهُ.
وَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُسْلِمِ بِالنَّخْلَةِ وَلَوْ زَالَ شَيْءٌ مِنْ فُرُوعِ النَّخْلَةِ أَوْ مِنْ ثَمَرِهَا لَمْ يَزُلْ بِذَلِكَ عَنْهَا اسْمُ النَّخْلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ الْفُرُوعِ أَوِ الثَّمَرِ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي فَتْحِ الْبَارِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (١/٢٧-٢٨):
وَقَدْ ضَرَبَ اللهُ وَرَسُولُهُ مَثَلَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ بِالنَّخْلَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٥].
فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَهِيَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ جَارِيَةٌ عَلَى لِسَانِ الْمُؤْمِنِ وَثُبُوتُ أَصْلِهَا هُوَ ثُبُوتُ التَّصْدِيقِ بِهَا فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَارْتِفَاعُ فَرْعِهَا فِي السَّمَاءِ هُوَ عُلُوُّ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَبُسُوقُهَا وَأَنَّهَا تَخْرِقُ الْحُجُبَ وَلَا تَتَنَاهَى دُونَ الْعَرْشِ، وَإِتْيَانُهَا أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ:
هُوَ مَا يُرْفَعُ بِسَبَبِهَا لِلْمُؤْمِنِ فِي كُلِّ حِينٍ مِنَ الْقَوْلِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَهُوَ ثَمَرَتُهَا.
وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُسْلِمِ كَمَثَلِ النَّخْلَةِ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: مَثَلُ (الْإِسْلَامِ) كَشَجَرَةٍ أَصْلُهَا الشَّهَادَةُ، وَسَاقُهَا كَذَا وَكَذَا، وَوَرَقُهَا كَذَا وَكَذَا، وَثَمَرُهَا: الْوَرَعُ، وَلَا خَيْرَ فِي شَجَرَةٍ لَا ثَمَرَ لَهَا، وَلَا خَيْرَ فِي إِنْسَانٍ لَا وَرَعَ فِيهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا دَخَلَ فِي مُسَمَّى الشَّجَرَةِ وَالنَّخْلَةِ مِنْ فُرُوعِهَا وَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا وَثَمَرِهَا إِذَا ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْهُ لَمْ يَذْهَبْ عَنِ الشَّجَرَةِ اسْمُهَا؛ وَلَكِنْ يُقَالُ: هِيَ شَجَرَةٌ نَاقِصَةٌ، وَغَيْرُهَا أَكْمَلُ مِنْهَا، فَإِنْ قُطِعَ أَصْلُهَا وَسَقَطَتْ لَمْ تَبْقَ شَجَرَةً؛ وَإِنَّمَا تَصِيرُ حَطَبًا، فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ إِذَا زَالَ مِنْهُ بَعْضُ مَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهُ مَعَ بَقَاءِ أَرْكَانِ بُنْيَانِهِ لَا يَزُولُ بِهِ اسْمُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سُلِبَ الِاسْمُ عَنْهُ لِنَقْصِهِ بِخِلَافِ مَا انْهَدَمَتْ أَرْكَانُهُ وَبُنْيَانُهُ فَإِنَّهُ يَزُولُ مُسَمَّاهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ: وَهَذَا الْمَثَلُ الْقُرْآنِيُّ مِنْ أَقْوَى وَأَوْضَحِ الْأَمْثِلَةِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ لِلْإِيمَانِ أَصْلًا وَفُرُوعًا وَهَذَا الْمَثَلُ وَتَفْسِيرُهُ مِنْ أَقْوَى مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الْمُؤْمِنَ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ وَيُخْرِجُونَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ عَقِيدَتَهُمُ الْفَاسِدَةَ تَقُولُ: إِنَّ الْإِيمَانَ إِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ.
وَهُوَ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَيْضًا أَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ، وَيُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِنَ الْإِيمَانِ.
٦- قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي فَتْحِ الْمَجِيدِ (ص٨-٩):
«وَأَمَّا كِتَابُهُ (١٢) الْمَذْكُورُ فَمَوْضُوعُهُ فِي بَيَانِ مَا بَعَثَ بِهِ اللهُ رُسُلَهُ مِنْ تَوْحِيدِ الْعِبَادَةِ وَبَيَانِهِ بِالْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذِكْرِ مَا يُنَافِيهِ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ أَوْ يُنَافِي كَمَالَهُ الْوَاجِبَ، مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ وَنَحْوِهِ، وَمَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يُوصِلُ إِلَيْهِ».
أَقُولُ: إِنَّ تَوْحِيدَ الْعِبَادَةِ هُوَ مَضْمُونُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَصْلِ الْإِيمَانِ وَأَنَّ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ يُنَافِي هَذَا التَّوْحِيدَ وَالشِّرْكَ الْأَصْغَرَ يُنَافِي كَمَالَهُ وَإِذَنْ فَلِلْإِيمَانِ أَصْلٌ وَكَمَالٌ عِنْدَ هَذَا الْإِمَامِ وَهَذَا سَيْرٌ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ السَّلَفِ.
وَنَقَلَ عَنِ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- قَوْلَهُ: «فَإِنَّ الْقُرْآنَ إِمَّا خَبَرٌ عَنِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، فَهُوَ التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ الْخَبَرِيُّ، وَإِمَّا دَعْوَةٌ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَخَلْعِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، فَهُوَ التَّوْحِيدُ الْإِرَادِيُّ الطَّلَبِيُّ، وَإِمَّا أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِلْزَامٌ بِطَاعَتِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَهُوَ حُقُوقُ التَّوْحِيدِ وَمُكَمِّلَاتُهُ، وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ إِكْرَامِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا فُعِلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَمَا يُكْرِمُهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ جَزَاءُ تَوْحِيدِهِ، وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَمَا فُعِلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّكَالِ وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ فِي الْعُقْبَى مِنَ الْعَذَابِ، فَهُوَ جَزَاءُ مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ التَّوْحِيدِ، فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي التَّوْحِيدِ وَحُقُوقِهِ وَجَزَائِهِ، وَفِي شَأْنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وَجَزَائِهِمْ» انْتَهَى.(١٣)
انْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ لِلتَّوْحِيدِ بِأَنْوَاعِهِ حُقُوقًا وَمُكَمِّلَاتٍ وَهِيَ الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي وَالطَّاعَاتُ فَمَا حُكْمُ ابْنِ الْقَيِّمِ وَالشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَلْ قَالُوا هُنَا بِقَوْلِ الْمُرْجِئَةِ.
فَمَا أَكْثَرَ سَعْيَ الْحَدَّادِيَّةِ لِهَدْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأُصُولِهِمُ الْعَظِيمَةِ بِجَهَالَاتِهِمْ وَوَسَاوِسِهِمْ.
قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ فِي بَابِ مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الْحَلْقَةِ وَالْخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا … الخ، سَاقَ فِي الْبَابِ بَعْضَ الْأَدِلَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ
أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى فَقَطَعَهُ وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾.
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ فِي فَتْحِ الْمَجِيدِ (ص١٠٤-١٠٥): «قَوْلُهُ (وَتَلَا قَوْلَهُ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾) اسْتَدَلَّ حُذَيْفَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا شِرْكٌ، فَفِيهِ صِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ بِمَا أَنْزَلَهُ اللهُ فِي الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ لِشُمُولِ الْآيَةِ وَدُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الشِّرْكِ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَفِي هَذِهِ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ مَا يُبَيِّنُ كَمَالَ عِلْمِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وَمَا يُنَافِيهِ أَوْ يُنَافِي كَمَالَهُ».
فَهُنَا يُثْنِي الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى الصَّحَابَةِ بِكَمَالِ عِلْمِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وَمَا يُنَافِيهِ وَيُنَافِي كَمَالَهُ وَهَذَا حَقٌّ فَمَنْ أَعْلَمُ بِاللهِ وَبِدِينِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
٧- وَقَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِ تَيْسِيرِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ (ص١١٤):
«فَإِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَمَامُ ذَلِكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ نَشَأَ فِي الْمَعْرُوفِ، فَلَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهُ، فَقَدْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِالْمُنْكَرِ وَضَرَرِهِ مَا عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ، وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الْجِهَادِ لِأَهْلِهِ مَا عِنْدَ الْخَبِيرِ بِهِمْ».
وَهُنَا يُثْبِتُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ لِلْإِسْلَامِ كَمَالًا هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَمَامُ ذَلِكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
٨- وَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلُ الشَّيْخِ – رَحِمَهُ اللهُ – فِي رَدِّهِ عَلَى افْتِرَاءَاتِ عُثْمَانَ بْنِ مَنْصُورٍ عَلَى الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ: «فَمَحَا اللهُ بِدَعْوَتِهِ (أَيِ الْإِمَامَ مُحَمَّدًا) شِعَارَ الشِّرْكِ وَمَشَاهِدَهُ، وَهَدَمَ بُيُوتَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَمَعَابِدَهُ، وَكَبَتَ الطَّوَاغِيتَ وَالْمُلْحِدِينَ، وَأَلْزَمَ مَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَوَادِي وَسُكَّانِ الْقُرَى بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْهُدَى، وَكَفَّرَ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَاسْتَرَابَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ، وَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْمُسْكِرَاتِ، وَنَهَى عَنِ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ، وَأَمَرَ بِمُتَابَعَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ، فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ مِنْ مَسَائِلِ الدِّينِ، حَتَّى ظَهَرَ دِينُ اللهِ وَاسْتَعْلَنَ. وَاسْتَبَانَ بِدَعْوَتِهِ مِنْهَاجُ الشَّرِيعَةِ وَالسُّنَنِ وَقَامَ قَائِمُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحُدَّتِ الْحُدُودُ الشَّرْعِيَّةُ، وَعُزِّرَتِ التَّعَازِيرُ الدِّينِيَّةُ، وَانْتَصَبَ عَلَمُ الْجِهَادِ، وَقَاتَلَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالْعِنَادِ، حَتَّى سَارَتْ دَعْوَتُهُ وَثَبَتَ نُصْحُهُ لِلهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَجَمَعَ اللهُ بِهِ الْقُلُوبَ بَعْدَ شَتَاتِهَا، وَتَأَلَّفَتْ بَعْدَ عَدَاوَتِهَا، وَصَارُوا بِنِعْمَةِ اللهِ إِخْوَانًا» مِصْبَاحُ الظَّلَامِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَذَبَ الشَّيْخَ الْإِمَامَ (ص١٧).
وَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّطِيفِ أَيْضًا خِلَالَ مُنَاقَشَتِهِ لِعُثْمَانَ بْنِ مَنْصُورٍ وَبَيَانِ جَهْلِهِ وَضَلَالِهِ: «وَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَى أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِمَا رَدَّ بِهِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ مَنْطِقِ الْيُونَانِ فَظَنَّ أَنَّ الْبَحْثَ فِي التَّوْحِيدِ وَتَحْقِيقِهِ. وَالنَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ وَسَدَّ ذَرَائِعِهِ، وَقَطْعَ وَسَائِلِهِ وَتَبَيُّنَ حَقِيقَتِهِ. وَالْفَرْقَ بَيْنَ أَصْغَرِهِ وَأَكْبَرِهِ هُوَ مِنْ جِنْسِ أَبْحَاثِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلسَّلَفِ فِي خَوْضِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ، وَبَقِيَّةِ الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ. وَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا رَدَّ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ. وَذَكَرَ أَنَّ تَحْقِيقَ التَّوْحِيدِ وَذِكْرَ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَثَمَرَاتِهِ وَبَيَانَ الشِّرْكِ وَذِكْرَ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَوَسَائِلِهِ وَذَرَائِعِهِ مِنْ جِنْسِ بِدْعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَانْفَتَحَ بِهَا الْبَثْقُ.
فَقِفْ هُنَا وَاعْتَبِرْ وَاعْرِفْ بُعْدَ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ عَنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى وَاعْرِفْ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾» مِصْبَاحُ الظَّلَامِ (ص٣٧٨).
وَعِنْدَهُمُ الْآنَ وَأَمَامَ أَعْيُنِهِمْ تُشَادُ فِي الْجَامِعَاتِ كُلِّيَّاتٌ بِاسْمِ كُلِّيَّاتِ أُصُولِ الدِّينِ، وَكُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ أَيِ الْفُرُوعِ.
فَعَلَى أَيِّ أَسَاسٍ قَامَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَاتُ عَلَى أَيْدِي عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَالتَّوْحِيدِ؟ عَلَى مَذْهَبِ الْإِرْجَاءِ عِنْدَ الْحَدَّادِيَّةِ وَعَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَأَقُولُهَا صَرِيحَةً لَوْ قَالَ عَالِمٌ أَنَّ فِي الْأَعْمَالِ أُصُولًا مِثْلَ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ لَقُلْتُ وَغَيْرِي نَعَمْ وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَقَائِمَةٌ عَلَى أَسَاسِهَا كَمَا قَرَّرَ ذَلِكَ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ وَأَدِلَّتَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَالِ، فَلَا تَخَالُفَ وَلَا تَصَادُمَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَذَاكَ.
٩- قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي (تَيْسِيرِ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَنَّانِ: ص ٤٢٥):
يَقُولُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَفُرُوعُهَا ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وَهِيَ النَّخْلَةُ ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ فِي الْأَرْضِ ﴿وَفَرْعُهَا﴾ مُنْتَشِرٌ ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ وَهِيَ كَثِيرَةُ النَّفْعِ دَائِمًا، ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ أَيْ: ثَمَرَتَهَا ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فَكَذَلِكَ شَجَرَةُ الْإِيمَانِ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، عِلْمًا وَاعْتِقَادًا. وَفَرْعُهَا مِنَ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ، وَالْآدَابِ الْحَسَنَةِ، فِي السَّمَاءِ دَائِمًا، يَصْعَدُ إِلَى اللهِ مِنْهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ الَّتِي تُخْرِجُهَا شَجَرَةُ الْإِيمَانِ، مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَيَنْفَعُ غَيْرَهُ ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، فَإِنَّ فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ تَقْرِيبًا لِلْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنَ الْأَمْثَالِ الْمَحْسُوسَةِ، وَيَتَبَيَّنُ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ اللهُ غَايَةَ الْبَيَانِ وَيَتَّضِحُ غَايَةَ الْوُضُوحِ، وَهَذَا مِنْ رَحْمَتِهِ وَحُسْنِ تَعْلِيمِهِ. فَلِلهِ أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ وَأَعَمُّهُ، فَهَذِهِ صِفَةُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَثَبَاتِهَا فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
– وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ فِي الْقَوْلِ السَّدِيدِ (الْمَجْمُوعَةُ الْكَامِلَةُ ٣/١٣-١٤) فِي شَرْحِ بَابِ: مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ:
«وَهَذَا الْبَابُ تَكْمِيلٌ لِلْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَتَابِعٌ لَهُ، فَإِنَّ تَحْقِيقَ التَّوْحِيدِ تَهْذِيبُهُ وَتَصْفِيَتُهُ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، وَمِنَ الْبِدَعِ الْقَوْلِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ، وَالْبِدَعِ الْفِعْلِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَمِنَ الْمَعَاصِي وَذَلِكَ بِكَمَالِ الْإِخْلَاصِ لِلهِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْإِرَادَاتِ، وَبِالسَّلَامَةِ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الْمُنَاقِضِ لِأَصْلِ التَّوْحِيدِ، وَمِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ الْمُنَافِي لِكَمَالِهِ، وَبِالسَّلَامَةِ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تُكَدِّرُ التَّوْحِيدَ وَتَمْنَعُ كَمَالَهُ، وَتَعُوقُهُ عَنْ حُصُولِ آثَارِهِ».
فَهُنَا صَرَّحَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ بِأَنَّ لِلتَّوْحِيدِ أَصْلًا يُنَافِيهِ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ وَلَهُ كَمَالٌ يُنَافِيهِ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ وَأَنَّ الْبِدَعَ وَالْمَعَاصِيَ تَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ.
فَمَاذَا يُرِيدُ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ لِلْإِيمَانِ أَصْلًا وَكَمَالًا (فَرْعًا) وَبِأَيِّ حَقٍّ يُضَلِّلُ مَنْ يُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالَ بِهِ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.
– وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِ التَّوْضِيحِ وَالْبَيَانِ لِشَجَرَةِ الْإِيمَانِ (٨٧/٨٨):
«أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا كِتَابٌ يَحْتَوِي عَلَى مَبَاحِثِ الْإِيمَانِ الَّتِي هِيَ أَهَمُّ مَبَاحِثِ الدِّينِ، وَأَعْظَمُ أُصُولِ الْحَقِّ وَالْيَقِينِ؛ مُسْتَمِدًّا ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ الْكَرِيمِ – الْكَفِيلِ بِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْأُصُولِ تَحْقِيقًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ – وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الَّتِي تُوَافِقُ الْكِتَابَ وَتُفَسِّرُهُ وَتُعَبِّرُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مُجْمَلَاتِهِ، وَتُفَصِّلُ كَثِيرًا مِنْ مُطْلَقَاتِهِ. مُبْتَدِئًا بِتَفْسِيرِهِ، مُثَنِّيًا بِذِكْرِ أُصُولِهِ وَمُقَوِّمَاتِهِ، وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يُسْتَمَدُّ؟ مُثَلِّثًا بِفَوَائِدِهِ وَثَمَرَاتِهِ، وَمَا يَتْبَعُ هَذِهِ الْأُصُولَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٥].
فَمَثَّلَ اللهُ كَلِمَةَ الْإِيمَانِ – الَّتِي هِيَ أَطْيَبُ الْكَلِمَاتِ- بِشَجَرَةٍ هِيَ أَطْيَبُ الْأَشْجَارِ، مَوْصُوفَةٍ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ: أُصُولُهَا ثَابِتَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَنَمَاؤُهَا مُسْتَمِرٌّ، وَثَمَرَاتُهَا لَا تَزَالُ، كُلَّ وَقْتٍ وَكُلَّ حِينٍ، تُغِلُّ عَلَى أَهْلِهَا وَعَلَى غَيْرِهِمُ الْمَنَافِعَ الْمُتَنَوِّعَةَ، وَالثَّمَرَاتِ النَّافِعَةَ.
وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ مُتَفَاوِتَةٌ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ تَفَاوُتًا عَظِيمًا، بِحَسَبِ تَفَاوُتِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الَّتِي وَصَفَهَا اللهُ بِهَا.
فَعَلَى الْعَبْدِ الْمُوَفَّقِ أَنْ يَسْعَى لِمَعْرِفَتِهَا، وَمَعْرِفَةِ أَوْصَافِهَا وَأَسْبَابِهَا، وَأُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا؛ وَيَجْتَهِدَ فِي التَّحَقُّقِ بِهَا: عِلْمًا وَعَمَلًا. فَإِنَّ نَصِيبَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْفَلَاحِ، وَالسَّعَادَةِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ بِحَسَبِ نَصِيبِهِ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ».
انْظُرْ قَوْلَهُ عَنْ شَجَرَةِ الْإِيمَانِ وَتَفَاوُتِهَا: «فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى لِمَعْرِفَتِهَا وَمَعْرِفَةِ أَوْصَافِهَا وَأَسْبَابِهَا وَأُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا … الخ».
وَحَاصِلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ: أَنَّ لِلْإِيمَانِ أُصُولًا وَفُرُوعًا وَكَمَالًا وَأَنَّ الْإِيمَانَ كَالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ لَهَا أَصْلٌ وَفُرُوعٌ وَثِمَارٌ وَتِلْكَ الْفُرُوعُ وَالثِّمَارُ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ.
فَأَيْنَ هَذَا الْمَذْهَبُ الْأَصِيلُ الْقَائِمُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآمَنَ بِهِ أَسَاطِينُ الْأُمَّةِ مِنْ مَذْهَبِ الْإِرْجَاءِ الَّذِي لَا يَعْتَبِرُ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَجَرَةِ الْإِيمَانِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَبِرُونَ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ وَفَرْعٌ وَكَمَالٌ لِلْإِيمَانِ وَمِنْ شَجَرَةِ الْإِيمَانِ.
وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ نَقْلُهُ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ وَالتَّعْلِيقَاتِ الْمُوجَزَةِ عَلَيْهِ وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَنْصُرَ دِينَهُ وَيُعْلِيَ كَلِمَتَهُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
وَكَتَبَهُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي بْنِ عُمَيْرٍ الْمَدْخَلِيُّ
١٠/شَوَّال/١٤٢٧هـ
مُلْحَقٌ فِيهِ نَمُوذَجٌ مِنْ تَكْفِيرِ الْحَدَّادِيَّةِ فِي شَبَكَةِ الْآفَاقِ وَشَبَكَةِ الْأَثَرِيِّ:
قَالَ أَحْمَدُ الْحَازِمِيُّ:
«يَجِبُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ مُطْلَقًا دُونَ اسْتِثْنَاءٍ حَتَّى بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ هُمْ عَلَى الْجَادَّةِ، كِبَارُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَصَلَ عِنْدَهُمْ خَلَلٌ فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ، – مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ- فَيَرْجِعُ طَالِبُ الْعِلْمِ بِنَفْسِهِ وَيَقْرَأُ مَا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الرِّدَّةِ وَالْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ».
وَيَقُولُ: «وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالسَّلَفِيِّينَ أَكْثَرُهُمْ زَنَادِقَةٌ وَوَاللهِ إِنَّ الْجَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْهُمْ».
مَصْدَرُ الْفِقْرَتَيْنِ: [مَقْطَعٌ فِي الْيُوتْيُوبِ بِعُنْوَانِ: الَّذِينَ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ سَلَفِيِّينَ أَكْثَرُهُمْ زَنَادِقَةٌ!، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ مُفِيدِ الْمُسْتَفِيدِ الشَّرِيطُ ٢٦]
وَيَقُولُ: «الَّذِي يَعْذِرُ بِالْجَهْلِ، هَذَا إِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ عَلَى كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَرَكَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَارْتَدَّ».
الْمَصْدَرُ: [مِنْ شَرْحِ مُفِيدِ الْمُسْتَفِيدِ بِكُفْرِ تَارِكِ التَّوْحِيدِ الشَّرِيطُ ١٣]
وَيَقُولُ: «كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْبَلَدَ -أَيِ السُّعُودِيَّةَ- أَنَّهُ مُصَانٌ مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَالشِّرْكِيَّاتِ وَالْكُفْرِيَّاتِ.. وَجَدْنَا أَنَّ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْعِلْمِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِنْ لَمْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ فَهُمْ فَسَقَةٌ مُبْتَدِعَةٌ!».
الْمَصْدَرُ: http://safeshare.tv/w/wSpFRxnmTT
وَيَقُولُ عَنِ الْحَاكِمِ الَّذِينَ يَحْكُمُ بِالْقَوَانِينِ: «كَفِّرْهُ بِعَيْنِهِ».
الْمَصْدَرُ: [شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الشَّرْحُ الْمُخْتَصَرُ فِي الدَّرْسِ السَّادِسِ وَالْأَخِيرِ].
وَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ شَبَكَةِ الْأَثَرِيِّ مِنْ مُشَارَكَةِ الْعُضْوِ بْنِ حَمَدٍ الْأَثَرِيِّ فِيهَا تَكْفِيرٌ صَرِيحٌ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ:
[الصُّوَرُ مَوْجُودَةٌ فِي مَلَفِّ التَّحْمِيلِ]
(*) انْظُرْ مَقَالَ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْجُهَنِيِّ الْمَنْشُورَ فِي شَبَكَةِ الْآفَاقِ بِعُنْوَانِ: [حِوَارٌ مُبَاشِرٌ بَيْنَ مُرْجِئٍ قَدِيمٍ وَمُرْجِئٍ وَمُعَاصِرٍ].
(١) الْجَوَابُ: لَا. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَضْلِيلَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ.
(٢) الطَّائِفَةُ الْأُولَى هِيَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْقَوْلَ الْمَشْهُورَ فِي مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ إِنَّهُ مُؤْمِنٌ فَاسِقٌ أَوْ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ.
(٣) فِي الْأَصْلِ فَيُزِيلُ وَالتَّصْحِيحُ مِنْ «كِتَابِ الْإِيمَانِ» لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (٣٠٧).
(٤) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَصَلَ هُنَا سَقْطٌ وَلَعَلَّ أَصْلَ الْكَلَامِ إِلَّا مِنْ قِلَّةِ خَوْفِهِ وَالسِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى هَذَا.
(٥) يَعْنِي الْإِيمَانَ.
(٦) «مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى» (٧/٦٣٧).
(٧) «مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى» (١٠/٣٥٥-٣٥٦).
(٨) «مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى» (٧/١٩٨).
(٩) «مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى» (٧/١٩٩).
(١٠) «مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى» (٧/١٤٣).
(١١) «مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى» (٧/١٤-١٥).
(١٢) يَعْنِي «كِتَابَ التَّوْحِيدِ» لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ-.
(١٣) «فَتْحُ الْمَجِيدِ» (ص١٥-١٦) وَانْظُرْ «مَدَارِجَ السَّالِكِينَ» (٣/٤٤٩).