بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِ “الْعُبُودِيَّةِ” أَنَّ كَمَالَ الْمَخْلُوقِ فِي تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ.
وَسَاقَ آيَاتٍ فِيهَا كَمَالُ عُبُودِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
ثُمَّ قَالَ فِي (ص٥٢-٥٦):
“فَصْلٌ
إِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي هَذَا الْبَابِ تَفَاضُلًا عَظِيمًا، وَهُوَ تَفَاضُلُهُمْ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَهُمْ يَنْقَسِمُونَ فِيهِ إِلَى عَامٍّ وَخَاصٍّ، وَلِهَذَا كَانَتْ إِلَهِيَّةُ الرَّبِّ لَهُمْ فِيهَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، وَلِهَذَا كَانَ الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ” أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ”.
وَفِي ” الصَّحِيحِ ” عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ : ” تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتُكِسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتُقِشَ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ” (١) .
فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَبْدَ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدَ الدِّينَارِ، وَعَبْدَ الْقَطِيفَةِ، وَعَبْدَ الْخَمِيصَةِ، وَذَكَرَ مَا فِيهِ دُعَاءً وَخَبَرًا، وَهُوَ قَوْلُهُ : “تَعِسَ وَانْتُكِسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتُقِشَ”.
وَالنَّقْشُ: إِخْرَاجُ الشَّوْكَةِ مِنَ الرِّجْلِ. وَالْمِنْقَاشُ: مَا يُخْرَجُ بِهِ الشَّوْكَةُ .
وَهَذِهِ حَالُ مَنْ إِذَا أَصَابَهُ شَرٌّ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ وَلَمْ يُفْلِحْ لِكَوْنِهِ تَعِسَ وَانْتُكِسَ، فَلَا نَالَ الْمَطْلُوبَ، وَلَا خَلَصَ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَهَذِهِ حَالُ مَنْ عَبَدَ الْمَالَ.
وَقَدْ وَصَفَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِذَا مُنِعَ سَخِطَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾، [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ٥٨ ]، فَرِضَاهُمْ لِغَيْرِ اللهِ وَسَخَطُهُمْ لِغَيْرِ اللهِ (٢) .
وَهَكَذَا حَالُ مَنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِرِئَاسَةٍ أَوْ بِصُورَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَهْوَاءِ نَفْسِهِ، إِنْ حَصَلَ لَهُ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ سَخِطَ، فَهَذَا عَبْدُ مَا يَهْوَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ رَقِيقٌ لَهُ، إِذِ الرِّقُّ وَالْعُبُودِيَّةُ فِي الْحَقِيقَةِ: هُوَ رِقُّ الْقَلْبِ وَعُبُودِيَّتُهُ، فَمَا اسْتَرَقَّ الْقَلْبَ وَاسْتَعْبَدَهُ فَالْقَلْبُ عَبْدُهُ، وَلِهَذَا يُقَالُ:
الْعَبْدُ حُرٌّ مَا قَنِعْوَالْحُرُّ عَبْدٌ مَا طَمِعْ
وَقَالَ الْقَائِلُ :
أَطَعْتُ مَطَامِعِي فَاسْتَعْبَدَتْنِيوَلَوْ أَنِّي قَنِعْتُ لَكُنْتُ حُرًّا
وَيُقَالُ : الطَّمَعُ غُلٌّ فِي الْعُنُقِ وَقَيْدٌ فِي الرِّجْلِ، فَإِذَا زَالَ الْغُلُّ مِنَ الْعُنُقِ زَالَ الْقَيْدُ مِنَ الرِّجْلِ.
وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: “الطَّمَعُ فَقْرٌ، وَالْيَأْسُ غِنًى، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا يَئِسَ مِنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ” .
وَهَذَا أَمْرٌ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي يَيْأَسُ مِنْهُ لَا يَطْلُبُهُ، وَلَا يَطْمَعُ فِيهِ، وَلَا يَبْقَى قَلْبُهُ فَقِيرًا إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى مَنْ يَفْعَلُهُ. وَأَمَّا إِذَا طَمِعَ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَرَجَاهُ، فَإِنَّ قَلْبَهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيَصِيرُ فَقِيرًا إِلَى حُصُولِهِ، وَإِلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ سَبَبٌ فِي حُصُولِهِ، وَهَذَا فِي الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالصُّوَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ الْخَلِيلُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: ١٧ ] .
فَالْعَبْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ رِزْقٍ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ، فَإِذَا طَلَبَ رِزْقَهُ مِنَ اللهِ صَارَ عَبْدًا لِلَّهِ، فَقِيرًا إِلَيْهِ، وَإِذَا طَلَبَهُ مِنْ مَخْلُوقٍ صَارَ عَبْدًا لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ فَقِيرًا إِلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ مَسْأَلَةُ الْمَخْلُوقِ مُحَرَّمَةً فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ (٣) . وَفِي النَّهْى عَنْهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي ” الصِّحَاحِ ” وَ ” السُّنَنِ ” وَ ” الْمَسَانِيدِ ” كَقَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ” لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَهُ لَحْمٍ”، وَقَوْلِهِ : ” مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا أَوْ كُدُوشًا فِي وَجْهِهِ”. وَقَوْلِهِ : ” لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إِلَّا لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ (٤) “ وَهَذَا الْمَعْنَى فِي ” الصَّحِيحِ “.
وَفِيهِ أَيْضًا : ” لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَذْهَبَ فَيَحْتَطِبَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ “.
وَقَالَ : ” مَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُسْتَشْرِفٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ “، فَكَرِهَ أَخْذَهُ مِنْ سُؤَالِ اللِّسَانِ وَاسْتِشْرَافِ الْقَلْبِ.
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ” مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ “ (٥) .
وَأَوْصَى خَوَاصَّ أَصْحَابِهِ “أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا”.
وَفِي ” الْمُسْنَدِ ” أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِهِ، فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ : نَاوِلْنِي إِيَّاهُ، وَيَقُولُ : “إِنَّ خَلِيلِي أَمَرَنِي أَلَّا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا “.
وَفِي ” صَحِيحِ مُسْلِمٍ ” وَغَيْرِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- “بَايَعَهُ فِي طَائِفَةٍ، وَأَسَرَّ إِلَيْهِمْ كَلِمَةً خَفِيَّةً : ” أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا “، فَكَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمْ وَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ : نَاوِلْنِي إِيَّاهُ (٦) .
وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَسْأَلَةِ الْخَالِقِ وَالنَّهْيِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمَخْلُوقِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾،
[ سُورَةُ الشَّرْحِ ٧ ].
وَقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِابْنِ عَبَّاسٍ : ” إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ “.
وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَلِيلِ: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، [ سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ١٧ ] ، وَلَمْ يَقُلْ : فَابْتَغُوا الرِّزْقَ عِنْدَ اللهِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ يُشْعِرُ بِالِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا تَبْتَغُوا الرِّزْقَ إِلَّا عِنْدَ اللهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [ سُورَةُ النِّسَاءِ٣٢ ] ” اهـ .
أَقُولُ: رَحِمَ اللهُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَسَلَفَهُ الشُّرَفَاءَ الْكِرَامَ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمُ الْعَظِيمِ فِي كُلِّ الْمَيَادِينِ مِنْ ثَبَاتٍ عَلَى الْحَقِّ وَزُهْدٍ فِي الدُّنْيَا وَالْمَالِ وَمِنْ صِدْقٍ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كَتَبَهُ
رَبِيعُ بْنُ هَادِي عُمَيْرٍ الْمَدْخَلِيُّ
١٤/٦/١٤٣١هـ
الْحَوَاشِي:
١- أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي “الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ” حَدِيثَ (٢٨٨٧)، وَابْنُ مَاجَهْ فِي “الزُّهْدِ” حَدِيثَ (٤١٣٦).
٢- نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ أَحْوَالِ هَذَا النَّوْعِ الدَّنِيءِ.
٣- فَأَيْنَ عُبَّادُ الْمَالِ وَالْجَاهِ مِنْ هَذِهِ التَّرْبِيَةِ الْعَالِيَةِ، وَأَيْنَ هُمْ مِنْ فِقْهِ الْإِسْلَامِ وَالشَّرَفِ، وَمَا هِيَ الضَّرُورَةُ الَّتِي دَعَتْهُمْ لِفَتْحِ جُيُوبِهِمْ وَأَفْوَاهِهِمْ وَبُطُونِهِمْ لِأَمْوَالِ السُّحْتِ وَلَهْفِهَا مِنْ سَادَتِهِمْ وَمُسْتَعْبِدِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
٤- أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْحُثَالَاتُ الْأَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ مِنْ هَذِهِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ الْعَالِيَةِ الَّتِي وَعَاهَا الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
٥- هَذِهِ التَّوْجِيهَاتُ النَّبَوِيَّةُ لَا يَعِيهَا إِلَّا كِبَارُ النُّفُوسِ الشُّرَفَاءُ، لَا الْأَرَاذِلُ التَّافِهُونَ.
٦- فَيَا لَهَا مِنْ أَنْفُسٍ شَرِيفَةٍ عَزِيزَةٍ كَرِيمَةٍ، وَفِيَّةٍ بِبَيْعَةِ نَبِيِّهَا مُنَفِّذَةٍ لِوَصَايَاهُ الْغَالِيَةِ وَمُلْتَزِمَةٍ بِمَنْهَجِهِ فِي التَّرْبِيَةِ عَلَى الْعِزَّةِ وَالشَّرَفِ وَالْإِبَاءِ، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وَبُعْدًا وَسُحْقًا لِعُبَّادِ الْمَالِ الْأَذِلَّاءِ.