كتب مشكولة

رَفْعُ الْمَلَامِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ

تَأْلِيفُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ

تحميل PDF المصدر شيخ الإسلام ابن تيمية، ٧٨ صفحة

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى آلَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ صَلَاةً دَائِمَةً إلَى يَوْمِ لِقَائِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

وَبَعْدُ: فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ -بَعْدَ مُوَالَاةِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ- مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ. خُصُوصًا الْعُلَمَاءُ، الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ، يُهْتَدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ.

إذْ كُلُّ أُمَّةٍ -قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ- فَعُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا، إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ ﷺ فِي أُمَّتِهِ، وَالْمُحْيُونَ لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ. بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ، وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا.

وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ -الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا- يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ.

فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ. وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ، إلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ. وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ. وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:

أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ.

وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.

وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ.

وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ تَتَفَرَّعُ إلَى أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ:

السَّبَبُ الْأَوَّلُ:

أَنْ لَا يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ لَمْ يُكَلَّفْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمُوجَبِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهُ -وَقَدْ قَالَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ بِمُوجَبِ ظَاهِرِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ؛ أَوْ بِمُوجَبِ قِيَاسٍ؛ أَوْ مُوجَبِ اسْتِصْحَابٍ- فَقَدْ يُوَافِقُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ تَارَةً، وَيُخَالِفُهُ أُخْرَى.

وَهَذَا السَّبَبُ: هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ مُخَالِفًا لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ.

فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ؛ أَوْ يُفْتِي؛ أَوْ يَقْضِي؛ أَوْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ؛ فَيَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ مَنْ يَكُونُ حَاضِرًا، وَيُبَلِّغُهُ أُولَئِكَ -أَوْ بَعْضُهُمْ- لِمَنْ يُبَلِّغُونَهُ، فَيَنْتَهِي عِلْمُ ذَلِكَ إلَى مَنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ: قَدْ يُحَدِّثُ، أَوْ يُفْتِي، أَوْ يَقْضِي، أَوْ يَفْعَلُ شَيْئًا، وَيَشْهَدُهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَيُبَلِّغُونَهُ لِمَنْ أَمْكَنَهُمْ. فَيَكُونُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ مَا لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ.

وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ أَوْ جَوْدَتِهِ.

وَأَمَّا إحَاطَةُ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ ادِّعَاؤُهُ قَطُّ.

وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِأُمُورِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّتِهِ وَأَحْوَالِهِ، خُصُوصًا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الَّذِي لَمْ يَكُنْ يُفَارِقُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَضَرًا وَلَا سَفَرًا، بَلْ كَانَ يَكُونُ مَعَهُ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ، حَتَّى إنَّهُ يَسْمُرُ عِنْدَهُ بِاللَّيْلِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ: (دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) وَ(خَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) .

ثُمَّ إنَّهُ -مَعَ ذَلِكَ- لَمَّا سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ قَالَ: «مَالَكِ فِي كِتَابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ شَيْءٍ، وَلَكِنْ اسْأَلُ النَّاسَ» فَسَأَلَهُمْ. فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فَشَهِدَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ» وَقَدْ بَلَّغَ هَذِهِ السُّنَّةَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَيْضًا.

وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ثُمَّ قَدِ اخْتَصُّوا بِعِلْمِ هَذِهِ السُّنَّةِ الَّتِي قَدِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا.

وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ سُنَّةَ الِاسْتِئْذَانِ حَتَّى أَخْبَرَهُ بِهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَاسْتَشْهَدَ بِالْأَنْصَارِ . وَعُمَرُ أَعْلَمُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ بِهَذِهِ السُّنَّةِ.

وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَيْضًا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، بَلْ يَرَى: أَنَّ الدِّيَةَ لِلْعَاقِلَةِ، حَتَّى كَتَبَ إلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُوَ أَمِيرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى بَعْضِ الْبَوَادِي- يُخْبِرُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» فَتَرَكَ رَأْيَهُ لِذَلِكَ، وَقَالَ: «لَوْ لَمْ نَسْمَعْ بِهَذَا لَقَضَيْنَا بِخِلَافِهِ» . وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حُكْمَ الْمَجُوسِ فِي الْجِزْيَةِ، حَتَّى أَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ .

وَلَمَّا قَدِمَ سَرْغَ وَبَلَغَهُ أَنَّ الطَّاعُونَ بِالشَّامِ، اسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَعَهُ، ثُمَّ الْأَنْصَارَ، ثُمَّ مُسْلِمَةَ الْفَتْحِ، فَأَشَارَ كُلٌّ عَلَيْهِ بِمَا رَأَى، وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِسُنَّةٍ، حَتَّى قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَأَخْبَرَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الطَّاعُونِ، وَأَنَّهُ قَالَ: «إذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» .

وَتَذَاكَرَ هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَمْرَ الَّذِي يَشُكُّ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ يَطْرَحُ الشَّكَّ، وَيَبْنِي عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ» .

وَكَانَ مَرَّةً فِي السَّفَرِ، فَهَاجَتْ رِيحٌ فَجَعَلَ يَقُولُ: «مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ؟» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَلَغَنِي وَأَنَا فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَحَثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُ، فَحَدَّثْتُهُ بِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ .

فَهَذِهِ مَوَاضِعُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَتَّى بَلَّغَهُ إيَّاهَا مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ، وَمَوَاضِعُ أُخَرُ لَمْ يَبْلُغْهُ مَا فِيهَا مِنَ السُّنَّةِ فَقَضَى فِيهَا أَوْ أَفْتَى فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ.

مِثْلَ مَا قَضَى فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ: أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ مَنَافِعِهَا، وَقَدْ كَانَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- -وَهُمَا دُونَهُ بِكَثِيرٍ فِي الْعِلْمِ- عِلْمٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ يَعْنِي الْإِبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ» فَبَلَغَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي إمَارَتِهِ فَقَضَى بِهَا، وَلَمْ يَجِدِ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنَ اتِّبَاعِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا فِي حَقِّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ.

وَكَذَلِكَ كَانَ يَنْهَى الْمُحْرِمَ عَنِ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ؛ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، هُوَ وَابْنُهُ عَبْدُ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ» .

وَكَانَ يَأْمُرُ لَابِسَ الْخُفِّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَخْلَعَهُ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَلَمْ تَبْلُغْهُمْ أَحَادِيثُ التَّوْقِيتِ الَّتِي صَحَّتْ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ صَحِيحَةٍ .

وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ فِي بَيْتِ الْمَوْتِ، حَتَّى حَدَّثَتْهُ الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكٍ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- بِقَضِيَّتِهَا لَمَّا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» فَأَخَذَ بِهِ عُثْمَانُ. وَأُهْدِيَ لَهُ مَرَّةً صَيْدٌ كَانَ قَدْ صِيدَ لِأَجْلِهِ، فَهَمَّ بِأَكْلِهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ لَحْمًا أُهْدِيَ لَهُ .

وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ -وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ- وَذَكَرَ حَدِيثَ صَلَاةِ التَّوْبَةِ الْمَشْهُورَ . وَأَفْتَى هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَقَدْ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، حَيْثُ أَفْتَاهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ عِدَّتَهَا وَضْعُ حَمْلِهَا .

وَأَفْتَى هُوَ وَزَيْدٌ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- بِأَنَّ الْمُفَوَّضَةَ «إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا» وَلَمْ تَكُنْ بَلَغَتْهُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- .

وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَبْلُغُ الْمَنْقُولُ مِنْهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَدَدًا كَثِيرًا جِدًّا.

وَأَمَّا الْمَنْقُولُ مِنْهُ عَنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ أُلُوفٌ.

فَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَعْلَمَ الْأُمَّةِ وَأَفْقَهَهَا، وَأَتْقَاهَا وَأَفْضَلَهَا، فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْقَصُ؛ فَخَفَاءُ بَعْضِ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ أَوْلَى فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ.

فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ قَدْ بَلَغَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، أَوْ إِمَامًا مُعَيَّنًا فَهُوَ مُخْطِئٌ خَطَأً فَاحِشًا قَبِيحًا.

وَلَا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ دُوِّنَتْ وَجُمِعَتْ؛ فَخَفَاؤُهَا وَالْحَالُ هَذِهِ بَعِيدٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الدَّوَاوِينَ الْمَشْهُورَةَ فِي السُّنَنِ إِنَّمَا جُمِعَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ انْحِصَارَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دَوَاوِينَ مُعَيَّنَةٍ.

ثُمَّ لَوْ فُرِضَ انْحِصَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَلَيْسَ كُلُّ مَا فِي الْكُتُبِ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ، وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِأَحَدٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ الدَّوَاوِينُ الْكَثِيرَةُ وَهُوَ لَا يُحِيطُ بِمَا فِيهَا.

بَلِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ جَمْعِ هَذِهِ الدَّوَاوِينِ كَانُوا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِكَثِيرٍ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا بَلَغَهُمْ وَصَحَّ عِنْدَهُمْ قَدْ لَا يَبْلُغُنَا إِلَّا عَنْ مَجْهُولٍ؛ أَوْ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ؛ أَوْ لَا يَبْلُغُنَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَتْ دَوَاوِينُهُمْ صُدُورَهُمُ الَّتِي تَحْوِي أَضْعَافَ مَا فِي الدَّوَاوِينِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ عَلِمَ الْقَضِيَّةَ.

وَلَا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا. لِأَنَّهُ إِنِ اشْتُرِطَ فِي الْمُجْتَهِدِ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَفَعَلَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ: فَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ عَلَى هَذَا مُجْتَهِدٌ، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَالِمِ: أَنْ يَعْلَمَ جُمْهُورَ ذَلِكَ وَمُعْظَمَهُ، بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ التَّفْصِيلِ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ مِنَ التَّفْصِيلِ الَّذِي يَبْلُغُهُ.

السَّبَبُ الثَّانِي:

أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ.

إِمَّا لِأَنَّ مُحَدِّثَهُ، أَوْ مُحَدِّثَ مُحَدِّثِهِ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ أَوْ مُتَّهَمٌ أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ.

وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مُسْنَدًا بَلْ مُنْقَطِعًا؛ أَوْ لَمْ يَضْبِطْ لَفْظَ الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ قَدْ رَوَاهُ الثِّقَاتُ لِغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ، بِأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ يَعْلَمُ مِنَ الْمَجْهُولِ عِنْدَهُ الثِّقَةَ، أَوْ يَكُونَ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ أُولَئِكَ الْمَجْرُوحِينَ عِنْدَهُ؛ أَوْ قَدِ اتَّصَلَ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الْمُنْقَطِعَةِ، وَقَدْ ضَبَطَ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ الْحُفَّاظِ؛ أَوْ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ مِنَ الشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَاتِ مَا يُبَيِّنُ صِحَّتَهَا. وَهَذَا أَيْضًا كَثِيرٌ جِدًّا، وَهُوَ فِي التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إِلَى الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَكْثَرُ مِنَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، أَوْ كَثِيرٌ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.

فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ كَانَتْ قَدِ انْتَشَرَتْ وَاشْتَهَرَتْ، لَكِنْ كَانَتْ تَبْلُغُ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ، وَقَدْ بَلَغَتْ غَيْرَهُمْ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الطُّرُقِ، فَتَكُونُ حُجَّةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ مَنْ خَالَفَهَا مِنَ الْوَجْهِ الْآخَرِ.

وَلِهَذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ تَعْلِيقُ الْقَوْلِ بِمُوجَبِ الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّتِهِ، فَيَقُولُ: «قَوْلِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا وَقَدْ رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ بِكَذَا؛ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ قَوْلِي» .

السَّبَبُ الثَّالِثُ: اعْتِقَادُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ

بِاجْتِهَادٍ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ طَرِيقٍ آخَرَ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ، أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، أَوْ مَعَهُمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: «كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ» .

وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ:

مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ يَعْتَقِدُهُ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا؛ وَيَعْتَقِدُهُ الْآخَرُ ثِقَةً. وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ عِلْمٌ وَاسِعٌ.

ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْمُصِيبُ مَنْ يَعْتَقِدُ ضَعْفَهُ؛ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَبَبٍ جَارِحٍ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَ الْآخَرِ لِمَعْرِفَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ غَيْرُ جَارِحٍ؛ إِمَّا لِأَنَّ جِنْسَهُ غَيْرُ جَارِحٍ؛ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْجَرْحَ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.

وَلِلْعُلَمَاءِ بِالرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ، مِثْلُ مَا لِغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي عُلُومِهِمْ.

وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَعْتَقِدَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ، وَغَيْرُهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ لِأَسْبَابٍ تُوجِبُ ذَلِكَ مَعْرُوفَةٍ.

وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لِلْمُحَدِّثِ حَالَانِ: حَالُ اسْتِقَامَةٍ، وَحَالُ اضْطِرَابٍ. مِثْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ، أَوْ تَحْتَرِقَ كُتُبُهُ، فَمَا حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ الِاسْتِقَامَةِ صَحِيحٌ، وَمَا حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ الِاضْطِرَابِ ضَعِيفٌ، فَلَا يُدْرَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ مِنْ أَيِّ النَّوْعَيْنِ؟ وَقَدْ عَلِمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ مِمَّا حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ الِاسْتِقَامَةِ.

وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ قَدْ نَسِيَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِيمَا بَعْدُ، أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَ بِهِ، مُعْتَقِدًا أَنَّ هَذَا عِلَّةٌ تُوجِبُ تَرْكَ الْحَدِيثِ. وَيَرَى غَيْرُهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ.

وَمِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحِجَازِيِّينَ يَرَوْنَ أَلَّا يُحْتَجَّ بِحَدِيثٍ عِرَاقِيٍّ أَوْ شَامِيٍّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ بِالْحِجَازِ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: «نَزِّلُوا أَحَادِيثَ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِمَنْزِلَةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ» .

وَقِيلَ لِآخَرَ: سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حُجَّةٌ؟ قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ بِالْحِجَازِ فَلَا.

وَهَذَا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ ضَبَطُوا السُّنَّةَ، فَلَمْ يَشِذَّ عَنْهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَعَ فِيهَا اضْطِرَابٌ أَوْجَبَ التَّوَقُّفَ فِيهَا.

وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ يَرَى أَلَّا يُحْتَجَّ بِحَدِيثِ الشَّامِيِّينَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى تَرْكِ التَّضْعِيفِ بِهَذَا.

فَمَتَى كَانَ الْإِسْنَادُ جَيِّدًا كَانَ الْحَدِيثُ حُجَّةً، سَوَاءٌ كَانَ الْحَدِيثُ حِجَازِيًّا، أَوْ عِرَاقِيًّا، أَوْ شَامِيًّا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ- كِتَابًا فِي مَفَارِيدِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ مِنَ السُّنَنِ، بَيَّنَ مَا اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي لَا تُوجَدُ مُسْنَدَةً عِنْدَ غَيْرِهِمْ، مِثْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ؛ وَالطَّائِفِ؛ وَدِمَشْقَ، وَحِمْصَ؛ وَالْكُوفَةِ؛ وَالْبَصْرَةِ؛ وَغَيْرِهَا. إِلَى أَسْبَابٍ أُخَرَ غَيْرِ هَذِهِ.

السَّبَبُ الرَّابِعُ:

اشْتِرَاطُهُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ الْحَافِظِ شُرُوطًا يُخَالِفُهُ فِيهَا غَيْرُهُ. مِثْلَ اشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ عَرْضَ الْحَدِيثِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ فَقِيهًا إِذَا خَالَفَ قِيَاسَ الْأُصُولِ، وَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمُ انْتِشَارَ الْحَدِيثِ وَظُهُورَهُ إِذَا كَانَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوَاضِعِهِ.

السَّبَبُ الْخَامِسُ:

أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ لَكِنْ نَسِيَهُ.

وَهَذَا يَرِدُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ «سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُجْنِبُ فِي السَّفَرِ فَلَا يَجِدُ الْمَاءَ؟ فَقَالَ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَا تَذْكُرُ إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي الْإِبِلِ، فَأَجْنَبْنَا، فَأَمَّا أَنَا فَتَمَرَّغْتُ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، وَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا» وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ، فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ، فَقَالَ: إِنْ

شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ. فَقَالَ: «بَلْ نُوَلِّيكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ» . فَهَذِهِ سُنَّةٌ شَهِدَهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ثُمَّ نَسِيَهَا، حَتَّى أَفْتَى بِخِلَافِهَا وَذَكَّرَهُ عَمَّارٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَلَمْ يَذْكُرْ. وَهُوَ لَمْ يُكَذِّبْ عَمَّارًا، بَلْ أَمَرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ.

وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «لَا يَزِيدُ رَجُلٌ عَلَى صَدَاقِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَنَاتِهِ إِلَّا رَدَدْتُهُ» . فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَ تَحْرِمُنَا شَيْئًا أَعْطَانَا اللَّهُ إِيَّاهُ؟» ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ النِّسَاءِ: ٢٠ فَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى قَوْلِهَا، وَقَدْ كَانَ حَافِظًا لِلْآيَةِ وَلَكِنْ نَسِيَهَا.

وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ذَكَّرَ الزُّبَيْرَ يَوْمَ الْجَمَلِ شَيْئًا عَهِدَهُ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ حَتَّى انْصَرَفَ عَنِ الْقِتَالِ . وَهَذَا كَثِيرٌ فِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ

السَّبَبُ السَّادِسُ:

عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ.

تَارَةً لِكَوْنِ اللَّفْظِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ غَرِيبًا عِنْدَهُ، مِثْلَ لَفْظِ "الْمُزَابَنَةِ" وَ"الْمُخَابَرَةِ" وَ"الْمُحَاقَلَةِ"

وَ"الْمُلَامَسَةِ" وَ"الْمُنَابَذَةِ" وَ"الْغَرَرِ"؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي قَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَكَالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» فَإِنَّهُمْ قَدْ فَسَّرُوا "لْإِغْلَاقَ"بِالْإِكْرَاهِ، وَمَنْ يُخَالِفُهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا التَّفْسِيرَ.

وَتَارَةً لِكَوْنِ مَعْنَاهُ فِي لُغَتِهِ وَعُرْفِهِ، غَيْرَ مَعْنَاهُ فِي لُغَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ يَحْمِلُهُ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ فِي لُغَتِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللُّغَةِ.

كَمَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ آثَارًا فِي الرُّخْصَةِ فِي "النَّبِيذِ" فَظَنُّوهُ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرِ؛ لِأَنَّهُ لُغَتُهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ مَا يُنْبَذُ لِتَحْلِيَةِ الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ؛ فَإِنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ.

وَسَمِعُوا لَفْظَ "الْخَمْرِ" فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَاعْتَقَدُوهُ عَصِيرَ الْعِنَبِ الْمُشْتَدَّ خَاصَّةً، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي اللُّغَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ أَنَّ "الْخَمْرَ" اسْمٌ لِكُلِّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ .

وَتَارَةً لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا، أَوْ مُجْمَلًا؛ أَوْ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ؛ فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْأَقْرَبِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْآخَرَ.

كَمَا حَمَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ "الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ" عَلَى الْحَبْلِ .

وَكَمَا حَمَلَ آخَرُونَ قَوْلَهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ عَلَى الْيَدِ إِلَى الْإِبِطِ .

وَتَارَةً لِكَوْنِ الدَّلَالَةِ مِنَ النَّصِّ خَفِيَّةً.

فَإِنَّ جِهَاتِ دَلَالَاتِ الْأَقْوَالِ مُتَّسِعَةٌ جِدًّا يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي إِدْرَاكِهَا، وَفَهْمِ وُجُوهِ الْكَلَامِ بِحَسَبِ مِنَحِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَمَوَاهِبِهِ،

ثُمَّ قَدْ يَعْرِفُهَا الرَّجُلُ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ، وَلَا يَتَفَطَّنُ لِكَوْنِ هَذَا الْمَعْنَى دَاخِلًا فِي ذَلِكَ الْعَامِّ.

ثُمَّ قَدْ يَتَفَطَّنُ لَهُ تَارَةً ثُمَّ يَنْسَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا لَا يُحِيطُ بِهِ إِلَّا اللهُ.

وَقَدْ يَغْلَطُ الرَّجُلُ، فَيَفْهَمُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي بُعِثَ الرَّسُولُ ﷺ بِهَا.

السَّبَبُ السَّابِعُ:

اعْتِقَادُهُ أَنْ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ، أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الدَّلَالَةِ.

وَالثَّانِي عَرَفَ جِهَةَ الدَّلَالَةِ، لَكِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ دَلَالَةً صَحِيحَةً، بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْأُصُولِ مَا يَرُدُّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَوَابًا أَوْ خَطَأً، مِثْلَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. أَوْ أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، أَوْ أَنَّ الْعُمُومَ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ مَقْصُورٌ عَلَى سَبَبِهِ، أَوْ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُجَرَّدَ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ أَوْ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ، أَوْ أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ لَا عُمُومَ لَهُ، أَوْ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَنْفِيَّةَ لَا تَنْفِي ذَوَاتِهَا وَلَا جَمِيعَ أَحْكَامِهَا، أَوْ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لَا عُمُومَ لَهُ؛ فَلَا يَدَّعِي الْعُمُومَ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَالْمَعَانِي، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَّسِعُ الْقَوْلُ فِيهِ. فَإِنَّ شَطْرَ أُصُولِ الْفِقْهِ تَدْخُلُ مَسَائِلُ الْخِلَافِ مِنْهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُصُولُ الْمُجَرَّدَةُ لَمْ تُحِطْ بِجَمِيعِ الدَّلَالَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَتَدْخُلُ فِيهِ أَفْرَادُ أَجْنَاسِ الدَّلَالَاتِ: هَلْ هِيَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَمْ لَا؟ مِثْلَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الْمُعَيَّنَ مُجْمَلٌ، بِأَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا لَا دَلَالَةَ تُعَيِّنُ أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

السَّبَبُ الثَّامِنُ:

اعْتِقَادُهُ أَنَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ قَدْ عَارَضَهَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَادَةً. مِثْلَ مُعَارَضَةِ الْعَامِّ بِخَاصٍّ، أَوِ الْمُطْلَقِ بِمُقَيَّدٍ، أَوِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ بِمَا يَنْفِي الْوُجُوبَ، أَوِ الْحَقِيقَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَجَازِ. إِلَى أَنْوَاعِ الْمُعَارَضَاتِ. وَهُوَ بَابٌ وَاسِعٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ تَعَارُضَ دَلَالَاتِ الْأَقْوَالِ وَتَرْجِيحَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بَحْرٌ خِضَمٌّ.

السَّبَبُ التَّاسِعُ:

اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ؛ أَوْ نَسْخِهِ؛ أَوْ تَأْوِيلِهِ إِنْ كَانَ قَابِلًا لِلتَّأْوِيلِ، بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا بِالِاتِّفَاقِ مِثْلَ آيَةٍ، أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ، أَوْ مِثْلَ إِجْمَاعٍ. وَهَذَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ هَذَا الْمُعَارِضَ رَاجِحٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَيَتَعَيَّنُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَتَارَةً يُعَيِّنُ أَحَدَهَا، بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ أَوْ أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ. ثُمَّ قَدْ يَغْلَطُ فِي النَّسْخِ فَيَعْتَقِدُ الْمُتَأَخِّرَ مُتَقَدِّمًا، وَقَدْ يَغْلَطُ فِي التَّأْوِيلِ بِأَنْ يَحْمِلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، أَوْ هُنَاكَ مَا يَدْفَعُهُ، وَإِذَا عَارَضَهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَقَدْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمُعَارِضُ دَالًّا، وَقَدْ لَا يَكُونُ الْحَدِيثُ الْمُعَارِضُ فِي قُوَّةِ الْأَوَّلِ إِسْنَادًا أَوْ مَتْنًا.

وَتَجِيءُ هُنَا الْأَسْبَابُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَغَيْرُهَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.

وَالْإِجْمَاعُ الْمُدَّعَى فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُخَالِفِ.

وَقَدْ وَجَدْنَا مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ مَنْ صَارُوا إِلَى الْقَوْلِ بِأَشْيَاءَ مُتَمَسَّكُهُمْ فِيهَا عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُخَالِفِ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُمْ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ.

لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْعَالِمَ أَنْ يَبْتَدِئَ قَوْلًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَائِلًا؛ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا خِلَافَهُ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّقُ الْقَوْلَ فَيَقُولُ: «إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعٌ فَهُوَ أَحَقُّ مَا يُتَّبَعُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا» .

وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ يَقُولُ: «لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَجَازَ شَهَادَةَ الْعَبْدِ.» وَقَبُولُهَا مَحْفُوظٌ عَنْ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ وَشُرَيْحٍ وَغَيْرِهِمْ.

وَيَقُولُ آخَرُ: «أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَقَ بَعْضُهُ لَا يَرِثُ»، وَتَوْرِيثُهُ مَحْفُوظٌ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، وَفِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

وَيَقُولُ آخَرُ: «لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ»، وَإِيجَابُهَا مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ .

وَذَلِكَ أَنَّ غَايَةَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَعْلَمَ قَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ فِي بِلَادِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَقْوَالَ جَمَاعَاتٍ غَيْرِهِمْ، كَمَا تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ لَا يَعْلَمُ إِلَّا قَوْلَ الْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ، وَكَثِيرًا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يَعْلَمُ إِلَّا قَوْلَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ وَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا، وَمَا زَالَ يَقْرَعُ سَمْعَهُ خِلَافُهُ.

فَهَذَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى حَدِيثٍ يُخَالِفُ هَذَا؛ لِخَوْفِهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا خِلَافًا لِلْإِجْمَاعِ، أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَالْإِجْمَاعُ أَعْظَمُ الْحُجَجِ.

وَهَذَا عُذْرُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَتْرُكُونَهُ.

وَبَعْضُهُمْ مَعْذُورٌ فِيهِ حَقِيقَةً؛ وَبَعْضُهُمْ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِمَعْذُورٍ.

وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَسْبَابِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.

السَّبَبُ الْعَاشِرُ:

مُعَارَضَتُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَوْ نَسْخِهِ أَوْ تَأْوِيلِهِ، مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ غَيْرُهُ أَوْ جِنْسُهُ مُعَارِضًا؛ أَوْ لَا يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَارِضًا رَاجِحًا؛ كَمُعَارَضَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ مِنَ الْعُمُومِ وَنَحْوِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى نَصِّ الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَدْ يَعْتَقِدُ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ ظَاهِرًا، لِمَا فِي دَلَالَاتِ الْقَوْلِ مِنَ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ.

وَلِهَذَا رَدُّوا حَدِيثَ ﴿الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ﴾، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ يَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ، فَالسُّنَّةُ هِيَ الْمُفَسِّرَةُ لِلْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ.

وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ، وَلِأَحْمَدَ فِيهَا رِسَالَتُهُ الْمَشْهُورَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ الِاسْتِغْنَاءَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ عَنْ تَفْسِيرِهِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَقَدْ أَوْرَدَ فِيهَا مِنَ الدَّلَائِلِ مَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ ذِكْرِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: دَفْعُ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْكِتَابِ، أَوْ تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِهِ، أَوْ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَاعْتِقَادُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ، كَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ نَسْخٌ، وَأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ نَسْخٌ.

وَكَمُعَارَضَةِ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ، وَأَنَّ إِجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْخَبَرِ.

كَمُخَالَفَةِ أَحَادِيثِ ﴿خِيَارِ الْمَجْلِسِ﴾ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ قَدْ يُثْبِتُونَ أَنَّ الْمَدَنِيِّينَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ أَجْمَعُوا وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ لَكَانَتِ الْحُجَّةُ فِي الْخَبَرِ. وَكَمُعَارَضَةِ قَوْمٍ مِنَ الْبَلَدَيْنِ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ لَا تُنْقَضُ بِمِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَارَضَاتِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُعَارِضُ مُصِيبًا أَوْ مُخْطِئًا.

فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الْعَشَرَةُ ظَاهِرَةٌ.

وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالِمِ حُجَّةٌ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ مَدَارِكَ الْعِلْمِ وَاسِعَةٌ، وَلَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي بَوَاطِنِ الْعُلَمَاءِ.

وَالْعَالِمُ قَدْ يُبْدِي حُجَّتَهُ وَقَدْ لَا يُبْدِيهَا، وَإِذَا أَبْدَاهَا فَقَدْ تَبْلُغُنَا وَقَدْ لَا تَبْلُغُنَا، وَإِذَا بَلَغَتْنَا فَقَدْ نُدْرِكُ مَوْضِعَ احْتِجَاجِهِ، وَقَدْ لَا نُدْرِكُهُ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْحُجَّةُ صَوَابًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَمْ لَا.

لَكِنْ نَحْنُ وَإِنْ جَوَّزْنَا هَذَا فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَعْدِلَ عَنْ قَوْلٍ ظَهَرَتْ حُجَّتُهُ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ وَافَقَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ إِلَى قَوْلٍ آخَرَ قَالَهُ عَالِمٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ هَذِهِ الْحُجَّةَ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ؛ إِذْ تَطَرُّقُ الْخَطَأِ إِلَى آرَاءِ الْعُلَمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ حُجَّةُ اللهِ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ، بِخِلَافِ رَأْيِ الْعَالِمِ.

وَالدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ خَطَأً إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ آخَرُ، وَرَأْيُ الْعَالِمِ لَيْسَ كَذَلِكَ.

وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ بِهَذَا التَّجْوِيزِ جَائِزًا، لَمَا بَقِيَ فِي أَيْدِينَا شَيْءٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا، لَكِنَّ الْغَرَضَ: أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا فِي تَرْكِهِ لَهُ، وَنَحْنُ مَعْذُورُونَ فِي تَرْكِنَا لِهَذَا التَّرْكِ. وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ .

وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَارِضَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- لِرَجُلٍ سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَهُ فِيهَا بِحَدِيثٍ، فَقَالَ لَهُ: «قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتَقُولُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!» .

وَإِذَا كَانَ التَّرْكُ يَكُونُ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ؛ فَإِذَا جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِيهِ تَحْلِيلٌ أَوْ تَحْرِيمٌ أَوْ حُكْمٌ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ التَّارِكَ لَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا أَسْبَابَ تَرْكِهِمْ يُعَاقَبُ؛ لِكَوْنِهِ حَلَّلَ الْحَرَامَ، أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ؛ أَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ وَعِيدٌ عَلَى فِعْلٍ: مِنْ لَعْنَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ عَذَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ الْعَالِمَ الَّذِي أَبَاحَ هَذَا، أَوْ فَعَلَهُ، دَاخِلٌ فِي هَذَا الْوَعِيدِ.

وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِيهِ خِلَافًا، إِلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ، مِثْلَ الْمَرِيسِيِّ وَأَضْرَابِهِ: أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْمُخْطِئَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ يُعَاقَبُ عَلَى خَطَئِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ لِمَنْ فَعَلَ الْمُحَرَّمَ مَشْرُوطٌ بِعِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ؛ أَوْ بِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ؛ فَإِنَّ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ أَوْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَفَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ غَيْرَ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا، لَمْ يَأْثَمْ، وَلَمْ يُحَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ فِي اسْتِحْلَالِهِ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.

فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ الْمُحَرِّمُ، وَاسْتَنَدَ فِي الْإِبَاحَةِ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا.

وَلِهَذَا كَانَ هَذَا مَأْجُورًا مَحْمُودًا لِأَجْلِ اجْتِهَادِهِ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، فَاخْتَصَّ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ؛ وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا بِالْحُكْمِ وَالْعِلْمِ.

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» .

فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَعَ خَطَئِهِ لَهُ أَجْرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَجْلِ اجْتِهَادِهِ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ؛ لِأَنَّ دَرْكَ الصَّوَابِ فِي جَمِيعِ أَعْيَانِ الْأَحْكَامِ، إِمَّا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ عَامَ الْخَنْدَقِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَأَدْرَكَتْهُمْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُرَدْ مِنَّا هَذَا؛ فَصَلُّوا فِي الطَّرِيقِ. فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدَةً مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ.

فَالْأَوَّلُونَ تَمَسَّكُوا بِعُمُومِ الْخِطَابِ، فَجَعَلُوا صُورَةَ الْفَوَاتِ دَاخِلَةً فِي الْعُمُومِ، وَالْآخَرُونَ كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الدَّلِيلِ مَا يُوجِبُ خُرُوجَ هَذِهِ الصُّورَةِ عَنِ الْعُمُومِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الَّذِينَ حَاصَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ. وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ اخْتِلَافًا مَشْهُورًا:

هَلْ يُخَصُّ الْعُمُومُ بِالْقِيَاسِ

؟ وَمَعَ هَذَا فَالَّذِينَ صَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ كَانُوا أَصْوَبَ فِعْلًا.

وَكَذَلِكَ بِلَالٌ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لَمَّا بَاعَ الصَّاعَيْنِ بِالصَّاعِ، أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَدِّهِ، وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَى ذَلِكَ حُكْمَ آكِلِ الرِّبَا مِنَ التَّفْسِيقِ وَاللَّعْنِ وَالتَّغْلِيظِ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَكَانِهِ بِالتَّحْرِيمِ.

وَكَذَلِكَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: مَعْنَاهُ الْحِبَالُ الْبِيضُ وَالسُّودُ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَجْعَلُ عِقَالَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَيَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدِيٍّ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ» .

فَأَشَارَ إِلَى عَدَمِ فِقْهِهِ لِمَعْنَى الْكَلَامِ، وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ ذَمَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ.

بِخِلَافِ الَّذِينَ أَفْتَوُا الْمَشْجُوجَ فِي الْبَرْدِ بِوُجُوبِ الْغَسْلِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللهُ، هَلَّا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟ إِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» .

فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَخْطَئُوا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ؛ إِذْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَكَذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَوَدًا وَلَا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً، لَمَّا قَتَلَ الَّذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي غَزْوَةِ الْحُرَقَاتِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ قَتْلِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ.

وَعَمِلَ بِذَلِكَ السَّلَفُ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، فِي أَنَّ مَا اسْتَبَاحَهُ أَهْلُ الْبَغْيِ مِنْ دِمَاءِ أَهْلِ الْعَدْلِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، لَمْ يُضْمَنْ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ؛ وَإِنْ كَانَ قَتْلُهُمْ وَقِتَالُهُمْ مُحَرَّمًا.

وَهَذَا الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي لُحُوقِ الْوَعِيدِ، لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُذْكَرَ فِي كُلِّ خِطَابٍ؛ لِاسْتِقْرَارِ الْعِلْمِ بِهِ فِي الْقُلُوبِ. كَمَا أَنَّ الْوَعْدَ عَلَى الْعَمَلِ مَشْرُوطٌ بِإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ؛ وَبِعَدَمِ حُبُوطِ الْعَمَلِ بِالرِّدَّةِ.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُذْكَرُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ فِيهِ وَعْدٌ. ثُمَّ حَيْثُ قُدِّرَ قِيَامُ الْمُوجِبِ لِلْوَعِيدِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ لِمَانِعٍ.

وَ

مَوَانِعُ لُحُوقِ الْوَعِيدِ

مُتَعَدِّدَةٌ: مِنْهَا: التَّوْبَةُ، وَمِنْهَا: الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنْهَا: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمِنْهَا: بَلَاءُ الدُّنْيَا وَمَصَائِبُهَا، وَمِنْهَا: شَفَاعَةُ شَفِيعٍ مُطَاعٍ، وَمِنْهَا: رَحْمَةُ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ. فَإِذَا عُدِمَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا، وَلَنْ تُعْدَمَ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ عَتَا وَتَمَرَّدَ وَشَرَدَ عَلَى اللهِ شِرَادَ الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ، فَهُنَالِكَ يَلْحَقُ الْوَعِيدُ بِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَعِيدِ: بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ سَبَبٌ فِي هَذَا الْعَذَابِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ وَقُبْحُهُ.

أَمَّا أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ قَامَ بِهِ ذَلِكَ السَّبَبُ، يَجِبُ وُقُوعُ ذَلِكَ الْمُسَبَّبِ بِهِ، فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا؛ لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ الْمُسَبَّبِ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ، وَزَوَالِ جَمِيعِ الْمَوَانِعِ.

وَإِيضَاحُ هَذَا: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِحَدِيثٍ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكًا جَائِزًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَالتَّرْكِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَا قَصَّرَ فِي الطَّلَبِ، مَعَ حَاجَتِهِ إِلَى الْفُتْيَا أَوِ الْحُكْمِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَغَيْرِهِمْ، فَهَذَا لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَلْحَقُهُ مِنْ مَعَرَّةِ التَّرْكِ شَيْءٌ.

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكًا غَيْرَ جَائِزٍ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، لَكِنِ الَّذِي قَدْ يُخَافُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَاصِرًا فِي دَرْكِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَيَقُولُ مَعَ عَدَمِ أَسْبَابِ الْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا نَظَرٌ وَاجْتِهَادٌ أَوْ يُقَصِّرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَيَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ النَّظَرُ نِهَايَتَهُ، مَعَ كَوْنِهِ مُتَمَسِّكًا بِحُجَّةٍ، أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ عَادَةٌ، أَوْ غَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ، لِيَنْظُرَ فِيمَا يُعَارِضُ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّ الْحَدَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ الِاجْتِهَادُ قَدْ لَا يَنْضَبِطُ لِلْمُجْتَهِدِ.

وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ يَخَافُونَ مِثْلَ هَذَا، خَشْيَةَ أَلَّا يَكُونَ الِاجْتِهَادُ الْمُعْتَبَرُ قَدْ وُجِدَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْمَخْصُوصَةِ.

فَهَذِهِ ذُنُوبٌ؛ لَكِنَّ لُحُوقَ عُقُوبَةِ الذَّنْبِ بِصَاحِبِهِ إِنَّمَا تُنَالُ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ، وَقَدْ يَمْحُوهَا الِاسْتِغْفَارُ وَالْإِحْسَانُ وَالْبَلَاءُ وَالشَّفَاعَةُ وَالرَّحْمَةُ،

وَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا مَنْ يَغْلِبُهُ الْهَوَى وَيَصْرَعُهُ، حَتَّى يَنْصُرَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، أَوْ مَنْ يَجْزِمُ بِصَوَابِ قَوْلٍ أَوْ خَطَئِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ مِنْهُ بِدَلَائِلِ ذَلِكَ الْقَوْلِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا؛ فَإِنَّ هَذَيْنِ فِي النَّارِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَأَمَّا اللَّذَانِ فِي النَّارِ، فَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ» .

وَالْمُفْتُونَ كَذَلِكَ. لَكِنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ لِلشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ أَيْضًا لَهُ مَوَانِعُ كَمَا بَيَّنَّاهُ.

فَلَوْ فُرِضَ وُقُوعُ بَعْضِ هَذَا مِنْ بَعْضِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَحْمُودِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ -مَعَ أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ أَوْ غَيْرُ وَاقِعٍ- لَمْ يَعْدَمْ أَحَدُهُمْ أَحَدَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ؛ وَلَوْ وَقَعَ لَمْ يَقْدَحْ فِي إِمَامَتِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ.

فَإِنَّا لَا نَعْتَقِدُ فِي الْقَوْمِ الْعِصْمَةَ، بَلْ نُجَوِّزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبَ، وَنَرْجُو لَهُمْ -مَعَ ذَلِكَ- أَعْلَى الدَّرَجَاتِ؛ لِمَا اخْتَصَّهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُصِرِّينَ عَلَى ذَنْبٍ، وَلَيْسُوا بِأَعْلَى دَرَجَةً مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.

وَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَذَلِكَ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ مِنَ الْفَتَاوَى وَالْقَضَايَا، وَالدِّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ إِنَّنَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ التَّارِكَ الْمَوْصُوفَ مَعْذُورٌ، بَلْ مَأْجُورٌ، لَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَتَّبِعَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، الَّتِي لَا نَعْلَمُ لَهَا مُعَارِضًا يَدْفَعُهَا، وَأَنْ نَعْتَقِدَ وُجُوبَ الْعَمَلِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَوُجُوبَ تَبْلِيغِهَا. وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ.

ثُمَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى: اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِالْأَحَادِيثِ الْقَطْعِيَّةِ، بِأَنْ يَكُونَ قَطْعِيَّ السَّنَدِ وَالْمَتْنِ، وَهُوَ مَا تَيَقَّنَّا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَهُ، وَتَيَقَّنَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تِلْكَ الصُّورَةَ.

وَإِلَى مَا دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ مُوجَبِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا؛ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْجُمْلَةِ.

وَإِنَّمَا قَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: هَلْ هُوَ قَطْعِيُّ السَّنَدِ أَوْ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ؟ وَهَلْ هُوَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ، أَوْ لَيْسَ بِقَطْعِيِّهَا؟

مِثْلَ اخْتِلَافِهِمْ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ، أَوِ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ.

فَعِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ.

وَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ.

وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ، يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا مِنْ أُنَاسٍ مَخْصُوصِينَ، قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ لِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِتِلْكَ الْجِهَاتِ؛ وَبِحَالِ أُولَئِكَ الْمُخْبِرِينَ؛ وَبِقَرَائِنَ وَضَمَائِمَ تَحُفُّ بِالْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ لَا يَحْصُلُ لِمَنْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي ذَلِكَ.

وَلِهَذَا كَانَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ الْجَهَابِذَةُ فِيهِ الْمُتَبَحِّرُونَ فِي مَعْرِفَتِهِ - رَحِمَهُمُ اللهُ- قَدْ يَحْصُلُ لَهُمُ الْيَقِينُ التَّامُّ بِأَخْبَارٍ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدْ لَا يَظُنُّ صِدْقَهَا، فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ بِصِدْقِهَا.

وَمَبْنَى هَذَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الْمُفِيدَ لِلْعِلْمِ يُفِيدُهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ تَارَةً، وَمِنْ صِفَاتِ الْمُخْبِرِينَ أُخْرَى، وَمِنْ نَفْسِ الْإِخْبَارِ بِهِ أُخْرَى، وَمِنْ نَفْسِ إِدْرَاكِ الْمُخْبِرِ لَهُ أُخْرَى، وَمِنَ الْأَمْرِ الْمُخْبَرِ بِهِ أُخْرَى.

فَرُبَّ عَدَدٍ قَلِيلٍ أَفَادَ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّيَانَةِ وَالْحِفْظِ الَّذِي يُؤْمَنُ مَعَهُ كَذِبُهُمْ أَوْ خَطَؤُهُمْ، وَأَضْعَافُ ذَلِكَ الْعَدَدِ مِنْ غَيْرِهِمْ قَدْ لَا يُفِيدُ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ.

هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَطَوَائِفَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.

وَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ أَفَادَ الْعِلْمَ خَبَرُهُمْ بِقَضِيَّةٍ: أَفَادَ خَبَرُ مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ الْعِلْمَ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ. وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا.

لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَيَانِ ذَلِكَ.

فَأَمَّا تَأْثِيرُ الْقَرَائِنِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمُخْبِرِينَ فِي الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ فَلَمْ نَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْقَرَائِنَ قَدْ تُفِيدُ الْعِلْمَ لَوْ تَجَرَّدَتْ عَنِ الْخَبَرِ.

وَإِذَا كَانَتْ بِنَفْسِهَا قَدْ تُفِيدُ الْعِلْمَ لَمْ تُجْعَلْ تَابِعَةً لِلْخَبَرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَمَا لَمْ يُجْعَلِ الْخَبَرُ تَابِعًا لَهَا. بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا طَرِيقٌ إِلَى الْعِلْمِ تَارَةً، وَإِلَى الظَّنِّ أُخْرَى، وَإِنِ اتَّفَقَ اجْتِمَاعُ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِهِ مِنْهُمَا، أَوِ اجْتِمَاعُ مُوجَبِ الْعِلْمِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَمُوجَبِ الظَّنِّ مِنَ الْآخَرِ.

وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِالْأَخْبَارِ أَعْلَمَ، قَدْ يَقْطَعُ بِصِدْقِ أَخْبَارٍ لَا يَقْطَعُ بِصِدْقِهَا مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ.

وَتَارَةً يَخْتَلِفُونَ فِي كَوْنِ الدَّلَالَةِ قَطْعِيَّةً، لِاخْتِلَافِهِمْ فِي

أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ: هَلْ هُوَ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ؟

وَإِذَا كَانَ ظَاهِرًا فَهَلْ فِيهِ مَا يَنْفِي الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ أَوْ لَا؟

وَهَذَا أَيْضًا بَابٌ وَاسِعٌ.

فَقَدْ يَقْطَعُ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِدَلَالَةِ أَحَادِيثَ لَا يَقْطَعُ بِهَا غَيْرُهُمْ، إِمَّا لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى، أَوْ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْآخَرَ يَمْنَعُ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَهَذَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ.

فَإِنْ كَانَ قَدْ تَضَمَّنَ حُكْمًا عِلْمِيًّا مِثْلَ الْوَعِيدِ وَنَحْوِهِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ:

فَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ إِذَا تَضَمَّنَ وَعِيدًا عَلَى فِعْلٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَلَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْوَعِيدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا

وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَتْنُ قَطْعِيًّا لَكِنَّ الدَّلَالَةَ ظَاهِرَةٌ.

وَعَلَى هَذَا حَمَلُوا قَوْلَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: «أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ» .

قَالُوا: فَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- ذَكَرَتِ الْوَعِيدَ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ، وَنَحْنُ نَعْمَلُ بِخَبَرِهَا فِي التَّحْرِيمِ وَإِنْ كُنَّا لَا نَقُولُ بِهَذَا الْوَعِيدِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا ثَبَتَ عِنْدَنَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ.

وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْوَعِيدَ مِنَ الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ؛ فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ مُجْتَهَدًا فِي حُكْمِهِ لَمْ يَلْحَقْ فَاعِلَهُ الْوَعِيدُ.

فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: يُحْتَجُّ بِأَحَادِيثِ الْوَعِيدِ فِي تَحْرِيمِ الْأَفْعَالِ مُطْلَقًا، وَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْوَعِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ قَطْعِيَّةً.

وَمِثْلُهُ احْتِجَاجُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ بِالْقِرَاءَاتِ الَّتِي صَحَّتْ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَعَ كَوْنِهَا لَيْسَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ عَمَلًا وَعِلْمًا، وَهِيَ خَبَرُ وَاحِدٍ صَحِيحٌ.

فَاحْتَجُّوا بِهَا فِي إِثْبَاتِ الْعَمَلِ، وَلَمْ يُثْبِتُوهَا قُرْآنًا لِأَنَّهَا مِنَ الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِيَقِينٍ.

وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ -وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ- إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ حُجَّةٌ فِي جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْوَعِيدِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ مَا زَالُوا يُثْبِتُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْوَعِيدَ، كَمَا يُثْبِتُونَ بِهَا الْعَمَلَ، وَيُصَرِّحُونَ بِلُحُوقِ الْوَعِيدِ الَّذِي فِيهَا لِلْفَاعِلِ فِي الْجُمْلَةِ. وَهَذَا مُنْتَشِرٌ عَنْهُمْ فِي أَحَادِيثِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ.

وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَعِيدَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ تَارَةً، وَبِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ أُخْرَى؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمَطْلُوبُ الْيَقِينَ التَّامَّ بِالْوَعِيدِ، بَلِ الْمَطْلُوبُ الِاعْتِقَادُ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الْيَقِينِ أَوِ الظَّنِّ الْغَالِبِ، كَمَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ.

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اعْتِقَادِ الْإِنْسَانِ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا وَتَوَعَّدَ فَاعِلَهُ بِالْعُقُوبَةِ الْمُجْمَلَةِ، وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ أَوْ تَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةٍ مُعَيَّنَةٍ، حَيْثُ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ، فَكَمَا جَازَ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْأَوَّلِ بِمُطْلَقِ الدَّلِيلِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالثَّانِي. بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْعَمَلُ بِهَا فِي الْوَعِيدِ أَوْكَدُ؛ كَانَ صَحِيحًا. وَلِهَذَا كَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي أَسَانِيدِ أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، مَا لَا يَتَسَاهَلُونَ فِي أَسَانِيدِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْوَعِيدِ يَحْمِلُ النُّفُوسَ عَلَى التَّرْكِ.

فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَعِيدُ حَقًّا، كَانَ الْإِنْسَانُ قَدْ نَجَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَعِيدُ حَقًّا بَلْ عُقُوبَةُ الْفِعْلِ أَخَفُّ مِنْ ذَلِكَ الْوَعِيدِ لَمْ يَضُرَّ الْإِنْسَانَ -إِذَا تَرَكَ ذَلِكَ الْفِعْلَ- خَطَؤُهُ فِي اعْتِقَادِهِ زِيَادَةَ الْعُقُوبَةِ، لِأَنَّهُ إِنِ اعْتَقَدَ نَقْصَ الْعُقُوبَةِ فَقَدْ يُخْطِئُ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا فَقَدْ يُخْطِئُ.

فَهَذَا الْخَطَأُ قَدْ يُهَوِّنُ الْفِعْلَ عِنْدَهُ فَيَقَعُ فِيهِ، فَيَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الزَّائِدَةَ إِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً، أَوْ يَقُومُ بِهِ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ.

فَإِذَنْ،

الْخَطَأُ فِي الِاعْتِقَادِ

عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ -تَقْدِيرِ اعْتِقَادِ الْوَعِيدِ، وَتَقْدِيرِ عَدَمِهِ- سَوَاءٌ، وَالنَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ عَلَى تَقْدِيرِ اعْتِقَادِ الْوَعِيدِ أَقْرَبُ، فَيَكُونُ هَذَا التَّقْدِيرُ أَوْلَى.

وَبِهَذَا الدَّلِيلِ رَجَّحَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ الدَّلِيلَ الْحَاظِرَ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُبِيحِ.

وَسَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ دَلِيلَ الِاحْتِيَاطِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ بِنَاءً عَلَى هَذَا.

وَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ فِي الْفِعْلِ، فَكَالْمُجْمَعِ عَلَى حُسْنِهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فِي الْجُمْلَةِ.

فَإِذَا كَانَ خَوْفُهُ مِنَ الْخَطَإِ بِنَفْيِ اعْتِقَادِ الْوَعِيدِ مُقَابِلًا لِخَوْفِهِ مِنَ الْخَطَإِ فِي عَدَمِ هَذَا الِاعْتِقَادِ، بَقِيَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِاعْتِقَادِهِ، وَالنَّجَاةُ الْحَاصِلَةُ فِي اعْتِقَادِهِ دَلِيلَيْنِ سَالِمَيْنِ عَنِ الْمُعَارِضِ.

وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: عَدَمُ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عَلَى الْوَعِيدِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِهِ، كَعَدَمِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ عَلَى الْقِرَاءَاتِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا فِي الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ. ِ

وَمَنْ قَطَعَ بِنَفْيِ شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى وُجُودِهَا، كَمَا هُوَ طَرِيقَةُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَهُوَ مُخْطِئٌ خَطَأً بَيِّنًا.

لَكِنْ إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ، وَعَلِمْنَا عَدَمَ الدَّلِيلِ، وَقَطَعْنَا بِعَدَمِ الشَّيْءِ الْمُسْتَلْزِمِ، لِأَنَّ عَدَمَ اللَّازِمِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْمَلْزُومِ.

وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الدَّوَاعِيَ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى نَقْلِ كِتَابِ اللَّهِ وَدِينِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأُمَّةِ كِتْمَانُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى نَقْلِهِ حُجَّةً عَامَّةً. فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ نَقْلًا عَامًّا صَلَاةٌ سَادِسَةٌ، وَلَا سُورَةٌ أُخْرَى، عَلِمْنَا يَقِينًا عَدَمَ ذَلِكَ.

وَبَابُ الْوَعِيدِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِي كُلِّ وَعِيدٍ عَلَى فِعْلٍ أَنْ يُنْقَلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، كَمَا لَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ.

فَثَبَتَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِلْوَعِيدِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا فِي مُقْتَضَاهَا: بِاعْتِقَادِ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ مُتَوَعَّدٌ بِذَلِكَ الْوَعِيدِ، لَكِنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ بِهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى شُرُوطٍ؛ وَلَهُ مَوَانِعُ.

وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَظْهَرُ بِأَمْثِلَةٍ:

مِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ»، وَصَحَّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ -لِمَنْ بَاعَ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ يَدًا بِيَدٍ- «أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا» كَمَا قَالَ: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» الْحَدِيثَ.

وَهَذَا يُوجِبُ دُخُولَ نَوْعَيِ الرِّبَا -رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسَأِ- فِي الْحَدِيثِ.

ثُمَّ إِنَّ الَّذِينَ بَلَغَهُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» فَاسْتَحَلُّوا بَيْعَ الصَّاعَيْنِ بِالصَّاعِ يَدًا بِيَدٍ؛ مِثْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَأَصْحَابِهِ: أَبِي الشَّعْثَاءِ؛ وَعَطَاءٍ؛ وَطَاوُسٍ؛ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ؛ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَعْيَانِ الْمَكِّيِّينَ الَّذِينَ هُمْ صَفْوَةُ الْأُمَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، أَوْ مَنْ قَلَّدَهُ -بِحَيْثُ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ-: تَبْلُغُهُمْ لَعْنَةُ آكِلِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ تَأْوِيلًا سَائِغًا فِي الْجُمْلَةِ.

وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ فُضَلَاءِ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ إِتْيَانِ الْمَحَاشِّ، مَعَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ!» أَفَيَسْتَحِلُّ مُسْلِمٌ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا كَانَا كَافِرَيْنِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ؟

وَكَذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَ الْخَمْرِ، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا،..»

الْحَدِيثَ . وَثَبَتَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ خَمْرٌ» وَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» . وَخَطَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مِنْبَرِهِ ﷺ فَقَالَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ: «الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ» . وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ. وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا مَا كَانُوا يَشْرَبُونَهُ فِي الْمَدِينَةِ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرَابٌ إِلَّا الْفَضِيخُ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ خَمْرِ الْأَعْنَابِ شَيْءٌ.

وَقَدْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ الْأُمَّةِ -عِلْمًا وَعَمَلًا- مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَعْتَقِدُونَ أَنْ لَا خَمْرَ إِلَّا مِنَ الْعِنَبِ، وَأَنَّ مَا سِوَى الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ لَا يَحْرُمُ مِنْ نَبِيذِهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا يُسْكِرُ، وَيَشْرَبُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ.

فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ مُنْدَرِجُونَ تَحْتَ الْوَعِيدِ، لِمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الْعُذْرِ الَّذِي تَأَوَّلُوا بِهِ، أَوْ لِمَوَانِعَ أُخَرَ.

وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الشَّرَابَ الَّذِي شَرِبُوهُ لَيْسَ مِنَ الْخَمْرِ الْمَلْعُونِ شَارِبُهَا، فَإِنَّ سَبَبَ الْقَوْلِ الْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ خَمْرٌ مِنَ الْعِنَبِ.

ثُمَّ «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ لَعَنَ الْبَائِعَ لِلْخَمْرِ» . وَقَدْ بَاعَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ خَمْرًا حَتَّى بَلَغَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا؟» وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ بَيْعَهَا مُحَرَّمٌ، وَلَمْ يَمْنَعْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عِلْمُهُ بِعَدَمِ عِلْمِهِ أَنْ يُبَيِّنَ جَزَاءَ هَذَا الذَّنْبِ؛ لِيَتَنَاهَى هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْعِلْمِ بِهِ.

وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَاصِرَ وَالْمُعْتَصِرَ؛ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ يُجَوِّزُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْصِرَ لِغَيْرِهِ عِنَبًا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَمْرًا.

فَهَذَا نَصٌّ فِي لَعْنِ الْعَاصِرِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَعْذُورَ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ لِمَانِعٍ.

وَكَذَلِكَ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ صِحَاحٍ، ثُمَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَكْرَهُهُ فَقَطْ.

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إِنَّ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَكْرَهُهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي تَحْرِيمِ اقْتِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ثُمَّ إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ لَيْسُوا فِي النَّارِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا عُذْرًا وَتَأْوِيلًا فِي الْقِتَالِ وَحَسَنَاتٍ مَنَعَتِ الْمُقْتَضَى أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ.

وَقَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي، كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، إِنْ أَعْطَاهُ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ سَخِطَ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ كَاذِبًا: لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ» فَهَذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ، مَعَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ يُجَوِّزُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ فَضْلَ مَائِهِ.

فَلَا يَمْنَعُنَا هَذَا الْخِلَافُ أَنْ نَعْتَقِدَ تَحْرِيمَ هَذَا مُحْتَجِّينَ بِالْحَدِيثِ وَلَا يَمْنَعُنَا مَجِيءُ الْحَدِيثِ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ، لَا يَلْحَقُهُ هَذَا الْوَعِيدُ.

وَقَالَ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» . وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- مَعَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ صَحَّحُوا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ مُطْلَقًا.

وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَهُ إِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَعْذَارٌ مَعْرُوفَةٌ.

فَإِنَّ قِيَاسَ الْأُصُولِ عِنْدَ الْأَوَّلِ: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ؛ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِجَهَالَةِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ.

وَقِيَاسُ الْأُصُولِ عِنْدَ الثَّانِي: أَنَّ الْعُقُودَ الْمُجَرَّدَةَ عَنْ شَرْطٍ مُقْتَرِنٍ لَا تُغَيِّرُ أَحْكَامَ الْعُقُودِ.

وَلَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْحَدِيثُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ فَإِنَّ كُتُبَهُمُ الْمُتَقَدِّمَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ.

وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَذَكَرُوهُ آخِذِينَ بِهِ، أَوْ مُجِيبِينَ عَنْهُ؛ أَوْ بَلَغَهُمْ وَتَأَوَّلُوهُ؛ أَوِ اعْتَقَدُوا نَسْخَهُ؛ أَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَا يُعَارِضُهُ.

فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ لَا يُصِيبُهُ هَذَا الْوَعِيدُ لَوْ أَنَّهُ فَعَلَ التَّحْلِيلَ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.

وَلَا يَمْنَعُنَا ذَلِكَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ التَّحْلِيلَ سَبَبٌ لِهَذَا الْوَعِيدِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ.

وَكَذَلِكَ اسْتِلْحَاقُ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ الْمَوْلُودَ عَلَى فِرَاشِ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ؛ لِكَوْنِ أَبِي سُفْيَانَ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ مِنْ نُطْفَتِهِ مَعَ أَنَّهُ ﷺ قَدْ قَالَ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» وَقَالَ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَهُوَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا.

فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ الْأَبِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَيَّنَ أَحَدٌ دُونَ الصَّحَابَةِ فَضْلًا عَنِ الصَّحَابَةِ، فَيُقَالُ: إِنَّ هَذَا الْوَعِيدَ لَاحِقٌ لَهُ، لِإِمْكَانِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ قَضَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ الْوَلَدَ لِمَنْ أَحْبَلَ أُمَّهُ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ هُوَ الْمُحْبِلُ لِسُمَيَّةَ أُمِّ زِيَادٍ.

فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَدْ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، لَا سِيَّمَا قَبْلَ انْتِشَارِ السُّنَّةِ، مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ هَكَذَا؛ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَانِعِ الْمَانِعَةِ هَذَا الْمُقْتَضِيَ لِلْوَعِيدِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ: مِنْ حَسَنَاتٍ تَمْحُو السَّيِّئَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ إِذَا كَانَ بَعْضُ الْأُمَّةِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ أَدِلَّةُ التَّحْرِيمِ فَاسْتَحَلُّوهَا، أَوْ عَارَضَ تِلْكَ الْأَدِلَّةَ عِنْدَهُمْ أَدِلَّةٌ أُخْرَى رَأَوْا رُجْحَانَهَا عَلَيْهَا، مُجْتَهِدِينَ فِي ذَلِكَ التَّرْجِيحِ بِحَسَبِ عَقْلِهِمْ وَعِلْمِهِمْ.

فَإِنَّ التَّحْرِيمَ لَهُ أَحْكَامٌ: مِنَ التَّأْثِيمِ وَالذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ وَالْفِسْقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ لَهَا شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ.

فَقَدْ يَكُونُ التَّحْرِيمُ ثَابِتًا، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مُنْتَفِيَةٌ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا، أَوْ وُجُودِ مَانِعِهَا؛ أَوْ يَكُونُ التَّحْرِيمُ مُنْتَفِيًا فِي حَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ مَعَ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.

وَإِنَّمَا رَدَّدْنَا الْكَلَامَ، لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا -وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ-: أَنَّ حُكْمَ اللهِ وَاحِدٌ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُ بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ، مُخْطِئٌ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ.

فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلَهُ الْمُتَأَوِّلُ بِعَيْنِهِ حَرَامًا، لَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ أَثَرُ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ، لِعَفْوِ اللهِ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

وَالثَّانِي: فِي حَقِّهِ لَيْسَ بِحَرَامٍ، لِعَدَمِ بُلُوغِ دَلِيلِ التَّحْرِيمِ لَهُ؛ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَتَكُونُ نَفْسُ حَرَكَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَيْسَتْ حَرَامًا.

وَالْخِلَافُ مُتَقَارِبٌ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِالِاخْتِلَافِ فِي الْعِبَارَةِ.

فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ إِذَا صَادَفَتْ مَحَلَّ خِلَافٍ، إِذِ الْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي تَحْرِيمِ الْفِعْلِ الْمُتَوَعَّدِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَحَلَّ وِفَاقٍ أَوْ خِلَافٍ.

بَلْ أَكْثَرُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا فِي مَوَارِدِ الْخِلَافِ.

لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى الْوَعِيدِ إِذَا لَمْ تَكُنْ قَطْعِيَّةً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُلْتُمْ: إِنَّ أَحَادِيثَ الْوَعِيدِ لَا تَتَنَاوَلُ مَحَلَّ الْخِلَافِ؛ وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَحَلَّ الْوِفَاقِ، وَكُلُّ فِعْلٍ لُعِنَ فَاعِلُهُ، أَوْ تُوُعِّدَ بِغَضَبٍ أَوْ عِقَابٍ، حُمِلَ عَلَى فِعْلٍ اتُّفِقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، لِئَلَّا يَدْخُلَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْوَعِيدِ إِذَا فَعَلَ مَا اعْتَقَدَ تَحْلِيلَهُ، بَلِ الْمُعْتَقِدُ أَبْلَغُ مِنَ الْفَاعِلِ؛ إِذْ هُوَ الْآمِرُ لَهُ بِالْفِعْلِ، فَيَكُونُ قَدْ أَلْحَقَ بِهِ وَعِيدَ اللَّعْنِ أَوِ الْغَضَبِ بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ؟

قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ جِنْسَ التَّحْرِيمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا فِي مَحَلِّ خِلَافٍ، أَوْ لَا يَكُونَ.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي مَحَلِّ خِلَافٍ قَطُّ: لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ حَرَامًا إِلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَكُلُّ مَا اخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ يَكُونُ حَلَالًا.

وَهَذَا مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.

وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا وَلَوْ فِي صُورَةٍ، فَالْمُسْتَحِلُّ لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، إِمَّا أَنْ يَلْحَقَهُ ذَمُّ مَنْ حَلَّلَ الْحَرَامَ أَوْ فَعَلَهُ وَعُقُوبَتُهُ أَوْ لَا؟

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ يَلْحَقُهُ؛ أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ. فَكَذَلِكَ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ فِي حَدِيثِ الْوَعِيدِ اتِّفَاقًا. وَالْوَعِيدُ الثَّابِتُ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ.

بَلِ الْوَعِيدُ إِنَّمَا جَاءَ عَلَى الْفَاعِلِ. وَعُقُوبَةُ مُحَلِّلِ الْحَرَامِ فِي الْأَصْلِ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ فَاعِلِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ.

فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ ثَابِتًا فِي صُورَةِ الْخِلَافِ، وَلَا يَلْحَقُ الْمُحَلِّلَ الْمُجْتَهِدَ عُقُوبَةُ ذَلِكَ الْإِحْلَالِ لِلْحَرَامِ لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا فِيهِ؛ فَلِأَنْ لَا يَلْحَقَ الْفَاعِلَ وَعِيدُ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَكَمَا لَمْ يَلْزَمْ دُخُولُ الْمُجْتَهِدِ تَحْتَ حُكْمِ هَذَا التَّحْرِيمِ -مِنَ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ- لَمْ يَلْزَمْ دُخُولُهُ تَحْتَ حُكْمِهِ مِنَ الْوَعِيدِ؛ إِذْ لَيْسَ الْوَعِيدُ إِلَّا نَوْعًا مِنَ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ، فَإِنْ جَازَ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذَا الْجِنْسِ، فَمَا كَانَ الْجَوَابُ عَنْ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ، كَانَ جَوَابًا عَنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ.

وَلَا يُغْنِي الْفَرْقُ بِقِلَّةِ الذَّمِّ وَكَثْرَتِهِ؛ أَوْ شِدَّةِ الْعُقُوبَةِ وَخِفَّتِهَا؛ فَإِنَّ الْمَحْذُورَ فِي قَلِيلِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ فِي هَذَا الْمَقَامِ كَالْمَحْذُورِ فِي كَثِيرِهِ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَلْحَقُهُ قَلِيلُ ذَلِكَ وَلَا كَثِيرُهُ، بَلْ يَلْحَقُهُ ضِدُّ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ.

الثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ حُكْمِ الْفِعْلِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ، أُمُورٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْفِعْلِ وَصِفَاتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ إِضَافِيَّةٌ بِحَسَبِ مَا عَرَضَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ.

وَاللَّفْظُ الْعَامُّ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَصْبِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، إِمَّا مُقْتَرِنٍ بِالْخِطَابِ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ، وَإِمَّا مُوَسَّعٍ فِي تَأْخِيرِهِ إِلَى حِينِ الْحَاجَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْخِطَابِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ فِي لَعْنَةِ آكِلِ الرِّبَا وَالْمُحَلِّلِ وَنَحْوِهِمَا الْمُجْمَعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَكَلُّمِ الْأُمَّةِ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْعَامِّ، لَكَانَ قَدْ أَخَّرَ بَيَانَ كَلَامِهِ إِلَى أَنْ تَكَلَّمَ جَمِيعُ الْأُمَّةِ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا خُوطِبَتِ الْأُمَّةُ بِهِ لِتَعْرِفَ الْحَرَامَ فَتَجْتَنِبَهُ، وَيَسْتَنِدُونَ فِي إِجْمَاعِهِمْ إِلَيْهِ؛ وَيَحْتَجُّونَ فِي نِزَاعِهِمْ بِهِ.

فَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ الْمُرَادَةُ هِيَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَقَطْ، لَكَانَ الْعِلْمُ بِالْمُرَادِ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجْمَاعِ، فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ، فَلَا يَكُونُ مُسْتَنَدًا لِلْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، فَيَمْتَنِعُ تَأَخُّرُهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى الدَّوْرِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَيِّ صُورَةٍ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهَا مُرَادَةٌ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مُرَادَةٌ حَتَّى يَجْتَمِعُوا، فَصَارَ الِاسْتِدْلَالُ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ، وَالْإِجْمَاعُ مَوْقُوفًا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ قَبْلَهُ، إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ هُوَ مُسْتَنَدُهُمْ، فَيَكُونُ الشَّيْءُ مَوْقُوفًا عَلَى نَفْسِهِ، فَيَمْتَنِعُ وُجُودُهُ، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ، وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلْحَدِيثِ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ.

وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي فِيهَا تَغْلِيظٌ لِلْفِعْلِ أَفَادَنَا تَحْرِيمَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا.

الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، بِ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ.

فَإِذَنْ، الصَّدْرُ الْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهَا. بَلْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَا مَنْ يَسْمَعُهَا مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا سَمِعَ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَوَجَدَ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدْ عَمِلُوا بِهِ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُعَارِضٌ: أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهِ حَتَّى يَبْحَثَ عَنْهُ هَلْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مَنْ يُخَالِفُهُ؟ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ فِي مَسْأَلَةٍ بِالْإِجْمَاعِ إِلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ.

وَإِذًا يَبْطُلُ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمُجَرَّدِ خِلَافِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَيَكُونُ قَوْلُ الْوَاحِدِ مُبْطِلًا لِكَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمُوَافَقَتُهُ مُحَقِّقَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ قَدْ أَخْطَأَ، صَارَ خَطَؤُهُ مُبْطِلًا لِكَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ.

فَإِنَّهُ إِنْ قِيلَ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْإِجْمَاعِ صَارَتْ دَلَالَةُ النُّصُوصِ مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْقَى لِلنُّصُوصِ دَلَالَةٌ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ إِنَّمَا هُوَ الْإِجْمَاعُ وَالنَّصُّ عَدِيمُ التَّأْثِيرِ.

وَإِنْ قِيلَ: يُحْتَجُّ بِهِ إِذْ لَا يُعْلَمُ وُجُودُ الْخِلَافِ، فَيَكُونُ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ مُبْطِلًا لِدَلَالَةِ النَّصِّ.

وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَبُطْلَانُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.

الْخَامِسُ: أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُشْتَرَطَ فِي شُمُولِ الْخِطَابِ اعْتِقَادُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لِلتَّحْرِيمِ، أَوْ يُكْتَفَى بِاعْتِقَادِ الْعُلَمَاءِ.

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ بِأَحَادِيثِ الْوَعِيدِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ -حَتَّى النَّاشِئِينَ بِالْبَوَادِي الْبَعِيدَةِ وَالدَّاخِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُدَّةِ الْقَرِيبَةِ- قَدِ اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ.

وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ بَلْ وَلَا عَاقِلٌ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَذَا الشَّرْطِ مُتَعَذِّرٌ.

وَإِنْ قِيلَ: يُكْتَفَى بِاعْتِقَادِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ.

قِيلَ لَهُ: إِنَّمَا اشْتَرَطْتَ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَشْمَلَ الْوَعِيدُ لِبَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْ دَلِيلَ التَّحْرِيمِ مِنَ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ مَحْذُورَ شُمُولِ اللَّعْنَةِ لِهَذَا كَمَحْذُورِ شُمُولِ اللَّعْنَةِ لِهَذَا.

وَلَا يُنَجِّي مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَّةِ وَفُضَلَاءِ الصِّدِّيقِينَ، وَهَذَا مِنْ أَطْرَافِ الْأُمَّةِ وَعَامَّتِهَا، فَإِنَّ افْتِرَاقَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَا يَمْنَعُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ كَمَا غَفَرَ لِلْمُجْتَهِدِ إِذَا أَخْطَأَ، غَفَرَ لِلْجَاهِلِ إِذَا أَخْطَأَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّعَلُّمُ، بَلِ الْمَفْسَدَةُ الَّتِي تَحْصُلُ بِفِعْلِ وَاحِدٍ مِنَ الْعَامَّةِ مُحَرَّمًا لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَعْرِفَةُ تَحْرِيمِهِ؛ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ إِحْلَالِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ لِمَا قَدْ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَعْرِفَةُ تَحْرِيمِهِ.

وَلِهَذَا قِيلَ: احْذَرُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ، فَإِنَّهُ إِذَا زَلَّ زَلَّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-:وَيْلٌ لِلْعَالِمِ مِنَ الْأَتْبَاعِ.

فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْفُوًّا عَنْهُ -مَعَ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ فِعْلِهِ- فَلِأَنْ يُعْفَى عَنِ الْآخَرِ -مَعَ خِفَّةِ مَفْسَدَةِ فِعْلِهِ- أَوْلَى. نَعَمْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّ هَذَا اجْتَهَدَ فَقَالَ بِاجْتِهَادٍ، وَلَهُ مِنْ نَشْرِ الْعِلْمِ وَإِحْيَاءِ السُّنَّةِ مَا تَنْغَمِرُ فِيهِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ، وَقَدْ فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَأَثَابَ الْمُجْتَهِدَ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَأَثَابَ الْعَالِمَ عَلَى عِلْمِهِ ثَوَابًا لَمْ يَشْرَكْهُ فِيهِ ذَلِكَ الْجَاهِلُ، فَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي الْعَفْوِ، مُفْتَرِقَانِ فِي الثَّوَابِ. وَوُقُوعُ الْعُقُوبَةِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ مُمْتَنِعٌ، جَلِيلًا كَانَ أَوْ حَقِيرًا.

فَلَا بُدَّ مِنْ إِخْرَاجِ هَذَا الْمُمْتَنِعِ مِنَ الْحَدِيثِ بِطَرِيقٍ يَشْمَلُ الْقِسْمَيْنِ.

السَّادِسُ: أَنَّ مِنْ أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ مَا هُوَ نَصٌّ فِي صُورَةِ الْخِلَافِ، مِثْلَ: «لَعْنَةِ الْمُحَلَّلِ لَهُ» فَإِنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَا يَأْثَمُ بِحَالٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِحَالٍ، حَتَّى يُقَالَ: لُعِنَ لِاعْتِقَادِهِ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالتَّحْلِيلِ.

فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ وَإِنْ بَطَلَ الشَّرْطُ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لِلثَّانِي: جُرِّدَ الثَّانِي عَنِ الْإِثْمِ.

بَلْ وَكَذَلِكَ "الْمُحَلِّلُ" فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَلْعُونًا عَلَى التَّحْلِيلِ، أَوْ عَلَى اعْتِقَادِهِ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ الْمَقْرُونِ بِالْعَقْدِ فَقَطْ، أَوْ عَلَى مَجْمُوعِهِمَا.

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ أَوِ الثَّالِثَ حَصَلَ الْغَرَضُ.

وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهَذَا الِاعْتِقَادُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلَّعْنَةِ سَوَاءٌ حَصَلَ هُنَاكَ تَحْلِيلٌ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ.

وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ سَبَبَ اللَّعْنَةِ؛ وَسَبَبُ اللَّعْنَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَهَذَا بَاطِلٌ.

ثُمَّ هَذَا الْمُعْتَقِدُ وُجُوبَ الْوَفَاءِ إِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلَا لَعْنَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ، فَمُحَالٌ أَنْ يَعْتَقِدَ الْوُجُوبَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَاغِمًا لِلرَّسُولِ ﷺ فَيَكُونَ كَافِرًا.

فَيَعُودُ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِلَى لَعْنَةِ الْكُفَّارِ، وَالْكُفْرُ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِإِنْكَارِ هَذَا الْحُكْمِ الْجُزْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: لَعَنَ اللهُ مَنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ فِي حُكْمِهِ بِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ بَاطِلٌ.

ثُمَّ هَذَا كَلَامٌ عَامٌّ عُمُومًا لَفْظِيًّا وَمَعْنَوِيًّا، وَهُوَ عُمُومٌ مُبْتَدَأٌ.

وَمِثْلُ هَذَا الْعُمُومِ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الصُّوَرِ النَّادِرَةِ؛ إِذِ الْكَلَامُ يَعُودُ لُكْنَةً وَعَيًّا، كَتَأْوِيلِ مَنْ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» عَلَى الْمُكَاتَبَةِ.

وَبَيَانُ نُدْرَتِهِ: أَنَّ الْمُسْلِمَ الْجَاهِلَ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ، وَالْمُسْلِمَ الْعَالِمَ بِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لَا يَشْتَرِطُهُ مُعْتَقِدًا وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، وَالْكَافِرُ لَا يَنْكِحُ نِكَاحَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا، وَصُدُورُ هَذَا النِّكَاحِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَنْدَرِ النَّادِرِ. وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَكَادُ تَخْطُرُ بِبَالِ الْمُتَكَلِّمِ، لَكَانَ الْقَائِلُ صَادِقًا.

وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلَائِلَ الْكَثِيرَةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قُصِدَ بِهِ الْمُحَلِّلُ الْقَاصِدُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ .

وَكَذَلِكَ الْوَعِيدُ الْخَاصُّ مِنَ اللَّعْنَةِ وَالنَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَدْ جَاءَ مَنْصُوصًا فِي مَوَاضِعَ مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ فِيهَا.

مِثْلَ: حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ .

وَزِيَارَةُ النِّسَاءِ رَخَّصَ فِيهَا بَعْضُهُمْ، وَكَرِهَهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا.

وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الَّذِينَ يَأْتُونَ النِّسَاءَ فِي مَحَاشِّهِنَّ» (٣) .

وَحَدِيثُ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» .

وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، وَفِيهِمْ: «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ» .

وَقَدْ لَعَنَ بَائِعَ الْخَمْرِ وَقَدْ بَاعَهَا بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ.

وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

وَقَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» مَعَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْجَرَّ وَالْإِسْبَالَ لِلْخُيَلَاءِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُوصَلَةَ» وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ .

وَفِي وَصْلِ الشَّعْرِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «إِنَّ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ.

السَّابِعُ: أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْعُمُومِ قَائِمٌ؛ وَالْمُعَارِضَ الْمَذْكُورَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يُقَالَ: حَمْلُهُ عَلَى صُوَرِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ بَعْضِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ فِيهِ.

فَيُقَالُ: إِذَا كَانَ التَّخْصِيصُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَتَكْثِيرُهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا لْعُمُومِ مَنْ كَانَ مَعْذُورًا بِجَهْلٍ أَوِ اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ. مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ شَامِلٌ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِينَ، كَمَا هُوَ شَامِلٌ لِصُوَرِ الْوِفَاقِ، فَإِنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ أَقَلُّ؛ فَيَكُونُ أَوْلَى.

الثَّامِنُ: أَنَّا إِذَا حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى هَذَا كَانَ قَدْ تَضَمَّنَ ذِكْرَ سَبَبِ اللَّعْنِ، وَيَبْقَى الْمُسْتَثْنَى قَدْ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ لِمَانِعٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ وُعِدَ أَوْ أُوعِدَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ تَخَلُّفِ الْوَعْدِ أَوِ الْوَعِيدِ فِي حَقِّهِ لِمُعَارِضٍ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ جَارِيًا عَلَى مِنْهَاجِ الصَّوَابِ.

أَمَّا إِذَا جَعَلْنَا اللَّعْنَ عَلَى فِعْلِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَوْ جَعَلْنَا سَبَبَ اللَّعْنِ هُوَ اعْتِقَادُ الْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ: كَانَ سَبَبُ اللَّعْنِ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْعُمُومَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّخْصِيصِ أَيْضًا.

فَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَالْتِزَامُهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى، لِمُوَافَقَةِ وَجْهِ الْكَلَامِ وَخُلُوِّهِ عَنِ الْإِضْمَارِ.

التَّاسِعُ: أَنَّ الْمُوجِبَ لِهَذَا إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ تَنَاوُلِ اللَّعْنَةِ لِلْمَعْذُورِ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا مَضَى، أَنَّ أَحَادِيثَ الْوَعِيدِ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ سَبَبٌ لِتِلْكَ اللَّعْنَةِ. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذَا الْفِعْلُ سَبَبُ اللَّعْنِ.

فَلَوْ قِيلَ: هَذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ تَحَقُّقُ الْحُكْمِ فِي حَقِّ كُلِّ شَخْصٍ؛ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ قِيَامُ السَّبَبِ إِذَا لَمْ يَتْبَعْهُ الْحُكْمُ، وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ.

وَقَدْ قَرَّرْنَا فِيمَا مَضَى، أَنَّ الذَّمَّ لَا يَلْحَقُ الْمُجْتَهِدَ، حَتَّى إِنَّا نَقُولُ: إِنَّ مُحَلِّلَ الْحَرَامِ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ فَاعِلِهِ، وَمَعَ هَذَا فَالْمَعْذُورُ مَعْذُورٌ.

فَإِنْ قِيلَ: فَمَنِ الْمُعَاقَبُ؟ فَإِنَّ فَاعِلَ هَذَا الْحَرَامِ إِمَّا مُجْتَهِدٌ أَوْ مُقَلِّدٌ لَهُ وَكِلَاهُمَا خَارِجٌ عَنِ الْعُقُوبَةِ.

قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مُقْتَضٍ لِلْعُقُوبَةِ، سَوَاءٌ وُجِدَ مَنْ يَفْعَلُهُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ.

فَإِذَا فُرِضَ أَنَّهُ لَا فَاعِلَ إِلَّا وَقَدِ انْتَفَى فِيهِ شَرْطُ الْعُقُوبَةِ؛ أَوْ قَدْ قَامَ بِهِ مَا يَمْنَعُهَا، لَمْ يَقْدَحْ هَذَا فِي كَوْنِهِ مُحَرَّمًا، بَلْ نَعْلَمُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، لِيَجْتَنِبَهُ مَنْ يَتَبَيَّنُ لَهُ التَّحْرِيمُ.

وَيَكُونُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِمَنْ فَعَلَهُ قِيَامُ عُذْرٍ لَهُ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الصَّغَائِرَ مُحَرَّمَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَهَذَا شَأْنُ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا.

فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَرَامٌ -وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعْذَرُ مَنْ يَفْعَلُهَا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا - فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَعْتَقِدَ تَحْرِيمَهَا.

الثَّانِي: أَنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ سَبَبٌ لِزَوَالِ الشُّبْهَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ لُحُوقِ الْعِقَابِ؛ فَإِنَّ الْعُذْرَ الْحَاصِلَ بِالِاعْتِقَادِ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بَقَاءَهُ، بَلِ الْمَطْلُوبُ زَوَالُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَوْلَا هَذَا لَمَا وَجَبَ بَيَانُ الْعِلْمِ، وَلَكَانَ تَرْكُ النَّاسِ عَلَى جَهْلِهِمْ خَيْرًا لَهُمْ، وَلَكَانَ تَرْكُ أَدِلَّةِ الْمَسَائِلِ الْمُشْتَبِهَةِ خَيْرًا مِنْ بَيَانِهَا.

الثَّالِثُ: أَنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ وَالْوَعِيدِ سَبَبٌ لِثَبَاتِ الْمُجْتَنِبِ عَلَى اجْتِنَابِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَانْتَشَرَ الْعَمَلُ بِهَا.

الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الْعُذْرَ لَا يَكُونُ عُذْرًا إِلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ إِزَالَتِهِ، وَإِلَّا فَمَتَى أَمْكَنَ الْإِنْسَانَ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ، فَقَصَّرَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا.

الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي النَّاسِ مَنْ يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ اجْتِهَادًا يُبِيحُهُ؛ وَلَا مُقَلِّدًا تَقْلِيدًا يُبِيحُهُ، فَهَذَا الضَّرْبُ قَدْ قَامَ فِيهِ سَبَبُ الْوَعِيدِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَانِعِ الْخَاصِّ، فَيَتَعَرَّضُ لِلْوَعِيدِ وَيَلْحَقُهُ؛ إِلَّا أَنْ يَقُومَ فِيهِ مَانِعٌ آخَرُ: مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ هَذَا مُضْطَرِبٌ؛ قَدْ يَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ أَوْ تَقْلِيدَهُ مُبِيحٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ وَيَكُونُ مُصِيبًا فِي ذَلِكَ تَارَةً، وَمُخْطِئًا أُخْرَى، لَكِنْ مَتَى تَحَرَّى الْحَقَّ، وَلَمْ يَصُدَّهُ عَنْهُ اتِّبَاعُ الْهَوَى، فَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

الْعَاشِرُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ إِبْقَاءُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِهَا مُسْتَلْزِمًا لِدُخُولِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ تَحْتَ الْوَعِيدِ؛ فَكَذَلِكَ إِخْرَاجُهَا عَنْ مُقْتَضَيَاتِهَا، مُسْتَلْزِمٌ لِدُخُولِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ تَحْتَ الْوَعِيدِ.

وَإِذَا كَانَ لَازِمًا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، بَقِيَ الْحَدِيثُ سَالِمًا عَنِ الْمُعَارِضِ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.

بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَئِمَّةِ صَرَّحُوا بِأَنَّ فَاعِلَ الصُّورَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مَلْعُونٌ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ تَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا، وَلَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَلَا زَوْجُهَا؟ فَقَالَ: هَذَا سِفَاحٌ، وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ «لَعَنَ اللهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» . وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ؛ وَعَنْ غَيْرِهِ؛ مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ الْإِحْلَالَ فَهُوَ مُحَلِّلٌ، وَهُوَ مَلْعُونٌ» وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ فِي الْخَمْرِ وَالرِّبَا وَغَيْرِهِمَا.

فَإِنْ كَانَتْ

اللَّعْنَةُ الشَّرْعِيَّةُ

وَغَيْرُهَا مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي جَاءَ، لَمْ يَتَنَاوَلْ إِلَّا مَحَلَّ الْوِفَاقِ، فَيَكُونُ هَؤُلَاءِ قَدْ لَعَنُوا مَنْ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ؛ فَيَسْتَحِقُّونَ مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ. مِثْلَ قَوْلِهِ ﷺ: «لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ» وَقَوْلِهِ ﷺ، فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ؛ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الطَّعَّانِينَ وَاللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ» .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ .

وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَلْعَنُ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ، إِلَّا حَارَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» .

فَهَذَا الْوَعِيدُ الَّذِي قَدْ جَاءَ فِي اللَّعْنِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ مَنْ لَعَنَ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ، كَانَ هُوَ الْمَلْعُونَ وَإِنَّ هَذَا اللَّعْنَ فُسُوقٌ؛ وَأَنَّهُ مُخْرِجٌ عَنِ الصِّدِّيقِيَّةِ وَالشَّفَاعَةِ وَالشَّهَادَةِ، يَتَنَاوَلُ مَنْ لَعَنَ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ.

فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ دَاخِلًا فِي النَّصِّ؛ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا. فَيَكُونُ لَاعِنُهُ مُسْتَوْجِبًا لِهَذَا الْوَعِيدِ، فَيَكُونُ أُولَئِكَ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِينَ رَأَوْا دُخُولَ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي الْحَدِيثِ، مُسْتَوْجِبِينَ لِهَذَا الْوَعِيدِ.

فَإِذَا كَانَ الْمَحْذُورُ ثَابِتًا -عَلَى تَقْدِيرِ إِخْرَاجِ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَتَقْدِيرِ بَقَائِهِ- عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْذُورٍ، وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ.

وَإِنْ كَانَ الْمَحْذُورُ لَيْسَ ثَابِتًا -عَلَى وَاحِدٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ- فَلَا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ أَلْبَتَّةَ.

وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ التَّلَازُمُ؛ وَعُلِمَ أَنَّ دُخُولَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ مُسْتَلْزِمٌ لِدُخُولِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَدَمِ، فَالثَّابِتُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا وُجُودُ الْمَلْزُومِ وَاللَّازِمِ، وَهُوَ دُخُولُهُمْ جَمِيعًا، أَوْ عَدَمُ اللَّازِمِ وَالْمَلْزُومِ، وَهُوَ عَدَمُ دُخُولِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الْمَلْزُومُ وُجِدَ اللَّازِمُ؛ وَإِذَا عُدِمَ اللَّازِمُ عُدِمَ الْمَلْزُومُ. وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي إِبْطَالِ السُّؤَالِ؛ لَكِنَّ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ: أَنَّ الْوَاقِعَ عَدَمُ دُخُولِهِمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ. وَذَلِكَ أَنَّ الدُّخُولَ تَحْتَ الْوَعِيدِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعُذْرِ فِي الْفِعْلِ، وَأَمَّا الْمَعْذُورُ عُذْرًا شَرْعِيًّا، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْوَعِيدُ بِحَالٍ.

وَالْمُجْتَهِدُ مَعْذُورٌ بَلْ مَأْجُورٌ فَيَنْتَفِي شَرْطُ الدُّخُولِ فِي حَقِّهِ، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا سَوَاءٌ اعْتَقَدَ بَقَاءَ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَوْ أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا يُعْذَرُ فِيهِ، وَهَذَا إِلْزَامٌ مُفْحِمٌ لَا مَحِيدَ عَنْهُ إِلَّا إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ.

وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: أَنَا أُسَلِّمُ أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ مَنْ يَعْتَقِدُ دُخُولَ مَوْرِدِ الْخِلَافِ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ، وَيُوعِدُ عَلَى مَوْرِدِ الْخِلَافِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ فَيَلْعَنُ -مَثَلًا- مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ، لَكِنْ هُوَ مُخْطِئٌ فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ خَطَأً يُعْذَرُ فِيهِ وَيُؤْجَرُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي وَعِيدِ مَنْ لَعَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَعِيدَ هُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى لَعْنٍ مُحَرَّمٍ بِالِاتِّفَاقِ، فَمَنْ لَعَنَ لَعْنًا مُحَرَّمًا بِالِاتِّفَاقِ تَعَرَّضَ لِلْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ عَلَى اللَّعْنِ.

وَإِذَا كَانَ اللَّعْنُ مِنْ مَوَارِدِ الِاخْتِلَافِ لَمْ يَدْخُلْ فِي أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ كَمَا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُخْتَلَفَ فِي حِلِّهِ وَلَعْنِ فَاعِلِهِ، لَا يَدْخُلُ فِي أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ.

فَكَمَا أَخْرَجْتَ مَحَلَّ الْخِلَافِ مِنَ الْوَعِيدِ الْأَوَّلِ أُخْرِجُ مَحَلَّ الْخِلَافِ مِنَ الْوَعِيدِ الثَّانِي. وَأَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَادِيثَ الْوَعِيدِ فِي كِلَا الطَّرَفَيْنِ، لَمْ تَشْمَلْ مَحَلَّ الْخِلَافِ لَا فِي جَوَازِ الْفِعْلِ، وَلَا فِي جَوَازِ لَعْنَةِ فَاعِلِهِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ جَوَازَ الْفِعْلِ أَوْ عَدَمَ جَوَازِهِ.

فَإِنِّي -عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ- لَا أُجَوِّزُ لَعْنَةَ فَاعِلِهِ، وَلَا أُجَوِّزُ لَعْنَةَ مَنْ لَعَنَ فَاعِلَهُ، وَلَا أَعْتَقِدُ الْفَاعِلَ وَلَا اللَّاعِنَ دَخَلَا فِي حَدِيثِ وَعِيدٍ، وَلَا أُغَلِّظُ عَلَى اللَّاعِنِ إِغْلَاظَ مَنْ يَرَاهُ مُتَعَرِّضًا لِلْوَعِيدِ، بَلْ لَعْنُهُ لِمَنْ فَعَلَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عِنْدِي مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، وَأَنَا أَعْتَقِدُ خَطَأَهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَدْ أَعْتَقِدُ خَطَأَ الْمُبِيحِ، فَإِنَّ الْمَقَالَاتِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ ثَلَاثَةٌ:

أَحَدُهَا: الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ.

وَالثَّانِي: الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ وَلُحُوقِ الْوَعِيدِ.

وَالثَّالِثُ: الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ الْخَالِي مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ.

وَأَنَا قَدْ أَخْتَارُ هَذَا الْقَوْلَ الثَّالِثَ: لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى تَحْرِيمِ الْفِعْلِ، وَعَلَى تَحْرِيمِ لَعْنَةِ فَاعِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ' مَعَ اعْتِقَادِي أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي وَعِيدِ الْفَاعِلِ وَوَعِيدِ اللَّاعِنِ لَمْ يَشْمَلْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ.

فَيُقَالُ لِلسَّائِلِ: إِنْ جَوَّزْتَ أَنْ تَكُونَ لَعْنَةُ هَذَا الْفَاعِلِ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، جَازَ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِالظَّاهِرِ الْمَنْصُوصِ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا أَمَانَ مِنْ إِرَادَةِ مَحَلِّ الْخِلَافِ مِنْ حَدِيثِ الْوَعِيدِ، وَالْمُقْتَضِي لِإِرَادَتِهِ قَائِمٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.

فَإِنْ لَمْ تُجَوِّزْ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، كَانَ لَعْنُهُ مُحَرَّمًا تَحْرِيمًا قَطْعِيًّا.

وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ لَعَنَ مُجْتَهِدًا لَعْنًا مُحَرَّمًا تَحْرِيمًا قَطْعِيًّا، كَانَ دَاخِلًا فِي الْوَعِيدِ الْوَارِدِ لِلَّاعِنِ وَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا، كَمَنْ لَعَنَ بَعْضَ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

فَثَبَتَ أَنَّ الدَّوْرَ لَازِمٌ، سَوَاءٌ قَطَعْتَ بِتَحْرِيمِ لَعْنَةِ فَاعِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، أَوْ سَوَّغْتَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ، وَذَلِكَ الِاعْتِقَادُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ، لَا يَدْفَعُ الِاسْتِدْلَالَ بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَهَذَا بَيِّنٌ.

وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: لَيْسَ مَقْصُودُنَا بِهَذَا الْوَجْهِ تَحْقِيقَ تَنَاوُلِ الْوَعِيدِ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَحْقِيقُ الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ الْوَعِيدِ عَلَى مَحَلِّ الْخِلَافِ. وَالْحَدِيثُ أَفَادَ حُكْمَيْنِ: التَّحْرِيمَ، وَالْوَعِيدَ، وَمَا ذَكَرْتَهُ إِنَّمَا يَتَعَرَّضُ لِنَفْيِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْوَعِيدِ فَقَطْ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: إِنَّمَا هُوَ بَيَانُ دَلَالَتِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَإِذَا الْتَزَمْتَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَعِّدَةَ لِلَّاعِنِ لَا تَتَنَاوَلُ لَعْنًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، لَمْ يَبْقَ فِي اللَّعْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ اللَّعْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَانَ جَائِزًا.

أَوْ يُقَالُ: فَإِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، لَمْ يَجُزِ اعْتِقَادُ تَحْرِيمِهِ، وَالْمُقْتَضِي لِجَوَازِهِ قَائِمٌ، وَهِيَ الْأَحَادِيثُ اللَّاعِنَةُ لِمَنْ فَعَلَ هَذَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ لَعْنِهِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَحْرِيمِ لَعْنِهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِجَوَازِ لَعْنِهِ السَّالِمِ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَهَذَا يُبْطِلُ السُّؤَالَ.

فَقَدْ دَارَ الْأَمْرُ عَلَى السَّائِلِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا الدَّوْرُ الْآخَرُ، لِأَنَّ عَامَّةَ النُّصُوصِ الْمُحَرِّمَةِ لِلَّعْنِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعِيدِ.

فَإِنْ لَمْ يَجُزِ الِاسْتِدْلَالُ بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ عَلَى مَحَلِّ الْخِلَافِ، لَمْ يَجُزِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى لَعْنٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَسْتَدِلُّ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ اللَّعْنَةِ بِالْإِجْمَاعِ.

قِيلَ لَهُ: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ لَعْنَةِ مُعَيَّنٍ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ.

أَمَّا لَعْنُ الْمَوْصُوفِ فَقَدْ عَرَفْتَ الْخِلَافَ فِيهِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَعْنَ الْمَوْصُوفِ لَا تَسْتَلْزِمُ إِصَابَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، إِلَّا إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ، وَارْتَفَعَتِ الْمَوَانِعُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.

وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: كُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ حَمْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَحَلِّ الْوِفَاقِ تَرِدُ هُنَا.

وَهِيَ تُبْطِلُ هَذَا السُّؤَالَ هُنَا، كَمَا أَبْطَلَتْ أَصْلَ السُّؤَالِ.

وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ جَعْلِ الدَّلِيلِ مُقَدِّمَةً مِنْ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلٍ آخَرَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا مَعَ التَّطْوِيلِ إِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ وَاحِدٌ.

إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ الْمَحْذُورَ الَّذِي ظَنُّوهُ، هُوَ لَازِمٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَلَا يَكُونُ مَحْذُورًا، فَيَكُونُ دَلِيلٌ وَاحِدٌ قَدْ دَلَّ عَلَى إِرَادَةِ مَحَلِّ الْخِلَافِ مِنَ النُّصُوصِ؛ وَعَلَى أَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ.

وَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ عَلَى مَطْلُوبٍ مُقَدِّمَةً فِي دَلِيلِ مَطْلُوبٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبَانِ مُتَلَازِمَيْنِ.

الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِأَحَادِيثِ الْوَعِيدِ فِيمَا اقْتَضَتْهُ مِنَ التَّحْرِيمِ.

وَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي الْعَمَلِ بِآحَادِهَا فِي الْوَعِيدِ خَاصَّةً.

فَأَمَّا فِي التَّحْرِيمِ فَلَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ مُعْتَدٌّ مُحْتَسَبٌ.

وَمَا زَالَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- أَجْمَعِينَ فِي خِطَابَاتِهِمْ وَكُتُبِهِمْ، يَحْتَجُّونَ بِهَا فِي مَوَارِدِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ.

بَلْ إِذَا كَانَ فِي الْحَدِيثِ وَعِيدٌ، كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي اقْتِضَاءِ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا تَعْرِفُهُ الْقُلُوبُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا التَّنْبِيهُ عَلَى رُجْحَانِ قَوْلِ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا فِي الْحُكْمِ وَاعْتِقَادِ الْوَعِيدِ، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

وَعَلَى هَذَا فَلَا يُقْبَلُ سُؤَالٌ يُخَالِفُ الْجَمَاعَةَ.

الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ نُصُوصَ الْوَعِيدِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَالْقَوْلَ بِمُوجَبِهَا وَاجِبٌ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيَّنَ شَخْصٌ مِنَ الْأَشْخَاصِ.

فَيُقَالَ: "هَذَا مَلْعُونٌ" أَوْ "مَغْضُوبٌ عَلَيْ"هِ أَوْ "مُسْتَحِقٌّ لِلنَّارِ". لَاسِيَّمَا إِنْ كَانَ لِذَلِكَ الشَّخْصِ فَضَائِلُ وَحَسَنَاتٌ.

فَإِنَّ مَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرُ وَالْكَبَائِرُ، مَعَ إِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّخْصُ صِدِّيقًا أَوْ شَهِيدًا أَوْ صَالِحًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مُوجَبَ الذَّنْبِ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بِتَوْبَةٍ أَوِ اسْتِغْفَارٍ أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْ لِمَحْضِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.

فَإِذَا قُلْنَا بِمُوجَبِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الْوَعِيدِ.

أَوْ قُلْنَا بِمُوجَبِ قَوْلِهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ» أَوْ «عَقَّ وَالِدَيْهِ أَوْ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» .

أَوْ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ» أَوْ «لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ» أَوْ «لَعَنَ اللَّهُ لَاوِيَ الصَّدَقَةِ وَالْمُعْتَدِيَ فِيهَا» .

أَوْ «مَنْ أَحْدَثَ فِي الْمَدِينَةِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» . أَوْ «مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَوْ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» . أَوْ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» أَوْ «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» أَوْ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» .

أَوْ «مَنِ اسْتَحَلَّ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» .

أَوْ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ. لَمْ يَجُزْ أَنْ نُعَيِّنَ شَخْصًا مِمَّنْ فَعَلَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَنَقُولَ: هَذَا الْمُعَيَّنُ قَدْ أَصَابَهُ هَذَا الْوَعِيدُ؛ لِإِمْكَانِ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُسْقِطَاتِ الْعُقُوبَةِ.

وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَقُولَ: هَذَا يَسْتَلْزِمُ لَعْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَعْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَوْ لَعْنَ الصِّدِّيقِينَ أَوِ الصَّالِحِينَ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: الصِّدِّيقُ وَالصَّالِحُ مَتَى صَدَرَتْ مِنْهُ بَعْضُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَانِعٍ يَمْنَعُ لُحُوقَ الْوَعِيدِ بِهِ، مَعَ قِيَامِ سَبَبِهِ.

فَفِعْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ مِمَّنْ يَحْسِبُ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ -بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ- غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ امْتَنَعَ لُحُوقُ الْوَعِيدِ بِهِمْ لِمَانِعٍ، كَمَا امْتَنَعَ لُحُوقُ الْوَعِيدِ بِهِ لِتَوْبَةٍ أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ السَّبِيلَ هِيَ الَّتِي يَجِبُ سُلُوكُهَا.

فَإِنَّ مَا سِوَاهَا طَرِيقَانِ خَبِيثَانِ:

أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ بِلُحُوقِ الْوَعِيدِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ بِعَيْنِهِ. وَدَعْوَى أَنَّ هَذَا عَمَلٌ بِمُوجَبِ النُّصُوصِ.

وَهَذَا أَقْبَحُ مِنْ قَوْلِ الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَفَسَادُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَدِلَّتُهُ مَعْلُومَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

الثَّانِي: تَرْكُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ظَنًّا أَنَّ الْقَوْلَ بِمُوجَبِهَا مُسْتَلْزِمٌ لِلطَّعْنِ فِيمَنْ خَالَفَهَا.

وَهَذَا التَّرْكُ يَجُرُّ إِلَى الضَّلَالِ. وَاللُّحُوقِ بِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ «الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ» فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَعْبُدُوهُمْ، وَلَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ، فَاتَّبَعُوهُمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ، فَاتَّبَعُوهُمْ» .

وَيُفْضِي إِلَى طَاعَةِ الْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.

وَيُفْضِي إِلَى قُبْحِ الْعَاقِبَةِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ الْمَفْهُومِ مِنْ فَحْوَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .

ثُمَّ إِنَّ الْعُلَمَاءَ يَخْتَلِفُونَ كَثِيرًا.

فَإِنْ كَانَ كُلُّ خَبَرٍ فِيهِ تَغْلِيظٌ خَالَفَهُ مُخَالِفٌ تُرِكَ الْقَوْلُ بِمَا فِيهِ مِنَ التَّغْلِيظِ أَوْ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ مُطْلَقًا، لَزِمَ مِنْ هَذَا مِنَ الْمَحْذُورِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ: مِنَ الْكُفْرِ، وَالْمُرُوقِ مِنَ الدِّينِ.

وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَحْذُورُ مِنْ هَذَا أَعْظَمَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، لَمْ يَكُنْ دُونَهُ.

فَلَا بُدَّ أَنْ نُؤْمِنَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ، وَنَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا جَمِيعَهُ. وَلَا نُؤْمِنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَنَكْفُرَ بِبَعْضٍ. وَلَا وَتَلِينَ قُلُوبُنَا لِاتِّبَاعِ بَعْضِ السُّنَّةِ، وَتَنْفِرَ عَنْ قَبُولِ بَعْضِهَا بِحَسَبِ الْعَادَاتِ وَالْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ هَذَا خُرُوجٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، إِلَى صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ.

وَاللهُ يُوَفِّقُنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحَابِهِ الْمُنْتَخَبِينَ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.