كتب مشكولة

الْخِيَانَاتُ وَالْغَدْرُ مِنْ شَرِّ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ

تَأْلِيفُ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ رَبِيعِ بْنِ هَادِي عُمَيْرٍ الْمَدْخَلِيِّ

تحميل PDF المصدر الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، ٥ صفحة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْأَمِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ -حَفِظَهُ اللهُ- فِي فَتْوَى سَابِقَةٍ:

“الْإِسْلَامُ مِنْ أَعْظَمِ مَزَايَاهُ: الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ، وَالْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ وَلَوْ لِلْكُفَّارِ، وَمِنْ خِصَالِ الْمُؤْمِنِينَ: عَدَمُ الْخِيَانَةِ، وَعَدَمُ الْغَدْرِ.

وَقَدْ حَصَلَتْ قِصَّةٌ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, أَنْ رَافَقَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ شِرْكِهِمْ وَسَافَرُوا إِلَى مِصْرَ فِي تِجَارَةٍ, وَحَصَلُوا عَلَى مَالٍ فَبَاتُوا لَيْلَةً، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ مَالَهُمْ, وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُسْلِمًا وَقَدَّمَ لَهُ الْمَالَ، وَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ, فَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ قَبِلْنَاهُ, أَمَّا الْمَالُ فَإِنَّهُ مَالُ غَدْرٍ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ(١).

لِأَنَّهُ نَشَأَ عَنْ غَدْرٍ؛ فَالْإِسْلَامُ لَا يُبِيحُ الْغَدْرَ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.

وَالْمَوْقِفُ الْآخَرُ: أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ عَهْدٌ بَيْنَ الرُّومِ وَالْمُسْلِمِينَ, وَلَمَّا أَشْرَفَ هَذَا الْعَهْدُ عَلَى النِّهَايَةِ تَحَرَّكَ مُعَاوِيَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِجَيْشِهِ يَقُولُ: إِذَا انْتَهَى الْوَقْتُ الْمُحَدَّدُ نَهْجُمُ عَلَى الْعَدُوِّ.

فَرَكِبَ شَيْخٌ عَلَى فَرَسِهِ وَكَانَ يَصِيحُ: اللهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ, اللهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ, فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَشُدَّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلَّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» فَتَوَقَّفَ مُعَاوِيَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-(٢).

فَالْغَدْرُ وَالْخِيَانَةُ لَا تَجُوزَانِ مَعَ الْكُفَّارِ وَمَعَ غَيْرِهِمْ, وَالتَّخْرِيبُ وَالتَّدْمِيرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ فِيهَا النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ وَالْأَبْرِيَاءُ وَلَا يَنْكَأُ عَدُوّاً، وَقَدْ يَفْرَحُ بِهَا الْعَدُوُّ لِتَشْوِيهِ صُورَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ, وَيَسْتَغِلُّهُ إِعْلَامِيّاً ضِدَّ الْإِسْلَامِ فَيُعْطُونَ لِلْإِسْلَامِ صُورَةً أَشَدَّ سَوَادًا مِنْ صُورَةِ الْأَدْيَانِ الْفَاسِدَةِ وَهَذَا مَا يُثْمِرُهُ تَصَرُّفَاتُ هَؤُلَاءِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا مَضْرِبَ الْمَثَلِ فِي الصِّدْقِ وَالْأَخْلَاقِ الْعَالِيَةِ وَالْوَفَاءِ وَالْأَمَانَةِ وَالْبُعْدِ عَمَّا يُنَاقِضُ هَذِهِ الصِّفَاتِ مِنَ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ وَالْهِوَايَةِ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ الَّتِي لَاتَنْفَعُ الْإِسْلَامَ بَلْ تَضُرُّهُ.

الْإِسْلَامُ فِيهِ جِهَادٌ شَرِيفٌ وَجِهَادٌ نَظِيفٌ يُعْلَنُ عَلَى الْقَوْمِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَبْلَ ذَلِكَ تُعْلَنُ الدَّعْوَةُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَتُبَيَّنُ لَهُمْ وَتُشْرَحُ لَهُمْ, فَإِنْ هَدَاهُمُ اللهُ وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ, كَمَا قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»(٣).

فَإِنِ اسْتَجَابُوا فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ: هِدَايَةُ النَّاسِ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.

وَالْقَصْدُ بِالْجِهَادِ: إِعْلَاءُ كَلِمَةِ اللهِ، وَهِدَايَةُ النَّاسِ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنْ حَظِيرَةِ الْكُفْرِ إِلَى حَظِيرَةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَإِذَا اهْتَدَتْ أُمَّةٌ عَلَى يَدِ شَخْصٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فَكَمْ يَنَالُ مِنَ الْأَجْرِ؟ وَكَمْ يَعْلُو عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[الْمُجَادَلَةِ:١١].

وَيَرْفَعُ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ دَرَجَاتٍ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[النِّسَاءِ:٩٥].

وَلَكِنِ الْجِهَادُ الشَّرِيفُ لَا جِهَادُ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ وَالْخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَعُودُ عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا بِالضَّرَرِ وَالشَّرِّ.

مِنْ شَرِيطٍ: [فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ فِي الِاغْتِيَالَاتِ وَالتَّفْجِيرَاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ الِانْتِحَارِيَّةِ].

(١) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢٧٣١).

(٢) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١٧٠١٥) وَأَبُو دَاوُدَ (٢٧٥٩)، وَالتِّرْمِذِيُّ (١٥٨٠) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٣٥٧).

(٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢٩٤٢) وَمُسْلِمٌ (٢٤٠٦)، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.