كتب مشكولة

التَّدْمُرِيَّةُ: تَحْقِيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَحَقِيقَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَدَرِ وَالشَّرْعِ

تَأْلِيفُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ

تحميل PDF المصدر شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٩٣ صفحة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَبِهِ نَسْتَعِينُ

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ، الْعَالِمُ، الْعَلَّامَةُ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، مُفْتِي الْأَنَامِ، أَوْحَدُ عَصْرِهِ، وَفَرِيدُ دَهْرِهِ، نَاصِرُ السُّنَّةِ، وَقَامِعُ الْبِدْعَةِ، تَقِيُّ الدِّينِ، أَبُو الْعَبَّاسِ، أَحْمَدُ بْنُ الشَّيْخِ، الْإِمَامِ، الْعَلَّامَةِ، شِهَابِ الدِّينِ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ الشَّيْخِ، الْإِمَامِ، الْعَلَّامَةِ، شَيْخِ الْإِسْلَامِ، مَجْدِ الدِّينِ، أَبِي الْبَرَكَاتِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ:

[خُطْبَةُ الْكِتَابِ]

الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

[مَوْضُوعُ الْكِتَابِ وَأَسْبَابُ تَأْلِيفِهِ (تَوْحِيدُ اللهِ)]

أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ سَأَلَنِي مَنْ تَعَيَّنَتْ إِجَابَتُهُمْ أَنْ أَكْتُبَ لَهُمْ مَضْمُونَ مَا سَمِعُوهُ مِنِّي فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ، مِنَ الْكَلَامِ فِي التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ، وَفِي الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ، لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى تَحْقِيقِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ، وَكَثْرَةِ الِاضْطِرَابِ فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا مَعَ حَاجَةِ كُلِّ أَحَدٍ إِلَيْهِمَا، وَمَعَ أَنَّ أَهْلَ النَّظَرِ وَالْعِلْمِ، وَالْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ، لَا بُدَّ أَنْ يَخْطُرَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَوَاطِرِ وَالْأَقْوَالِ مَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إِلَى بَيَانِ الْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ، لَا سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ مَنْ خَاضَ فِي ذَلِكَ بِالْحَقِّ تَارَةً، وَبِالْبَاطِلِ تَارَاتٍ، وَمَا يَعْتَرِي الْقُلُوبَ فِي ذَلِكَ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي تُوقِعُهَا فِي أَنْوَاعِ الضَّلَالَاتِ.

[الْكَلَامُ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالصِّفَاتِ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَفِي تَوْحِيدِ الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ]

فَالْكَلَامُ فِي بَابِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، الدَّائِرِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْكَلَامُ فِي الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ هُوَ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ، الدَّائِرِ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَبَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْبُغْضِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.

وَالْإِنْسَانُ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَبَيْنَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَالْحَضِّ وَالْمَنْعِ، حَتَّى إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا النَّوْعِ وَبَيْنَ النَّوْعِ الْآخَرِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَصْنَافِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ، وَكَمَا ذَكَرَهُ الْمُقَسِّمُونَ لِلْكَلَامِ، مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالنَّحْوِ وَالْبَيَانِ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْكَلَامَ نَوْعَانِ: خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ، وَالْخَبَرُ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْإِنْشَاءُ: أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ إِبَاحَةٌ.

[مَحْمَلُ الْوَاجِبِ عَلَى الْعَبْدِ فِي تَوْحِيدِ اللهِ]

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يُثْبِتَ لِلَّهِ مَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَيَنْفِيَ عَنْهُ مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ مِمَّا يُضَادُّ هَذِهِ الْحَالَ. وَلَا بُدَّ لَهُ فِي أَحْكَامِهِ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ خَلْقَهُ وَأَمْرَهُ، فَيُؤْمِنَ بِخَلْقِهِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَعُمُومَ مَشِيئَتِهِ، وَيُثْبِتَ أَمْرَهُ الْمُتَضَمِّنَ بَيَانَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَيُؤْمِنَ بِشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ إِيمَانًا خَالِيًا مِنَ الزَّلَلِ.

وَهَذَا يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ فِي الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ، وَالْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ سُورَةُ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وَدَلَّتْ عَلَى الْآخَرِ سُورَةُ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَهُمَا سُورَتَا الْإِخْلَاصِ، وَبِهِمَا كَانَ يَقْرَأُ ﷺ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيِ الطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

[الْأَصْلُ الْأَوَّلُ - تَوْحِيدُ الصِّفَاتِ

الْأَصْلُ فِيهِ]

فَأَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ فِي الصِّفَاتِ، فَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يُوصَفَ اللهُ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَيُثْبَتُ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَيُنْفَى عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ.

[مَذْهَبُ السَّلَفِ فِيهِ]

وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ طَرِيقَةَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، إِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ مِنَ الصِّفَاتِ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَكَذَلِكَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ - مَعَ مَا أَثْبَتَهُ مِنَ الصِّفَاتِ - مِنْ غَيْرِ إِلْحَادٍ، لَا فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي آيَاتِهِ، فَإِنَّ اللهَ ذَمَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

فَطَرِيقَتُهُمْ تَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، مَعَ نَفْيِ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، إِثْبَاتًا بِلَا تَشْبِيهٍ، وَتَنْزِيهًا بِلَا تَعْطِيلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رَدٌّ لِلتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رَدٌّ لِلْإِلْحَادِ وَالتَّعْطِيلِ.

[طَرِيقَةُ الرُّسُلِ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ. شَوَاهِدُ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ]

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعَثَ رُسُلَهُ بِإِثْبَاتٍ مُفَصَّلٍ، وَنَفْيٍ مُجْمَلٍ، فَأَثْبَتُوا لَهُ الصِّفَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَنَفَوْا عَنْهُ مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) أَيْ نَظِيرًا يَسْتَحِقُّ مِثْلَ اسْمِهِ، وَيُقَالُ مُسَامِيًا يُسَامِيهِ. وَهَذَا مَعْنَى مَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا أَوْ شَبِيهًا.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ • وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ • بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا • الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ • أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ • أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ • وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ • أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ • مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ • أَفَلَا تَذَكَّرُونَ • أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ • فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ • وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ • سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ • إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ • وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ • وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْمُفْتَرُونَ الْمُشْرِكُونَ، وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، لِسَلَامَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ الْإِفْكِ وَالشِّرْكِ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ إِذْ هُوَ سُبْحَانَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِمَا لَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَبَدِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ.

وَأَمَّا الْإِثْبَاتُ الْمُفَصَّلُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مَا أَنْزَلَهُ فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الْآيَةَ بِكَمَالِهَا، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ • اللَّهُ الصَّمَدُ • لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ • وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ • ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ • فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ • هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

وَقَوْلِهِ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ .

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ • هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ • هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .

إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَسْمَاءِ الرَّبِّ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ إِثْبَاتِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَإِثْبَاتِ وَحْدَانِيَّتِهِ بِنَفْيِ التَّمْثِيلِ مَا هَدَى اللهُ بِهِ عِبَادَهُ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الرُّسُلِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

[طَرِيقَةُ مُخَالِفِي الرُّسُلِ]

وَأَمَّا مَنْ زَاغَ وَحَادَ عَنْ سَبِيلِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَمَنْ دَخَلَ فِي هَؤُلَاءِ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَالْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُمْ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ، يَصِفُونَهُ بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَلَا يُثْبِتُونَ إِلَّا وُجُودًا مُطْلَقًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَ التَّحْصِيلِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى وُجُودٍ فِي الْأَذْهَانِ يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُهُ فِي الْأَعْيَانِ، فَقَوْلُهُمْ يَسْتَلْزِمُ غَايَةَ التَّعْطِيلِ وَغَايَةَ التَّمْثِيلِ، فَإِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَهُ بِالْمُمْتَنِعَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، وَيُعَطِّلُونَ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ تَعْطِيلًا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الذَّاتِ.

[مَذْهَبُ الْبَاطِنِيَّةِ]

فَغَالِيَتُهُمْ يَسْلُبُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ، فَيَقُولُونَ: لَا مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ، وَلَا حَيٌّ وَلَا مَيِّتٌ، وَلَا عَالِمٌ وَلَا جَاهِلٌ، لِأَنَّهُمْ - بِزَعْمِهِمْ - إِذَا وَصَفُوهُ بِالْإِثْبَاتِ شَبَّهُوهُ بِالْمَوْجُودَاتِ، وَإِذَا وَصَفُوهُ بِالنَّفْيِ شَبَّهُوهُ بِالْمَعْدُومَاتِ، فَسَلَبُوا النَّقِيضَيْنِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي بَدَائِهِ الْعُقُولِ، وَحَرَّفُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْكِتَابِ، وَمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَوَقَعُوا فِي شَرٍّ مِمَّا فَرُّوا مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ شَبَّهُوهُ بِالْمُمْتَنِعَاتِ، إِذْ سَلْبُ النَّقِيضَيْنِ كَجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ، كِلَاهُمَا مِنَ الْمُمْتَنِعَاتِ.

وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْوُجُودَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِدٍ، وَاجِبٍ بِذَاتِهِ، غَنِيٍّ عَمَّا سِوَاهُ، قَدِيمٍ، أَزَلِيٍّ، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ وَلَا الْعَدَمُ. فَوَصَفُوهُ بِمَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ، فَضْلًا عَنِ الْوُجُوبِ أَوِ الْوُجُودِ أَوِ الْقِدَمِ.

[مَذْهَبُ ابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ]

وَقَارَبَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ، فَوَصَفُوهُ بِالسُّلُوبِ وَالْإِضَافَاتِ، دُونَ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ، وَجَعَلُوهُ هُوَ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ.

وَقَدْ عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، لَا فِيمَا خَرَجَ عَنْهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَجَعَلُوا الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفَ، فَجَعَلُوا الْعِلْمَ عَيْنَ الْعَالِمِ، مُكَابَرَةً لِلْقَضَايَا الْبَدِيهِيَّاتِ، وَجَعَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ الْأُخْرَى فَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ جَحْدًا لِلْعُلُومِ الضَّرُورِيَّاتِ.

[مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ]

وَقَارَبَهُمْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ فَأَثْبَتُوا لَهُ الْأَسْمَاءَ دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الصِّفَاتِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْعَلِيمَ وَالْقَدِيرَ وَالسَّمِيعَ وَالْبَصِيرَ كَالْأَعْلَامِ الْمَحْضَةِ الْمُتَرَادِفَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلِيمٌ بِلَا عِلْمٍ، قَدِيرٌ بِلَا قُدْرَةٍ، سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِلَا سَمْعٍ وَلَا بَصَرٍ، فَأَثْبَتُوا الِاسْمَ دُونَ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الصِّفَاتِ.

وَالْكَلَامُ عَلَى فَسَادِ مَقَالَةِ هَؤُلَاءِ وَبَيَانِ تَنَاقُضِهَا بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ الْمُطَابِقِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.

[ضَلَالُ أَصْحَابِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَجَهْلُهُمْ]

وَهَؤُلَاءِ جَمِيعُهُمْ يَفِرُّونَ مِنْ شَيْءٍ فَيَقَعُونَ فِي نَظِيرِهِ وَفِي شَرٍّ مِنْهُ، مَعَ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنَ التَّحْرِيفَاتِ وَالتَّعْطِيلَاتِ، وَلَوْ أَمْعَنُوا النَّظَرَ لَسَوَّوْا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، كَمَا تَقْتَضِيهِ الْمَعْقُولَاتُ، وَلَكَانُوا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، وَلَكِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَجْهُولَاتِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْمَعْقُولَاتِ، يُسَفْسِطُونَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَيُقَرْمِطُونَ فِي السَّمْعِيَّاتِ.

[الْمَوْجُودُ إِمَّا الْخَالِقُ وَإِمَّا الْمَخْلُوقُ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وُجُودٌ يَخُصُّهُ]

وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَوْجُودٍ قَدِيمٍ غَنِيٍّ عَمَّا سِوَاهُ، إِذْ نَحْنُ نُشَاهِدُ حُدُوثَ الْمُحْدَثَاتِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَعْدِنِ وَالنَّبَاتِ، وَالْحَادِثُ مُمْكِنٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ، وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَالْمُمْكِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ وَلَا هُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ تَعَيَّنَ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا خَلَقَهُمْ.

[اتِّفَاقُ الْأَسْمَاءِ لَا يُوجِبُ تَمَاثُلَ الْمُسَمَّيَاتِ]

وَإِذَا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ فِي الْوُجُودِ مَا هُوَ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَمَا هُوَ مُحْدَثٌ مُمْكِنٌ، يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ وَهَذَا مَوْجُودٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ اتِّفَاقِهِمَا فِي مُسَمَّى «الْوُجُودِ» أَنْ يَكُونَ وُجُودُ هَذَا مِثْلَ وُجُودِ هَذَا، بَلْ وُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ وَوُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ، وَاتِّفَاقُهُمَا فِي اسْمٍ عَامٍّ لَا يَقْتَضِي تَمَاثُلَهُمَا فِي مُسَمَّى ذَلِكَ الِاسْمِ عِنْدَ الْاضَافَةِ وَالتَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، فَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ - إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْعَرْشَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ وَإِنَّ الْبَعُوضَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ - إِنَّ هَذَا مِثْلُ هَذَا لِاتِّفَاقِهِمَا فِي مُسَمَّى «الشَّيْءِ»

وَ«الْوُجُودِ»، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ غَيْرُهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، بَلِ الذِّهْنُ يَأْخُذُ مَعْنًى مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا هُوَ مُسَمَّى الِاسْمِ الْمُطْلَقِ، وَإِذَا قِيلَ: هَذَا مَوْجُودٌ وَهَذَا مَوْجُودٌ، فَوُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا يَخُصُّهُ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، مَعَ أَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.

[أَسْمَاءُ اللهِ وَصِفَاتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ وَإِنِ اتَّفَقَتْ مَعَ مَا لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ]

وَلِهَذَا سَمَّى اللهُ نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ وَسَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءٍ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ مُخْتَصَّةً بِهِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لَا يَشْرَكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، وَسَمَّى

بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ بِأَسْمَاءٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِمْ مُضَافَةٍ إِلَيْهِمْ تُوَافِقُ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ إِذَا قُطِعَتْ عَنِ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ اتِّفَاقِ الِاسْمَيْنِ تَمَاثُلُ مُسَمَّاهُمَا وَاتِّحَادُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّجْرِيدِ عَنِ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ، لَا اتِّفَاقُهُمَا، وَلَا تَمَاثُلُ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَّحِدَ مُسَمَّاهُمَا عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ.

فَقَدْ سَمَّى اللهُ نَفْسَهُ حَيًّا، فَقَالَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ حَيًّا، فَقَالَ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ وَلَيْسَ هَذَا الْحَيُّ مِثْلَ هَذَا الْحَيِّ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿الْحَيُّ﴾ اسْمٌ لِلَّهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَقَوْلَهُ ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسْمٌ لِلْحَيِّ الْمَخْلُوقِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَّفِقَانِ إِذَا أُطْلِقَا وَجُرِّدَا عَنِ التَّخْصِيصِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْمُطَقِ مُسَمًّى مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَلَكِنَّ الْعَقْلَ يَفْهَمُ مِنَ الْمُطْلَقِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ، وَعِنْدَ الِاخْتِصَاصِ يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْخَالِقُ عَنِ الْمَخْلُوقِ، وَالْمَخْلُوقُ عَنِ الْخَالِقِ.

وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا فِي جَمِيعِ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ، يُفْهَمُ مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ بِالْمُوَاطَأَةِ وَالِاتِّفَاقِ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ وَالِاخْتِصَاصِ، الْمَانِعَةِ مِنْ مُشَارَكَةِ الْمَخْلُوقِ لِلْخَالِقِ فِي شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَكَذَلِكَ سَمَّى اللهُ نَفْسَهُ عَلِيمًا حَلِيمًا، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ عَلِيمًا، فَقَالَ: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ يَعْنِي إِسْحَقَ، وَسَمَّى آخَرَ حَلِيمًا، فَقَالَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ، وَلَيْسَ الْعَلِيمُ كَالْعَلِيمِ، وَلَا الْحَلِيمُ كَالْحَلِيمِ.

وَسَمَّى نَفْسَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَسَمَّى بَعْضَ خَلْقِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا فَقَالَ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَلَيْسَ السَّمِيعُ كَالسَّمِيعِ، وَلَا الْبَصِيرُ كَالْبَصِيرِ.

وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ فَقَالَ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وَلَيْسَ الرَّءُوفُ كَالرَّءُوفِ، وَلَا الرَّحِيمُ كَالرَّحِيمِ.

وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْمَلِكِ، فَقَالَ: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالْمَلِكِ، فَقَالَ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ وَلَيْسَ الْمَلِكُ كَالْمَلِكِ.

وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْمُؤْمِنِ، فَقَالَ: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالْمُؤْمِنِ، فَقَالَ: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ﴾ وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُ كَالْمُؤْمِنِ.

وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْعَزِيزِ، فَقَالَ: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالْعَزِيزِ، فَقَالَ: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ وَلَيْسَ الْعَزِيزُ كَالْعَزِيزِ.

وَسَمَّى نَفْسَهُ الْجَبَّارَ الْمُتَكَبِّرَ، وَسَمَّى بَعْضَ خَلْقِهِ بِالْجَبَّارِ الْمُتَكَبِّرِ، فَقَالَ: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وَلَيْسَ الْجَبَّارُ كَالْجَبَّارِ، وَلَا الْمُتَكَبِّرُ كَالْمُتَكَبِّرِ.

وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ.

وَكَذَلِكَ سَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى صِفَاتِ عِبَادِهِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، وَقَالَ: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ .

وَسَمَّى صِفَةَ الْمَخْلُوقِ عِلْمًا وَقُوَّةً، فَقَالَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وَقَالَ: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾، وَقَالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، وَقَالَ: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ﴾، وَقَالَ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أَيْ: بِقُوَّةٍ، وَقَالَ ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ أَيْ: ذَا الْقُوَّةِ، وَلَيْسَ الْعِلْمُ كَالْعِلْمِ، وَلَا الْقُوَّةُ كَالْقُوَّةِ.

وَكَذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمَشِيئَةِ، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْمَشِيئَةِ، فَقَالَ: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ • وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا • وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

وَكَذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْإِرَادَةِ، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْإِرَادَةِ، فَقَالَ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمَحَبَّةِ، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْمَحَبَّةِ، فَقَالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وَقَالَ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .

وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالرِّضَا، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالرِّضَا، فَقَالَ: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ .

وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ لَيْسَتْ مِثْلَ مَشِيئَةِ الْعَبْدِ، وَلَا إِرَادَتَهُ مِثْلَ إِرَادَتِهِ، وَلَا مَحَبَّتَهُ مِثْلَ مَحَبَّتِهِ، وَلَا رِضَاهُ مِثْلَ رِضَاهُ.

وَكَذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ يَمْقُتُ الْكُفَّارَ، وَوَصَفَهُمْ بِالْمَقْتِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وَلَيْسَ الْمَقْتُ مِثْلَ الْمَقْتِ.

وَهَكَذَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمَكْرِ وَالْكَيْدِ، كَمَا وَصَفَ عَبْدَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا • وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، وَلَيْسَ الْمَكْرُ كَالْمَكْرِ، وَلَا الْكَيْدُ كَالْكَيْدِ.

وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ، فَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْعَمَلِ فَقَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وَلَيْسَ الْعَمَلُ كَالْعَمَلِ.

وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمُنَادَاةِ وَالْمُنَاجَاةِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْمُنَادَاةِ وَالْمُنَاجَاةِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾، وَقَالَ: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وَلَيْسَ الْمُنَادَاةُ كَالْمُنَادَاةِ، وَلَا الْمُنَاجَاةُ كَالْمُنَاجَاةِ.

وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّكْلِيمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالتَّكْلِيمِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، وَلَيْسَ التَّكْلِيمُ كَالتَّكْلِيمِ.

وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّنْبِئَةِ، وَوَصَفَ بَعْضَ الْخَلْقِ بِالتَّنْبِئَةِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وَلَيْسَ الْإِنْبَاءُ كَالْإِنْبَاءِ.

وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّعْلِيمِ، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالتَّعْلِيمِ، فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَـٰنِ • عَلَّمَ الْقُرْآنَ • خَلَقَ الْإِنسَانَ • عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، وَقَالَ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وَلَيْسَ التَّعْلِيمُ كَالتَّعْلِيمِ.

وَهَكَذَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْغَضَبِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْغَضَبِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ وَلَيْسَ الْغَضَبُ كَالْغَضَبِ.

وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ، فَذَكَرَ فِي سَبْعِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَوَصَفَ بَعْضَ خَلْقِهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى غَيْرِهِ، فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وَلَيْسَ الِاسْتِوَاءُ كَالِاسْتِوَاءِ.

وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِبَسْطِ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وَوَصَفَ بَعْضَ خَلْقِهِ بِبَسْطِ الْيَدِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، وَلَيْسَ الْيَدُ كَالْيَدِ، وَلَا الْبَسْطُ كَالْبَسْطِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْبَسْطِ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ فَلَيْسَ إِعْطَاءُ اللهِ كَإِعْطَاءِ خَلْقِهِ، وَلَا جُودُهُ كَجُودِهِمْ. وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.

[نَتِيجَةُ مَا تَقَدَّمَ]

فَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ، وَنَفْيِ مُمَاثَلَتِهِ لِخَلْقِهِ، فَمَنْ قَالَ: لَيْسَ لِلَّهِ عِلْمٌ وَلَا قُوَّةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا كَلَامٌ، وَلَا يُحِبُّ وَلَا يَرْضَى، وَلَا نَادَى وَلَا نَاجَى، وَلَا اسْتَوَى - كَانَ مُعَطِّلًا، جَاحِدًا، مُمَثِّلًا لِلَّهِ بِالْمَعْدُومَاتِ وَالْجَمَادَاتِ. وَمَنْ قَالَ لَهُ عِلْمٌ كَعِلْمِي، أَوْ قُوَّةٌ كَقُوَّتِي، أَوْ حُبٌّ كَحُبِّي، أَوْ رِضًا كَرِضَايَ، أَوْ يَدَانِ كَيَدَيَّ، أَوِ اسْتِوَاءٌ كَاسْتِوَائِي - كَانَ مُشَبِّهًا، مُمَثِّلًا لِلَّهِ بِالْحَيَوَانَاتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتٍ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَتَنْزِيهٍ بِلَا تَعْطِيلٍ.

[الْأُصُولُ وَالْأَمْثِلَةُ وَالْقَوَاعِدُ لِبَيَانِ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَمُنَاقَشَةِ مُخَالِفِيهِمْ]

وَيَتَبَيَّنُ هَذَا بِأَصْلَيْنِ شَرِيفَيْنِ، وَمَثَلَيْنِ مَضْرُوبَيْنِ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى -، وَبِخَاتِمَةٍ جَامِعَةٍ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا الْأَصْلَانِ:

[الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي بَعْضٍ]

فَأَحَدُهُمَا - أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي بَعْضٍ.

[مُنَاقَشَةُ مَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ السَّبْعَ دُونَ غَيْرِهَا]

فَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مِمَّنْ يُقِرُّ بِأَنَّ اللهَ حَيٌّ بِحَيَاةٍ، عَلِيمٌ بِعِلْمٍ، قَدِيرٌ بِقُدْرَةٍ، سَمِيعٌ بِسَمْعٍ، بَصِيرٌ بِبَصَرٍ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ، مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ. وَيَجْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ حَقِيقَةً، وَيُنَازِعُ فِي مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَكَرَاهِيَتِهِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مَجَازًا، وَيُفَسِّرُهُ إِمَّا بِالْإِرَادَةِ، وَإِمَّا بِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ النِّعَمِ وَالْعُقُوبَاتِ.

قِيلَ لَهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا نَفَيْتَهُ وَبَيْنَ مَا أَثْبَتَّهُ، بَلِ الْقَوْلُ فِي أَحَدِهِمَا كَالْقَوْلِ فِي الْآخَرِ، فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ إِرَادَتَهُ مِثْلُ إِرَادَةِ الْمَخْلُوقِينَ، فَكَذَلِكَ مَحَبَّتُهُ وَرِضَاهُ وَغَضَبُهُ، وَهَذَا هُوَ التَّمْثِيلُ، وَإِنْ قُلْتَ: لَهُ إِرَادَةٌ تَلِيقُ بِهِ، كَمَا أَنَّ لِلْمَخْلُوقِ إِرَادَةً تَلِيقُ بِهِ. قِيلَ لَكَ: وَكَذَلِكَ لَهُ مَحَبَّةٌ تَلِيقُ بِهِ، وَلِلْمَخْلُوقِ مَحَبَّةٌ تَلِيقُ بِهِ، وَلَهُ رِضًا وَغَضَبٌ يَلِيقُ بِهِ، وَلِلْمَخْلُوقِ رِضًا وَغَضَبٌ يَلِيقُ بِهِ.

وَإِنْ قَالَ: الْغَضَبُ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ.

قِيلَ لَهُ: وَالْإِرَادَةُ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَإِنْ قُلْتَ: هَذِهِ إِرَادَةُ الْمَخْلُوقِ. قِيلَ لَكَ: وَهَذَا غَضَبُ الْمَخْلُوقِ.

وَكَذَلِكَ يُلْزَمُ بِالْقَوْلِ فِي كَلَامِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، إِنْ نَفَى عَنِ الْغَضَبِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ، فَهَذَا مُنْتَفٍ عَنِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ وَجَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِهَذَا إِلَّا مَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِينَ فَيَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ. قِيلَ لَهُ: وَهَكَذَا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ.

فَهَذَا الْمُفَرِّقُ بَيْنَ بَعْضِ الصِّفَاتِ وَبَعْضٍ، يُقَالُ لَهُ فِيمَا نَفَاهُ كَمَا يَقُولُهُ هُوَ لِمُنَازِعِهِ فِيمَا أَثْبَتَهُ، فَإِذَا قَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ: لَيْسَ لَهُ إِرَادَةٌ وَلَا كَلَامٌ قَائِمٌ بِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْمَخْلُوقَاتِ، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ لِلْمُعْتَزِلِيِّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَتَّصِفُ بِهَا الْقَدِيمُ، وَلَا تَكُونُ كَصِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ. فَهَكَذَا يَقُولُ لَهُ الْمُثْبِتُونَ لِسَائِرِ الصِّفَاتِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.

[الِاحْتِجَاجُ بِإِثْبَاتِ الْعَقْلِ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ]

فَإِنْ قَالَ: تِلْكَ الصِّفَاتُ أُثْبِتُهَا بِالْعَقْلِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ الْحَادِثَ دَلَّ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَالتَّخْصِيصَ دَلَّ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَالْإِحْكَامَ دَلَّ عَلَى الْعِلْمِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْحَيَاةِ، وَالْحَيُّ لَا يَخْلُو عَنِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ أَوْ ضِدِّ ذَلِكَ.

[الْجَوَابُ عَنْهُ]

قَالَ لَهُ سَائِرُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ: لَكَ جَوَابَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: عَدَمُ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْمَدْلُولِ الْمُعَيَّنِ، فَهَبْ أَنَّ مَا سَلَكْتَهُ مِنَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفِيهِ، وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَنْفِيَهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، لِأَنَّ النَّافِيَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، كَمَا عَلَى الْمُثْبِتِ. وَالسَّمْعُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعَارِضْ، ذَلِكَ مُعَارِضٌ عَقْلِيٌّ وَلَا سَمْعِيٌّ، فَيَجِبُ إِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ الدَّلِيلُ السَّالِمُ عَنِ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ.

الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: يُمْكِنُ إِثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِنَظِيرِ مَا أَثْبَتَّ بِهِ تِلْكَ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ، فَيُقَالُ: نَفْعُ الْعِبَادِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ، كَدَلَالَةِ التَّخْصِيصِ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَإِكْرَامُ الطَّائِعِينَ يَدُلُّ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ، وَعِقَابُ الْكُفَّارِ يَدُلُّ عَلَى بُغْضِهِمْ، كَمَا قَدْ ثَبَتَ بِالشَّاهِدِ وَالْخَبَرِ مِنْ إِكْرَامِ أَوْلِيَائِهِ وَعِقَابِ أَعْدَائِهِ، وَالْغَايَاتُ الْمَحْمُودَةُ فِي مَفْعُولَاتِهِ وَمَأْمُورَاتِهِ - وَهِيَ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ مَفْعُولَاتُهُ وَمَأْمُورَاتُهُ مِنَ الْعَوَاقِبِ الْحَمِيدَةِ - تَدُلُّ عَلَى حِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ كَمَا يَدُلُّ التَّخْصِيصُ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَأَوْلَى، لِقُوَّةِ الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ، وَلِهَذَا كَانَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ بَيَانِ مَا فِي مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ النِّعَمِ وَالْحِكَمِ أَعْظَمَ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ مِنْ بَيَانِ مَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ.

[مُنَاقَشَةُ مَنْ يُثْبِتُ الْأَسْمَاءَ دُونَ الصِّفَاتِ]

وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ الصِّفَاتِ، وَيُقِرُّ بِالْأَسْمَاءِ كَالْمُعْتَزِلِيِّ، الَّذِي يَقُولُ: إِنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَيُنْكِرُ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ.

[شُبْهَةُ التَّجْسِيمِ]

قِيلَ لَهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ وَبَيْنَ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّكَ إِنْ قُلْتَ: إِثْبَاتُ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ يَقْتَضِي تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا، لِأَنَّا لَا نَجِدُ فِي الشَّاهِدِ مُتَّصِفًا بِالصِّفَاتِ إِلَّا مَا هُوَ جِسْمٌ. قِيلَ لَكَ: وَلَا تَجِدُ فِي الشَّاهِدِ مَا هُوَ مُسَمًّى بِأَنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ إِلَّا مَا هُوَ جِسْمٌ، فَإِنْ نَفَيْتَ مَا نَفَيْتَ لِكَوْنِكَ لَمْ تَجِدْهُ فِي الشَّاهِدِ إِلَّا لِجِسْمٍ فَانْفِ الْأَسْمَاءَ، بَلْ وَكُلَّ شَيْءٍ لِأَنَّكَ لَا تَجِدُهُ فِي الشَّاهِدِ إِلَّا لِجِسْمٍ.

فَكُلُّ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ، يَحْتَجُّ بِهِ نَافِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، فَمَا كَانَ جَوَابًا لِذَلِكَ كَانَ جَوَابًا لِمُثْبِتِي الصِّفَاتِ.

[مُنَاقَشَةُ نُفَاةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ]

وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مِنَ الْغُلَاةِ، نُفَاةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَقَالَ: لَا أَقُولُ هُوَ مَوْجُودٌ وَلَا حَيٌّ وَلَا عَلِيمٌ وَلَا قَدِيرٌ، بَلْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ لِمَخْلُوقَاتِهِ، أَوْ هِيَ مَجَازٌ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ بِالْمَوْجُودِ الْحَيِّ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ.

قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ: لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَلَا حَيٍّ وَلَا عَلِيمٍ وَلَا قَدِيرٍ، كَانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالْمَعْدُومَاتِ، وَذَلِكَ أَقْبَحُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْمَوْجُودَاتِ.

فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَنْفِي النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ.

[امْتِنَاعُ سَلْبِ النَّقِيضَيْنِ]

قِيلَ لَهُ: فَيَلْزَمُكَ التَّشْبِيهُ بِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ النَّقِيضَانِ مِنَ الْمُمْتَنِعَاتِ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا، أَوْ لَا مَوْجُودًا وَلَا مَعْدُومًا، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ بِاجْتِمَاعِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، أَوْ يُوصَفَ بِنَفْيِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَنَفْيِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَنَفْيِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ.

[اعْتِرَاضٌ]

فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا يَمْتَنِعُ نَفْيُ النَّقِيضَيْنِ عَمَّا يَكُونُ قَابِلًا لَهُمَا، وَهَذَانِ يَتَقَابَلَانِ تَقَابُلَ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ، لَا تَقَابُلَ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، فَإِنَّ الْجِدَارَ لَا يُقَالُ لَهُ: أَعْمَى وَلَا بَصِيرٌ، وَلَا حَيٌّ وَلَا مَيِّتٌ، إِذْ لَيْسَ بِقَابِلٍ لَهُمَا.

[الرَّدُّ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ]

قِيلَ لَكَ: أَوَّلًا: هَذَا لَا يَصِحُّ فِي الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، فَإِنَّهُمَا مُتَقَابِلَانِ تَقَابُلَ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، فَيَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَهُ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، فَهَذَا اصْطِلَاحٌ اصْطَلَحَتْ عَلَيْهِ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْمَشَّاءُونَ، وَالِاصْطِلَاحَاتُ اللَّفْظِيَّةُ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ الْحَقَائِقِ الْعَقْلِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ • أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فَسَمَّى الْجَمَادَ مَيِّتًا، وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ.

[الْوَجْهُ الثَّانِي]

وَقِيلَ لَكَ، ثَانِيًا: فَمَا لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَالْعَمَى وَالْبَصَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَقَابِلَاتِ أَنْقَصُ مِمَّا يَقْبَلُ ذَلِكَ، فَالْأَعْمَى الَّذِي يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِالْبَصَرِ أَكْمَلُ مِنَ الْجَمَادِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ وَاحِدًا مِنْهُمَا. فَأَنْتَ فَرَرْتَ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْحَيَوَانَاتِ الْقَابِلَةِ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَوَصَفْتَهُ بِصِفَاتِ الْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ.

وَأَيْضًا فَمَا لَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ أَعْظَمُ امْتِنَاعًا مِنَ الْقَابِلِ لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، بَلْ وَمِنِ اجْتِمَاعِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَنَفْيِهِمَا جَمِيعًا، فَمَا نَفَيْتَ عَنْهُ قَبُولَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ كَانَ أَعْظَمَ امْتِنَاعًا مِمَّا نَفَيْتَ عَنْهُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ. وَإِذَا كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا فِي صَرَائِحِ الْعُقُولِ فَذَلِكَ أَعْظَمُ امْتِنَاعًا، فَجَعَلْتَ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْعَدَمَ هُوَ أَعْظَمَ الْمُمْتَنِعَاتِ. وَهَذَا غَايَةُ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ.

وَهَؤُلَاءِ الْبَاطِنِيَّةُ مِنْهُمْ مَنْ يُصَرِّحُ بِرَفْعِ النَّقِيضَيْنِ: الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ. وَرَفْعُهُمَا كَجَمْعِهِمَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا أُثْبِتُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَامْتِنَاعُهُ عَنْ إِثْبَاتِ أَحَدِهِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَجَهْلِ الْجَاهِلِ، وَسُكُوتِ السَّاكِتِ، الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنِ الْحَقَائِقِ.

وَإِذَا كَانَ مَا لَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَلَا الْعَدَمَ أَعْظَمَ امْتِنَاعًا مِمَّا يُقَدَّرُ قَبُولُهُ لَهُمَا - مَعَ نَفْيِهِمَا عَنْهُ - فَمَا يُقَدَّرُ لَا يَقْبَلُ الْحَيَاةَ وَلَا الْمَوْتَ، وَلَا الْعِلْمَ وَلَا الْجَهْلَ، وَلَا الْقُدْرَةَ وَلَا الْعَجْزَ، وَلَا الْكَلَامَ وَلَا الْخَرَسَ، وَلَا الْعَمَى وَلَا الْبَصَرَ، وَلَا السَّمْعَ وَلَا الصَّمَمَ، أَقْرَبُ إِلَى الْمَعْدُومِ وَالْمُمْتَنِعِ مِمَّا يُقَدَّرُ قَابِلًا لَهُمَا مَعَ نَفْيِهِمَا عَنْهُ. وَحِينَئِذٍ فَنَفْيُهُمَا مَعَ كَوْنِهِ قَابِلًا لَهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْوُجُودِ وَالْمُمْكِنِ، وَمَا جَازَ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ قَابِلًا، وَجَبَ لَهُ، لِعَدَمِ تَوَقُّفِ صِفَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا جَازَ الْقَبُولُ وَجَبَ، وَإِذَا جَازَ وُجُودُ الْمَقْبُولِ وَجَبَ.

وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَبُيِّنَ وُجُوبُ اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.

[الْوَجْهُ الثَّالِثُ]

وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا: اتِّفَاقُ الْمُسَمَّيَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لَيْسَ هُوَ التَّشْبِيهَ وَالتَّمْثِيلَ، الَّذِي نَفَتْهُ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّاتُ وَالْعَقْلِيَّاتُ، وَإِنَّمَا نَفَتْ مَا يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاكَهُمَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ الْخَالِقُ، مِمَّا يَخْتَصُّ بِوُجُوبِهِ أَوْ جَوَازِهِ أَوِ امْتِنَاعِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَكَهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ، وَلَا يُشْرِكُهُ مَخْلُوقٌ فِي شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَأَمَّا مَا نَفَيْتَهُ فَهُوَ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَتَسْمِيَتُكَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا تَمْوِيهٌ عَلَى الْجُهَّالِ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ كُلَّ مَعْنًى سَمَّاهُ مُسَمٍّ بِهَذَا الِاسْمِ يَجِبُ نَفْيُهُ. وَلَوْ سَاغَ هَذَا لَكَانَ كُلُّ مُبْطِلٍ يُسَمِّي الْحَقَّ بِأَسْمَاءٍ يَنْفِرُ عَنْهَا بَعْضُ النَّاسِ، لِيُكَذِّبَ النَّاسُ بِالْحَقِّ الْمَعْلُومِ بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ.

وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَفْسَدَتِ الْمَلَاحِدَةُ عَلَى طَوَائِفَ مِنَ النَّاسِ عُقُولَهُمْ وَدِينَهُمْ، حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ إِلَى أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالْجَهَالَةِ، وَأَبْلَغِ الْغَيِّ وَالضَّلَالَةِ.

[شُبْهَةُ "التَّرْكِيبِ

وَإِنْ قَالَ نُفَاةُ الصِّفَاتِ: إِثْبَاتُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الصِّفَاتِ، وَهَذَا تَرْكِيبٌ مُمْتَنِعٌ.

قِيلَ: وَإِذَا قُلْتُمْ: هُوَ مَوْجُودٌ وَاجِبٌ، وَعَقْلٌ وَعَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ، وَعَاشِقٌ وَمَعْشُوقٌ، وَلَذِيذٌ وَمُلْتَذٌّ وَلَذَّةٌ، أَفَلَيْسَ الْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا؟، فَهَذِهِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَغَايِرَةٌ فِي الْعَقْلِ وَهَذَا تَرْكِيبٌ عِنْدَكُمْ، وَأَنْتُمْ تُثْبِتُونَهُ وَتُسَمُّونَهُ تَوْحِيدًا.

فَإِنْ قَالُوا: هَذَا تَوْحِيدٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَيْسَ هَذَا تَرْكِيبًا مُمْتَنِعًا.

قِيلَ لَهُمْ: وَاتِّصَافُ الذَّاتِ بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لَهَا تَوْحِيدٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَيْسَ هُوَ تَرْكِيبًا مُمْتَنِعًا.

وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ عَالِمًا هُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ قَادِرًا، وَلَا نَفْسُ ذَاتِهِ هُوَ نَفْسَ كَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا، فَمَنْ جَوَّزَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ الْأُخْرَى، وَأَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ سَفْسَطَةً، ثُمَّ إِنَّهُ مُتَنَاقِضٌ، فَإِنَّهُ إِنْ جَوَّزَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ هَذَا هُوَ وُجُودَ هَذَا، فَيَكُونَ الْوُجُودُ وَاحِدًا بِالْعَيْنِ لَا بِالنَّوْعِ. وَحِينَئِذٍ، فَإِذَا كَانَ وُجُودُ الْمُمْكِنِ هُوَ وُجُودَ الْوَاجِبِ، كَانَ وُجُودُ كُلِّ مَخْلُوقٍ - يُعْدَمُ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَيُوجَدُ بَعْدَ عَدَمِهِ - هُوَ نَفْسَ وُجُودِ الْحَقِّ الْقَدِيمِ الدَّائِمِ الْبَاقِي، الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْعَدَمَ.

وَإِذَا قُدِّرَ هَذَا، كَانَ الْوُجُودُ الْوَاجِبُ مَوْصُوفًا بِكُلِّ تَشْبِيهٍ وَتَجْسِيمٍ، وَكُلِّ نَقْصٍ وَكُلِّ عَيْبٍ، كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ أَهْلُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ، الَّذِينَ طَرَدُوا هَذَا الْأَصْلَ الْفَاسِدَ، وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ أَقْوَالُ نُفَاةِ الصِّفَاتِ بَاطِلَةً عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.

[نَتِيجَةُ هَذَا الْأَصْلِ]

وَهَذَا بَابٌ مُطَّرِدٌ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ النُّفَاةِ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الصِّفَاتِ، لَا يَنْفِي شَيْئًا - فِرَارًا مِمَّا هُوَ مَحْذُورٌ - إِلَّا وَقَدْ أَثْبَتَ مَا يَلْزَمُهُ فِيهِ نَظِيرُ مَا فَرَّ مِنْهُ، فَلَا بُدَّ لَهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ مَوْجُودًا وَاجِبًا قَدِيمًا مُتَّصِفًا بِصِفَاتٍ تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ فِيهَا مُمَاثِلًا لِخَلْقِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي جَمْعِ الصِّفَاتِ، وَكُلُّ مَا نُثْبِتُهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ تَتَوَاطَأُ فِيهِ الْمُسَمَّيَاتُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا فُهِمَ الْخِطَابُ، وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّ مَا اخْتَصَّ اللهُ بِهِ، وَامْتَازَ عَنْ خَلْقِهِ أَعْظَمُ مِمَّا يَخْطُرُ بِالْبَالِ أَوْ يَدُورُ فِي الْخَيَالِ.

[الْأَصْلُ الثَّانِي: الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ]

وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْأَصْلِ الثَّانِي - وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ، فَإِنَّ اللهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ ذَاتٌ حَقِيقَةً لَا تُمَاثِلُ الذَّوَاتِ، فَالذَّاتُ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَاتٍ حَقِيقَةً لَا تُمَاثِلُ صِفَاتِ سَائِرِ الذَّوَاتِ.

[جَوَابُ مَنْ سَأَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللهِ]

فَإِذَا قَالَ السَّائِلُ: كَيْفَ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ؟

قِيلَ لَهُ - كَمَا قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا -: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ بِدْعَةٌ، لِأَنَّهُ سُؤَالٌ عَمَّا لَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ، وَلَا يُمْكِنُهُمُ الْإِجَابَةُ عَنْهُ.

وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: كَيْفَ يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا؟

قِيلَ لَهُ: كَيْفَ هُوَ؟

فَإِذَا قَالَ: أَنَا لَا أَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهُ.

قِيلَ لَهُ: وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ نُزُولِهِ، إِذِ الْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الصِّفَةِ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ الْمَوْصُوفِ، وَهُوَ فَرْعٌ لَهُ، وَتَابِعٌ لَهُ. فَكَيْفَ تُطَالِبُنِي بِالْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَتَكْلِيمِهِ وَنُزُولِهِ وَاسْتِوَائِهِ، وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَاتِهِ!

وَإِذَا كُنْتَ تُقِرُّ بِأَنَّ لَهُ ذَاتًا حَقِيقَةً، ثَابِتَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، مُسْتَوْجِبَةً لِصِفَاتِ الْكَمَالِ، لَا يُمَاثِلُهَا شَيْءٌ، فَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ، وَكَلَامُهُ وَنُزُولُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَايُشَابِهُهُ فِيهَا سَمْعُ الْمَخْلُوقِينَ وَبَصَرُهُمْ، وَكَلَامُهُمْ وَنُزُولُهُمْ وَاسْتِوَاؤُهُمْ.

[عَوْدَةٌ لِمُنَاقَشَةِ مَنْ يُثْبِتُ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ]

وَهَذَا الْكَلَامُ لَازِمٌ لَهُمْ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَفِي تَأْوِيلِ السَّمْعِيَّاتِ، فَإِنَّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا، وَنَفَي شَيْئًا بِالْعَقْلِ، إِذَا أُلْزِمَ فِيمَا نَفَاهُ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ نَظِيرَ مَا يَلْزَمُهُ فِيمَا أَثْبَتَهُ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَحْذُورِ فِي هَذَا وَهَذَا لَمْ يَجِدْ بَيْنَهُمَا فَرْقًا.

وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ لِنُفَاةِ بَعْضِ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ - الَّذِينَ يُوجِبُونَ فِيمَا نَفَوْهُ إِمَّا التَّفْوِيضَ، وَإِمَّا التَّأْوِيلَ الْمُخَالِفَ لِمُقْتَضَى اللَّفْظِ - قَانُونٌ مُسْتَقِيمٌ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: لِمَ تَأَوَّلْتُمْ هَذَا وَأَقْرَرْتُمْ هَذَا، وَالسُّؤَالُ فِيهِمَا وَاحِدٌ؟ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ صَحِيحٌ. فَهَذَا تَنَاقُضُهُمْ فِي النَّفْيِ.

وَكَذَلِكَ تَنَاقُضُهُمْ فِي الْإِثْبَاتِ، فَإِنَّ مَنْ تَأَوَّلَ النُّصُوصَ عَلَى مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي يُثْبِتُهَا، فَإِنَّهُمْ إِذَا صَرَفُوا النَّصَّ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مُقْتَضَاهُ إِلَى مَعْنًى آخَرَ، لَزِمَهُمْ فِي الْمَعْنَى الْمَصْرُوفِ إِلَيْهِ مَا كَانَ يَلْزَمُهُمْ فِي الْمَعْنَى الْمَصْرُوفِ عَنْهُ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: تَأْوِيلُ مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ هُوَ إِرَادَتُهُ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، كَانَ مَا يَلْزَمُهُ فِي الْإِرَادَةِ نَظِيرَ مَا يَلْزَمُهُ فِي الْحُبِّ وَالْمَقْتِ وَالرِّضَا وَالسَّخَطِ. وَلَوْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِمَفْعُولَاتِهِ - وَهُوَ مَا يَخْلُقُهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ - فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ نَظِيرُ مَا فَرَّ مِنْهُ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الْمَعْقُولَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ أَوَّلًا بِالْفَاعِلِ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ الْمَفْعُولُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى فِعْلِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَيَسْخَطُهُ وَيُبْغِضُهُ الْمُثِيبُ الْمُعَاقِبُ، فَهُمْ إِنْ أَثْبَتُوا الْفِعْلَ عَلَى مِثْلِ الْوَجْهِ الْمَعْقُولِ فِي الشَّاهِدِ لِلْعَبْدِ مَثَّلُوا، وَإِنْ أَثْبَتُوهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ الصِّفَاتِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْمَثَلَانِ الْمَضْرُوبَانِ:

[الْمَثَلُ الْأَوَّلُ - الْجَنَّةُ]

فَإِنَّ اللهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَخْبَرَنَا عَمَّا فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، مِنْ أَصْنَافِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَنَاكِحِ وَالْمَسَاكِنِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ فِيهَا لَبَنًا وَعَسَلًا وَخَمْرًا وَمَاءً وَلَحْمًا وَفَاكِهَةً وَحَرِيرًا وَذَهَبًا وَفِضَّةً وَحُورًا وَقُصُورًا.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْحَقَائِقُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ عَنْهَا، هِيَ مُوَافِقَةً فِي الْأَسْمَاءِ لِلْحَقَائِقِ الْمَوْجُودَةِ فِي الدُّنْيَا، وَلَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لَهَا، بَلْ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّبَايُنِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى - فَالْخَالِقُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْظَمُ مُبَايَنَةً لِلْمَخْلُوقَاتِ مِنْ مُبَايَنَةِ الْمَخْلُوقِ لِلْمَخْلُوقِ، وَمُبَايَنَتُهُ لِمَخْلُوقَاتِهِ أَعْظَمُ مِنْ مُبَايَنَةِ مَوْجُودِ الْآخِرَةِ لِمَوْجُودِ الدُّنْيَا، إِذِ الْمَخْلُوقُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَخْلُوقِ الْمُوَافِقِ لَهُ فِي الِاسْمِ مِنَ الْخَالِقِ إِلَى الْمَخْلُوقِ. وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ.

[افْتِرَاقُ النَّاسِ فِيمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ]

وَلِهَذَا افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ثَلَاثَ فِرَقٍ:

فَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَأَتْبَاعُهُمْ: آمَنُوا بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْمُبَايَنَةِ الَّتِي بَيْنَ مَا فِي الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّ مُبَايَنَةَ اللهِ لِخَلْقِهِ أَعْظَمُ.

وَالْفَرِيقُ الثَّانِي: الَّذِينَ أَثْبَتُوا مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَنَفَوْا كَثِيرًا مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، مِثْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ.

وَالْفَرِيقُ الثَّالِثُ: نَفَوْا هَذَا وَهَذَا، كَالْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ أَتْبَاعِ الْمَشَّائِينَ، وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ حَقَائِقَ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ.

[تَأْوِيلُ الْبَاطِنِيَّةِ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ]

ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَجْعَلُونَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَيَجْعَلُونَ الشَّرَائِعَ الْمَأْمُورَ بِهَا، وَالْمَحْظُورَاتِ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا، لَهَا تَأْوِيلَاتٌ بَاطِنَةٌ تُخَالِفُ مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا، كَمَا يَتَأَوَّلُونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَصِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مَعْرِفَةُ أَسْرَارِهِمْ، وَإِنَّ صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ كِتْمَانُ أَسْرَارِهِمْ، وَإِنَّ حَجَّ الْبَيْتِ السَّفَرُ إِلَى شُيُوخِهِمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَى الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَتَحْرِيفٌ لِكَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَإِلْحَادٌ فِي آيَاتِ اللهِ.

وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّرَائِعَ تَلْزَمُ الْعَامَّةَ دُونَ الْخَاصَّةِ، فَإِذَا صَارَ الرَّجُلُ مِنْ عَارِفِيهِمْ وَمُحَقِّقِيهِمْ وَمُوَحِّدِيهِمْ رَفَعُوا عَنْهُ الْوَاجِبَاتِ، وَأَبَاحُوا لَهُ الْمَحْظُورَاتِ.

وَقَدْ يُوجَدُ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى التَّصَوُّفِ وَالسُّلُوكِ مَنْ يَدْخُلُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ.

وَهَؤُلَاءِ الْبَاطِنِيَّةُ الْمَلَاحِدَةُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُمْ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

وَمَا يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ يَحْتَجُّ بِهِ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى مَنْ يَشْرَكُ هَؤُلَاءِ فِي بَعْضِ إِلْحَادِهِمْ، فَإِذَا أَثْبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى الصِّفَاتِ، وَنَفَى عَنْهُ مُمَاثَلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ - كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْحَقَّ الَّذِي يُوَافِقُ الْمَنْقُولَ وَالْمَعْقُولَ، وَيَهْدِمُ أَسَاسَ الْإِلْحَادِ وَالضَّلَالَاتِ.

[قِيَاسُ الْأَوْلَى]

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا تُضْرَبُ لَهُ الْأَمْثَالُ الَّتِي فِيهَا مُمَاثَلَةٌ لِخَلْقِهِ، فَإِنَّ اللهَ لَا مِثْلَ لَهُ، بَلْ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ هُوَ وَالْمَخْلُوقُ فِي قِيَاسِ تَمْثِيلٍ، وَلَا فِي قِيَاسِ شُمُولٍ تَسْتَوِي أَفْرَادُهُ، وَلَكِنْ يُسْتَعْمَلُ فِي حَقِّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا اتَّصَفَ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ كَمَالٍ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِهِ، وَكُلَّ مَا تَنَزَّهَ عَنْهُ الْمَخْلُوقُ مِنْ نَقْصٍ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِالتَّنْزِيهِ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ مُنَزَّهًا عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقِ مَعَ الْمُوَافَقَةِ فِي الِاسْمِ، فَالْخَالِقُ أَوْلَى أَنْ يُنَزَّهَ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقِ، وَإِنْ حَصَلَتْ مُوَافَقَةٌ فِي الِاسْمِ.

[الْمَثَلُ الثَّانِي - الرُّوحُ]

وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَثَلِ الثَّانِي - وَهُوَ الرُّوحُ الَّتِي فِينَا، فَإِنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ بِصِفَاتٍ ثُبُوتِيَّةٍ وَسَلْبِيَّةٍ، وَقَدْ أَخْبَرَتِ النُّصُوصُ أَنَّهَا

تَعْرُجُ وَتَصْعَدُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، وَأَنَّهَا تُقْبَضُ مِنَ الْبَدَنِ، وَتُسَلُّ مِنْهُ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ.

[اضْطِرَابُ النَّاسِ فِي مَاهِيَّةِ الرُّوحِ]

وَالنَّاسُ مُضْطَرِبُونَ فِيهَا:

فَمِنْهُمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَجْعَلُونَهَا جُزْءًا مِنَ الْبَدَنِ، أَوْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّهَا النَّفَسُ أَوِ الرِّيحُ الَّتِي تَتَرَدَّدُ فِي الْبَدَنِ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّهَا الْحَيَاةُ، أَوِ الْمِزَاجُ، أَوْ نَفْسُ الْبَدَنِ.

وَمِنْهُمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ يَصِفُونَهَا بِمَا يَصِفُونَ بِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ عِنْدَهُمْ، وَهِيَ أُمُورٌ لَا يَتَّصِفُ بِهَا إِلَّا مُمْتَنِعُ الْوُجُودِ، فَيَقُولُونَ: لَا هِيَ دَاخِلَ الْبَدَنِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايِنَةٌ لَهُ وَلَا مُدَاخِلَةٌ لَهُ، وَلَا مُتَحَرِّكَةٌ وَلَا سَاكِنَةٌ، وَلَا تَصْعَدُ وَلَا تَهْبِطُ، وَلَا هِيَ جِسْمٌ وَلَا عَرَضٌ. وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا لَا تُدْرِكُ الْأُمُورَ الْمُعَيَّنَةَ، وَالْحَقَائِقَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا تُدْرِكُ الْأُمُورَ الْكُلِّيَّةَ الْمُطْلَقَةَ. وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايِنَةٌ لَهُ وَلَا مُدَاخِلَةٌ. وَرُبَّمَا قَالُوا: لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي أَجْسَامِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَةً عَنْهَا، مَعَ تَفْسِيرِهِمْ لِلْجِسْمِ بِمَا يَقْبَلُ الْإِشَارَةَ الْحِسِّيَّةَ، فَيَصِفُونَهَا بِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي تُلْحِقُهَا بِالْمَعْدُومِ وَالْمُمْتَنِعِ.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: إِثْبَاتُ مِثْلِ هَذَا مُمْتَنِعٌ فِي ضَرُورَةِ الْعَقْلِ.

قَالُوا: بَلْ هَذَا مُمْكِنٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ مُمْكِنَةٌ مَوْجُودَةٌ، وَهِيَ غَيْرُ مُشَارٍ إِلَيْهَا.

وَقَدْ غَفَلُوا عَنْ كَوْنِ الْكُلِّيَّاتِ لَا تُوجَدُ كُلِّيَّةً إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْعِيَانِ، فَيَعْتَمِدُونَ فِيمَا يَقُولُونَهُ فِي الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْخَيَالِ الَّذِي لَا يَخْفَى فَسَادُهُ عَلَى غَالِبِ الْجُهَّالِ.

[سَبَبُ الِاضْطِرَابِ]

وَاضْطِرَابُ النُّفَاةِ وَالْمُثْبِتَةِ فِي الرُّوحِ كَثِيرٌ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّوحَ - الَّتِي تُسَمَّى بِالنَّفْسِ النَّاطِقَةِ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ - لَيْسَتْ هِيَ مِنْ جِنْسِ هَذَا الْبَدَنِ، وَلَا مِنْ جِنْسِ الْعَنَاصِرِ وَالْمُوَلَّدَاتِ مِنْهَا، بَلْ هِيَ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لِهَذِهِ الْأَجْنَاسِ، فَصَارَ هَؤُلَاءِ لَا يُعَرِّفُونَهَا إِلَّا بِالسُّلُوبِ الَّتِي تُوجِبُ مُخَالَفَتَهَا لِلْأَجْسَامِ الْمَشْهُودَةِ، وَأُولَئِكَ يَجْعَلُونَهَا مِنْ جِنْسِ الْأَجْسَامِ الْمَشْهُودَةِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ.

[أَقْوَالُ النَّاسِ فِي لَفْظِ "الْجِسْمِ

وَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا جِسْمٌ، أَوْ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ، فَإِنَّ لَفْظَ «الْجِسْمِ» لِلنَّاسِ فِيهِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ غَيْرُ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.

فَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: الْجِسْمُ هُوَ الْجَسَدُ وَالْبَدَنُ. وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَالرُّوحُ لَيْسَتْ جِسْمًا، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: الرُّوحُ وَالْجِسْمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ .

وَأَمَّا أَهْلُ الْكَلَامِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْجِسْمُ هُوَ الْمَوْجُودُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ. وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُشَارٌ إِلَيْهِ إِشَارَةً حِسِّيَّةً.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، بَلْ هُوَ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ.

فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَتِ الرُّوحُ مِمَّا يُشَارُ إِلَيْهِ وَيَتْبَعُهُ بَصَرُ الْمَيِّتِ - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنَّ الرُّوحَ إِذَا خَرَجَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ)، وَإِنَّهَا تُقْبَضُ وَيُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ - كَانَتِ الرُّوحُ جِسْمًا بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ.

[الْمَقْصُودُ بِضَرْبِ الْمَثَلِ بِالرُّوحِ]

وَالْمَقْصُودُ، أَنَّ الرُّوحَ إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً حَيَّةً عَالِمَةً قَادِرَةً، سَمِيعَةً بَصِيرَةً، تَصْعَدُ وَتَنْزِلُ، وَتَذْهَبُ وَتَجِيءُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ، وَالْعُقُولُ قَاصِرَةٌ عَنْ تَكْيِيفِهَا وَتَحْدِيدِهَا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا لَهَا نَظِيرًا، وَالشَّيْءُ إِنَّمَا تُدْرَكُ حَقِيقَتُهُ إِمَّا بِمُشَاهَدَتِهِ أَوْ بِمُشَاهَدَةِ نَظِيرِهِ، فَإِذَا كَانَتِ الرُّوحُ مُتَّصِفَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مَعَ عَدَمِ مُمَاثَلَتِهَا لِمَا يُشَاهَدُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِمُبَايَنَتِهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ مَعَ اتِّصَافِهِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَهْلُ الْعُقُولِ هُمْ أَعْجَزُ عَنْ أَنْ يَحُدُّوهُ أَوْ يُكَيِّفُوهُ مِنْهُمْ عَنْ أَنْ يَحُدُّوا الرُّوحَ أَوْ يُكَيِّفُوهَا.

فَإِذَا كَانَ مَنْ نَفَى صِفَاتِ الرُّوحِ جَاحِدًا مُعَطِّلًا لَهَا، وَمَنْ مَثَّلَهَا بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ جَاهِلًا مُمَثِّلًا لَهَا بِغَيْرِ شَكْلِهَا، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ ثَابِتَةٌ بِحَقِيقَةِ الْإِثْبَاتِ، مُسْتَحِقَّةٌ لِمَا لَهَا مِنَ الصِّفَاتِ - فَالْخَالِقُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَنْ نَفَى صِفَاتِهِ جَاحِدًا مُعَطِّلًا، وَمَنْ قَاسَهُ بِخَلْقِهِ جَاهِلًا بِهِ مُمَثِّلًا، وَهُوَ سُبْحَانَهُ ثَابِتٌ بِحَقِيقَةِ الْإِثْبَاتِ، مُسْتَحِقٌّ لِمَا لَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْخَاتِمَةُ الْجَامِعَةُ فَفِيهَا قَوَاعِدُ نَافِعَةٌ:

[الْقَاعِدَةُ الْأُولَى - صِفَاتُ اللهِ سُبْحَانَهُ إِثْبَاتٌ وَنَفْيٌ]

الْقَاعِدَةُ الْأُولَى - أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِالْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ. فَالْإِثْبَاتُ كَإِخْبَارِهِ أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالنَّفْيُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ .

[صِفَاتُ النَّفْيِ تَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ الْكَمَالِ]

وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّفْيَ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ وَلَا كَمَالٌ، إِلَّا إِذَا تَضَمَّنَ إِثْبَاتًا، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ النَّفْيِ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ وَلَا كَمَالٌ، لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَحْضَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ هُوَ كَمَا قِيلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَدْحًا أَوْ كَمَالًا. وَلِأَنَّ النَّفْيَ الْمَحْضَ يُوصَفُ بِهِ الْمَعْدُومُ وَالْمُمْتَنِعُ، وَالْمَعْدُومُ وَالْمُمْتَنِعُ لَا يُوصَفُ بِمَدْحٍ وَلَا كَمَالٍ.

[آيَاتٌ قُرْآنِيَّةٌ فِي ذَلِكَ]

فَلِهَذَا كَانَ عَامَّةُ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ النَّفْيِ مُتَضَمِّنًا لِإِثْبَاتِ مَدْحٍ كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ .

فَنَفْيُ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحَيَاةِ وَالْقِيَامِ، فَهُوَ مُبَيِّنٌ لِكَمَالِ أَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أَيْ لَا يَكْرِثُهُ وَلَا يُثْقِلُهُ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَتَمَامِهَا. بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ الْقَادِرِ إِذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الشَّيْءِ بِنَوْعِ كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، فَإِنَّ هَذَا نَقْصٌ فِي قُدْرَتِهِ، وَعَيْبٌ فِي قُوَّتِهِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ فَإِنَّ نَفْيَ الْعُزُوبِ مُسْتَلْزِمٌ لِعِلْمِهِ بِكُلِّ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾، فَإِنَّ نَفْيَ مَسِّ اللُّغُوبِ الَّذِي هُوَ التَّعَبُ وَالْإِعْيَاءُ دَلَّ عَلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَنِهَايَةِ الْقُوَّةِ.

بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنَ النَّصَبِ وَالْكَلَالِ مَا يَلْحَقُهُ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، إِنَّمَا نَفَى الْإِدْرَاكَ الَّذِي هُوَ الْإِحَاطَةُ، كَمَا قَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَلَمْ يَنْفِ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ، لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُرَى، وَلَيْسَ فِي كَوْنِهِ لَا يُرَى مَدْحٌ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْمَعْدُومُ مَمْدُوحًا، وَإِنَّمَا الْمَدْحُ فِي كَوْنِهِ لَا يُحَاطُ بِهِ وَإِنْ رُئِيَ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُحَاطُ بِهِ وَإِنْ عُلِمَ، فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا عُلِمَ لَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا، فَكَذَلِكَ إِذَا رُئِيَ لَا يُحَاطُ بِهِ رُؤْيَةً.

فَكَانَ فِي نَفْيِ الْإِدْرَاكِ مِنْ إِثْبَاتِ عَظَمَتِهِ مَا يَكُونُ مَدْحًا وَصِفَةَ كَمَالٍ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى نَفْيِهَا، لَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ مَعَ عَدَمِ الْإِحَاطَةِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.

وَإِذَا تَأَمَّلْتَ ذَلِكَ وَجَدْتَ كُلَّ نَفْيٍ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتًا هُوَ مِمَّا لَمْ يَصِفِ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ، فَالَّذِينَ لَا يَصِفُونَهُ إِلَّا بِالسُّلُوبِ لَمْ يُثْبِتُوا فِي الْحَقِيقَةِ إِلَهًا مَحْمُودًا، بَلْ وَلَا مَوْجُودًا.

وَكَذَلِكَ مَنْ شَارَكَهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ كَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ، أَوْ لَا يُرَى، أَوْ لَيْسَ فَوْقَ الْعَالَمِ، أَوْ لَمْ يَسْتَوِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَقُولُونَ: لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ، وَلَا مُبَايِنٍ لِلْعَالَمِ وَلَا مُحَايِثٍ لَهُ؛ إِذْ هَذِهِ الصِّفَاتُ يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ بِهَا الْمَعْدُومُ، وَلَيْسَتْ هِيَ مُسْتَلْزِمَةً صِفَةَ ثُبُوتٍ، وَلِهَذَا قَالَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ لِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فِي الْخَالِقِ: مَيِّزْ لَنَا بَيْنَ هَذَا الرَّبِّ الَّذِي تُثْبِتُهُ وَبَيْنَ الْمَعْدُومِ.

وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ لَا يَتَكَلَّمُ، أَوْ لَا يَنْزِلُ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ صِفَةُ مَدْحٍ وَلَا كَمَالٍ، بَلْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فِيهَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْمَنْقُوصَاتِ أَوِ الْمَعْدُومَاتِ، فَهَذِهِ الصِّفَاتُ مِنْهَا مَا لَا يَتَّصِفُ بِهِ إِلَّا الْمَعْدُومُ، وَمِنْهَا مَا لَا يَتَّصِفُ بِهِ إِلَّا الْجَمَادُ أَوِ النَّاقِصُ.

فَمَنْ قَالَ: لَا هُوَ مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ وَلَا مُدَاخِلٌ لِلْعَالَمِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: لَا هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَا قَدِيمٌ وَلَا مُحْدَثٌ، وَلَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعَالَمِ وَلَا مُقَارِنٌ لَهُ.

[يَلْزَمُ مَنْ نَفَى صِفَةَ الْكَمَالِ عَنِ اللهِ وَصْفُهُ بِمَا يُقَابِلُهَا]

وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا سَمِيعٍ وَلَا بَصِيرٍ وَلَا مُتَكَلِّمٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا أَصَمَّ أَعْمَى أَبْكَمَ.

[اعْتِرَاضٌ]

فَإِنْ قَالَ: الْعَمَى عَدَمُ الْبَصَرِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقْبَلَ الْبَصَرَ، وَمَا لَا يَقْبَلُ الْبَصَرَ كَالْحَائِطِ لَا يُقَالُ: لَهُ أَعْمَى وَلَا بَصِيرٌ.

[الرَّدُّ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ]

قِيلَ لَهُ: هَذَا اصْطِلَاحٌ اصْطَلَحْتُمُوهُ، وَإِلَّا فَمَا يُوصَفُ بِعَدَمِ الْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِالْمَوْتِ وَالصَّمَمِ وَالْعَمَى وَالْخَرَسِ وَالْعُجْمَةِ.

[الْوَجْهُ الثَّانِي]

وَأَيْضًا: فَكُلُّ مَوْجُودٍ يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَنَقَائِضِهَا، فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى جَعْلِ الْجَمَادِ حَيًّا، كَمَا جَعَلَ عَصَى مُوسَى حَيَّةً، ابْتَلَعَتِ الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ.

[الْوَجْهُ الثَّالِثُ]

وَأَيْضًا: فَالَّذِي لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ أَعْظَمُ نَقْصًا مِمَّنْ يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِهَا مَعَ اتِّصَافِهِ بِنَقَائِضِهَا، فَالْجَمَادُ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِالْبَصَرِ وَلَا الْعَمَى، وَلَا الْكَلَامِ وَلَا الْخَرَسِ، أَعْظَمُ نَقْصًا مِنَ الْحَيِّ الْأَعْمَى الْأَخْرَسِ.

فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ الْبَارِيَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِذَلِكَ، كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ وَصْفِهِ بِالنَّقْصِ أَعْظَمُ مِمَّا إِذَا وُصِفَ بِالْخَرَسِ وَالْعَمَى وَالصَّمَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ غَيْرَ قَابِلٍ لَهُمَا كَانَ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْجَمَادِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهَذَا تَشْبِيهٌ بِالْجَمَادَاتِ لَا بِالْحَيَوَانَاتِ، فَكَيْفَ يُنْكِرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالْحَيِّ!

[الْوَجْهُ الرَّابِعُ]

وَأَيْضًا فَنَفْسُ نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَاتِ نَقْصٌ، كَمَا أَنَّ إِثْبَاتَهَا كَمَالٌ، فَالْحَيَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ، هِيَ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَعْيِينِ الْمَوْصُوفِ بِهَا - صِفَةُ كَمَالٍ. وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ وَالْفِعْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَمَا كَانَ صِفَةَ كَمَالٍ فَهُوَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَحَقُّ بِأَنْ يَتَّصِفَ بِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَلَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ مَعَ اتِّصَافِ الْمَخْلُوقِ بِهِ لَكَانَ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنْهُ.

[مُقَارَنَةٌ بَيْنَ مَنْ يَنْفُونَ عَنِ اللهِ النَّقِيضَيْنِ وَمَنْ يَصِفُونَهُ بِالنَّفْيِ فَقَطْ]

وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ الْمَحْضَةَ كَالْقَرَامِطَةِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ يَنْفُونَ عَنْهُ تَعَالَى اتِّصَافَهُ بِالنَّقِيضَيْنِ حَتَّى يَقُولُوا: لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَلَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَلَا حَيٍّ وَلَا لَيْسَ بِحَيٍّ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخُلُوَّ عَنِ النَّقِيضَيْنِ مُمْتَنِعٌ فِي بَدَائِهِ الْعُقُولِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.

وَآخَرُونَ وَصَفُوهُ بِالنَّفْيِ فَقَطْ، فَقَالُوا: لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا سَمِيعٍ وَلَا بَصِيرٍ.

وَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ كُفْرًا مِنْ أُولَئِكَ مِنْ وَجْهٍ، وَأُولَئِكَ أَعْظَمُ كُفْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ وَجْهٍ.

فَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ: هَذَا يَسْتَلْزِمُ وَصْفَهُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ كَالْمَوْتِ وَالصَّمَمِ وَالْبَكَمِ.

قَالُوا إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ قَابِلًا لِذَلِكَ.

وَهَذَا الِاعْتِذَارُ يَزِيدُ قَوْلَهُمْ فَسَادًا.

وَكَذَلِكَ مَنْ ضَاهَى هَؤُلَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ - إِذَا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا مُمْتَنِعٌ فِي ضَرُورَةِ الْعَقْلِ، كَمَا إِذَا قِيلَ: لَيْسَ بِقَدِيمٍ وَلَا مُحْدَثٍ، وَلَا وَاجِبٍ وَلَا مُمْكِنٍ، وَلَا قَائِمٍ بِنَفْسِهِ وَلَا قَائِمٍ بِغَيْرِهِ.

قَالُوا: هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ قَابِلًا لِذَلِكَ، وَالْقَبُولُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُتَحَيِّزِ، فَإِذَا انْتَفَى التَّحَيُّزُ انْتَفَى قَبُولُ هَذَيْنِ النَّقِيضَيْنِ.

فَيُقَالُ لَهُمْ: عِلْمُ الْخَلْقِ بِامْتِنَاعِ الْخُلُوِّ مِنْ هَذَيْنِ النَّقِيضَيْنِ هُوَ عِلْمٌ مُطْلَقٌ، لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَوْجُودٌ. وَالتَّحَيُّزُ الْمَذْكُورُ إِنْ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُ الْأَحْيَازِ الْمَوْجُودَةِ تُحِيطُ بِهِ، فَهَذَا هُوَ الدَّاخِلُ فِي الْعَالَمِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مُنْحَازٌ عَنِ الْمَخْلُوقَاتِ، أَيْ: مُبَايِنٌ لَهَا، مُتَمَيِّزٌ عَنْهَا، فَهَذَا هُوَ الْخُرُوجُ.

فَالْمُتَحَيِّزُ يُرَادُ بِهِ تَارَةً مَا هُوَ دَاخِلُ الْعَالَمِ، وَتَارَةً مَا هُوَ خَارِجُ الْعَالَمِ، فَإِذَا قِيلَ: لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ، كَانَ مَعْنَاهُ لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ.

فَهُمْ غَيَّرُوا الْعِبَارَةَ لِيُوهِمُوا مَنْ لَا يَفْهَمُ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ أَنَّ هَذَا مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي عُلِمَ فَسَادُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ. كَمَا فَعَلَ أُولَئِكَ فِي قَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِحَىٍّ وَلَا مَيِّتٍ، وَلَا مَوْجُودٍ وَلَا مَعْدُومٍ، وَلَا عَالِمٍ وَلَا جَاهِلٍ.

[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ - الْأَلْفَاظُ نَوْعَانِ: ١- لَفْظٌ وَرَدَ بِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ. حُكْمُهُ]

الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ - أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ عَنْ رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، سَوَاءٌ عَرَفْنَا مَعْنَاهُ أَوْ لَمْ نَعْرِفْ، لِأَنَّهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، فَمَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ.

وَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا. مَعَ أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُوجَدُ عَامَّتُهُ مَنْصُوصًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ سَلَفِ الْأُمَّةِ.

[٢- لَفْظٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ. حُكْمُهُ]

وَمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَلْ وَلَا لَهُ أَنْ يُوَافِقَ أَحَدًا عَلَى إِثْبَاتِ لَفْظٍ أَوْ نَفْيِهِ، حَتَّى يَعْرِفَ مُرَادَهُ، فَإِنْ أَرَادَ حَقًّا قُبِلَ، وَإِنْ أَرَادَ بَاطِلًا رُدَّ، وَإِنِ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ لَمْ يُقْبَلْ مُطْلَقًا وَلَمْ يُرَدَّ جَمِيعُ مَعْنَاهُ، بَلْ يُوقَفُ اللَّفْظُ وَيُفَسَّرُ الْمَعْنَى، كَمَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْجِهَةِ وَالتَّحَيُّزِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

[لَفْظُ "الْجِهَةِ

فَلَفْظُ «الْجِهَةِ» قَدْ يُرَادُ بِهِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ اللهِ فَيَكُونُ مَخْلُوقًا، كَمَا إِذَا أُرِيدَ بِالْجِهَةِ نَفْسُ الْعَرْشِ أَوْ نَفْسُ السَّمَوَاتِ. وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا إِذَا أُرِيدَ بِالْجِهَةِ مَا فَوْقَ الْعَالِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّصِّ إِثْبَاتُ لَفْظِ «الْجِهَةِ» وَلَا نَفْيُهُ، كَمَا فِيهِ إِثْبَاتُ «الْعُلُوِّ» وَ«الِاسْتِوَاءِ» وَ«الْفَوْقِيَّةِ» وَ«الْعُرُوجِ إِلَيْهِ» وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَقَدْ عُلِمَ أَنْ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إِلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، وَالْخَالِقُ مُبَايِنٌ لِلْمَخْلُوقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.

فَيُقَالُ لِمَنْ نَفَى الْجِهَةَ: أَتُرِيدُ بِالْجِهَةِ أَنَّهَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ مَخْلُوقٌ، فَاللهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْمَخْلُوقَاتِ؛ أَمْ تُرِيدُ بِالْجِهَةِ مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللهَ فَوْقَ الْعَالَمِ، بَائِنٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ.

وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ فِي جِهَةٍ: أَتُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ فَوْقَ الْعَالِ، أَوْ تُرِيدُ بِهِ أَنَّ اللهَ دَاخِلٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ. فَإِنْ أَرَدْتَ الْأَوَّلَ فَهُوَ حَقٌّ، وَإِنْ أَرَدْتَ الثَّانِيَ فَهُوَ بَاطِلٌ.

[لَفْظُ "الْمُتَحَيِّزِ

وَكَذَلِكَ لَفْظُ «الْمُتَحَيِّزِ»، إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ اللهَ تَحُوزُهُ الْمَخْلُوقَاتُ فَاللهُ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ، بَلْ قَدْ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ) .

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: (وَإِنَّهُ لَيَدْحُوهَا كَمَا يَدْحُو الصِّبْيَانُ بِالْكُرَةِ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ.

وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مُنْحَازٌ عَنِ الْمَخْلُوقَاتِ، أَيْ مُبَايِنٌ لَهَا، مُنْفَصِلٌ عَنْهَا لَيْسَ حَالًّا فِيهَا. فَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ: فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ.

[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ - الْقَوْلُ بِأَنَّ ظَاهِرَ نُصُوصِ الصِّفَاتِ مُرَادٌ أَوْ لَيْسَ بِمُرَادٍ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ]

الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ - إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: ظَاهِرُ النُّصُوصِ مُرَادٌ، أَوْ ظَاهِرُهَا لَيْسَ بِمُرَادٍ.

فَإِنَّهُ يُقَالُ: لَفْظُ «الظَّاهِرِ» فِيهِ إِجْمَالٌ وَاشْتِرَاكٌ، فَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ظَاهِرَهَا التَّمْثِيلُ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، أَوْ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِمْ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ.

وَلَكِنَّ السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَ هَذَا ظَاهِرًا، وَلَا يَرْتَضُونَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ كُفْرًا وَبَاطِلًا، وَاللهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ الَّذِي وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ إِلَّا مَا هُوَ كُفْرٌ وَضَلَالٌ.

[غَلَطُ مَنْ يَجْعَلُ ظَاهِرَ النُّصُوصِ يَقْتَضِي التَّمْثِيلَ]

وَالَّذِينَ يَجْعَلُونَ ظَاهِرَهَا ذَلِكَ يَغْلَطُونَ مِنْ وَجْهَيْنِ:

تَارَةً يَجْعَلُونَ الْمَعْنَى الْفَاسِدَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ، حَتَّى يَجْعَلُوهُ مُحْتَاجًا إِلَى تَأْوِيلٍ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ.

وَتَارَةً يَرُدُّونَ الْمَعْنَى الْحَقَّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ بَاطِلٌ.

[أَمْثِلَةٌ]

فَالْأَوَّلُ: كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ: (عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي ...) الْحَدِيثَ، وَفِي الْأَثَرِ الْآخَرِ: (الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ صَافَحَهُ وَقَبَّلَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللهَ وَقَبَّلَ يَمِينَهُ)، وَقَوْلِهِ: (قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ) .

فَقَالُوا: قَدْ عُلِمَ أَنْ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا أَصَابِعُ الْحَقِّ.

فَيُقَالُ لَهُمْ: لَوْ أَعْطَيْتُمُ النُّصُوصَ حَقَّهَا مِنَ الدَّلَالَةِ لَعَلِمْتُمْ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى حَقٍّ.

أَمَّا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ فَقَوْلُهُ: (الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ صَافَحَهُ وَقَبَّلَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللهَ وَقَبَّلَ يَمِينَهُ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ لَيْسَ هُوَ صِفَةً لِلَّهِ، وَلَا هُوَ نَفْسُ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: (يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ)، وَقَالَ: (فَمَنْ قَبَّلَهُ وَصَافَحَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللهَ وَقَبَّلَ يَمِينَهُ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشَبَّهَ غَيْرُ الْمُشَبَّهِ بِهِ، فَفِي نَصِّ الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ مُسْتَلِمَهُ لَيْسَ مُصَافِحًا لِلَّهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ يَمِينِهِ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ ظَاهِرُهُ كُفْرًا، وَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّأْوِيلِ! مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يُعْرَفُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ: فَهُوَ فِي الصَّحِيحِ مُفَسَّرًا: (يَقُولُ اللهُ: عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِى. فَيَقُولُ: رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟!. فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا جَاعَ، فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. فَيَقُولُ: رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟!. فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ) .

وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَمْرَضْ وَلَمْ يَجُعْ، وَلَكِنْ مَرِضَ عَبْدُهُ وَجَاعَ عَبْدُهُ، فَجَعَلَ جُوعَهُ جُوعَهُ، وَمَرَضَهُ مَرَضَهُ، مُفَسِّرًا ذَلِكَ بِأَنَّكَ (لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، وَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ) . فَلَمْ يَبْقَ فِي الْحَدِيثِ لَفْظٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: (قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ)، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ أَنَّ الْقَلْبَ مُتَّصِلٌ بِالْأَصَابِعِ، وَلَا مُمَاسٌّ لَهَا، وَلَا أَنَّهَا فِي جَوْفِهِ. وَلَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: هَذَا بَيْنَ يَدَيَّ. مَا يَقْتَضِي مُبَاشَرَتَهُ لِيَدَيْهِ. وَإِذَا قِيلَ: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لَمْ يَقْتَضِ أَنْ يَكُونَ مُمَاسًّا لِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.

[فَرْقُ مَا بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) وَقَوْلِهِ (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا)]

وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا الْقَوْلَ أَنْ يُجْعَلَ اللَّفْظُ نَظِيرًا لِمَا لَيْسَ مِثْلَهُ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ .

فَهَذَا لَيْسَ مِثْلَ هَذَا، لِأَنَّهُ هُنَا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى الْأَيْدِي فَصَارَ شَبِيهًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وَهُنَاكَ أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿بِيَدَيَّ﴾ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ هُنَاكَ ذَكَرَ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ، وَفِي الْيَدَيْنِ ذَكَرَ لَفْظَ التَّثْنِيَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وَهُنَا أَضَافَ الْأَيْدِيَ إِلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ .

وَهَذَا فِي الْجَمْعِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وَ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ فِي الْمُفْرَدِ.

فَاللهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - يَذْكُرُ نَفْسَهُ تَارَةً بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ، مُظْهَرًا أَوْ مُضْمَرًا، وَتَارَةً بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَلَا يَذْكُرُ نَفْسَهُ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ قَطُّ، لِأَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ تَقْتَضِي التَّعْظِيمَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وَرُبَّمَا تَدُلُّ عَلَى مَعَانِي أَسْمَائِهِ، وَأَمَّا صِيغَةُ التَّثْنِيَةِ فَتَدُلُّ عَلَى الْعَدَدِ الْمَحْصُورِ، وَهُوَ مُقَدَّسٌ عَنْ ذَلِكَ.

فَلَوْ قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقَتْ يَدِي. كَانَ كَقَوْلِهِ: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وَ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، وَلَوْ قَالَ:خَلَقْتُ بِيَدِي. بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، لَكَانَ مُفَارِقًا لَهُ، فَكَيْفَ إِذَا قَالَ: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ.

هَذَا مَعَ دَلَالَةِ الْأَحَادِيثِ الْمُسْتَفِيضَةِ بَلِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: (الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.

[مَنْ يَقُولُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ: الظَّاهِرُ مُرَادٌ أَوْ لَيْسَ بِمُرَادٍ، يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي سَائِرِهَا لِأَنَّ جِنْسَهَا وَاحِدٌ]

وَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ظَاهِرَ النُّصُوصِ الْمُتَنَازَعِ فِي مَعْنَاهَا مِنْ جِنْسِ ظَاهِرِ النُّصُوصِ الْمُتَّفَقِ عَلَى مَعْنَاهَا، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْمُرَادُ فِي الْجَمِيعِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ مُرَادٌ - كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِهَذَا الظَّاهِرِ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ كَعِلْمِنَا، وَقُدْرَتُهُ كَقُدْرَتِنَا.

وَكَذَلِكَ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ حَقِيقَةً، عَالِمٌ حَقِيقَةً، قَادِرٌ حَقِيقَةً، لَمْ يَكُنْ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ مِثْلُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.

فَكَذَلِكَ إِذَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾: إِنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ. لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ اسْتِوَاءً كَاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِ، وَلَا حُبًّا كَحُبِّهِ، وَلَا رِضًا كَرِضَاهُ.

فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ يَظُنُّ أَنَّ ظَاهِرَ الصِّفَاتِ تُمَاثِلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، لَزِمَهُ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ظَاهِرِ ذَلِكَ مُرَادًا، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ ظَاهِرَهَا هُوَ مَا يَلِيقُ بِالْخَالِقِ وَيَخْتَصُّ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُ هَذَا الظَّاهِرِ، وَنَفْيُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ. وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي السَّمْعِ مَا يَنْفِي هَذَا إِلَّا مِنْ جِنْسِ مَا يَنْفِي بِهِ سَائِرَ الصِّفَاتِ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي الْجَمِيعِ وَاحِدًا.

وَبَيَانُ هَذَا، أَنَّ صِفَاتِنَا مِنْهَا مَا هِيَ أَعْيَانٌ وَأَجْسَامٌ، وَهِيَ أَبْعَاضٌ لَنَا، كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ؛ وَمِنْهَا مَا هِيَ مَعَانٍ وَأَعْرَاضٌ، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِنَا، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ.

ثُمَّ إِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الرَّبَّ لَمَّا وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، لَمْ يَقُلِ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ ظَاهِرَ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ، لِأَنَّ مَفْهُومَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ مِثْلُ مَفْهُومِهِ فِي حَقِّنَا؛ فَكَذَلِكَ لَمَّا وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ غَيْرَ مُرَادٍ، لِأَنَّ مَفْهُومَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ كَمَفْهُومِهِ فِي حَقِّنَا، بَلْ صِفَةُ الْمَوْصُوفِ تُنَاسِبُهُ.

فَإِذَا كَانَتْ نَفْسُهُ الْمُقَدَّسَةُ لَيْسَتْ مِثْلَ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَصِفَاتُهُ كَذَاتِهِ لَيْسَتْ مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَنِسْبَةُ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ إِلَيْهِ، كَنِسْبَةِ صِفَةِ الْخَالِقِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمَنْسُوبُ كَالْمَنْسُوبِ، وَلَا الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ كَالْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)، فَشَبَّهَ الرُّؤْيَةَ بِالرُّؤْيَةِ، لَا الْمَرْئِيَّ بِالْمَرْئِيِّ.

[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ - الْمَحَاذِيرُ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مَدْلُولَ نُصُوصِ الصِّفَاتِ هُوَ التَّمْثِيلُ]

وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ - وَهِيَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَوَهَّمُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ، أَوْ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا، أَوْ أَكْثَرِهَا، أَوْ كُلِّهَا، أَنَّهَا تُمَاثِلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ؛ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَنْفِيَ ذَلِكَ الَّذِي فَهِمَهُ فَيَقَعُ فِي أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْمَحَاذِيرِ:

أَحَدُهَا - كَوْنُهُ مَثَّلَ مَا فَهِمَهُ مِنَ النُّصُوصِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَظَنَّ أَنَّ مَدْلُولَ النُّصُوصِ هُوَ التَّمْثِيلُ.

الثَّانِي - أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ ذَلِكَ هُوَ مَفْهُومَهَا وَعَطَّلَهُ بَقِيَتِ النُّصُوصُ مُعَطَّلَةً عَمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِاللهِ، فَيَبْقَى مَعَ جِنَايَتِهِ عَلَى النُّصُوصِ، وَظَنِّهِ السَّيِّئِ الَّذِي ظَنَّهُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ - حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمَا هُوَ التَّمْثِيلُ الْبَاطِلُ - قَدْ عَطَّلَ مَا أَوْدَعَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِي كَلَامِهِمَا مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ، وَالْمَعَانِي الْإِلَهِيَّةِ اللَّائِقَةِ بِجَلَالِ اللهِ سُبْحَانَهُ.

الثَّالِثُ - أَنَّهُ يَنْفِي تِلْكَ الصِّفَاتِ عَنِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَكُونُ مُعَطِّلًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ تَعَالَى.

الرَّابِعُ - أَنَّهُ يَصِفُ الرَّبَّ بِنَقِيضِ تِلْكَ الصِّفَاتِ مِنْ صِفَاتِ الْأَمْوَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، أَوْ صِفَاتِ الْمَعْدُومَاتِ.

فَيَكُونُ قَدْ عَطَّلَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا الرَّبُّ تَعَالَى، وَمَثَّلَهُ بِالْمَنْقُوصَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، وَعَطَّلَ النُّصُوصَ عَمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَجَعَلَ مَدْلُولَهَا هُوَ التَّمْثِيلَ بِالْمَخْلُوقَاتِ، فَيَجْمَعُ فِي اللهِ وَفِي كَلَامِ اللهِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ، يَكُونُ مُلْحِدًا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ.

[تَوْضِيحُ ذَلِكَ فِي صِفَتَيِ "الِاسْتِوَاءِ" وَ"الْعُلُوِّ

مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ النُّصُوصَ كُلَّهَا دَلَّتْ عَلَى وَصْفِ الْإِلَهِ بِالْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ، وَاسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ؛ فَأَمَّا عُلُوُّهُ وَمُبَايَنَتُهُ لِلْمَخْلُوقَاتِ فَيُعْلَمُ بِالْعَقْلِ الْمُوَافِقِ لِلسَّمْعِ، وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ فَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِ هُوَ السَّمْعُ، وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَصْفٌ لَهُ بِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايِنُهُ وَلَا مُدَاخِلُهُ.

[صِفَةُ "الِاسْتِوَاءِ

فَيَظُنُّ الْمُتَوَهِّمُ أَنَّهُ إِذَا وُصِفَ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ كَانَ اسْتِوَاؤُهُ كَاسْتِوَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى ظُهُورِ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ • لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾ فَيَتَخَيَّلُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ كَحَاجَةِ الْمُسْتَوِي عَلَى الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ، فَلَوِ انْخَرَقَتِ السَّفِينَةُ لَسَقَطَ الْمُسْتَوِي عَلَيْهَا، وَلَوْ عَثَرَتِ الدَّابَّةُ لَخَرَّ الْمُسْتَوِي عَلَيْهَا. فَقِيَاسُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ عُدِمَ الْعَرْشُ لَسَقَطَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ثُمَّ يُرِيدُ - بِزَعْمِهِ - أَنْ يَنْفِيَ هَذَا فَيَقُولُ: لَيْسَ اسْتِوَاؤُهُ بِقُعُودٍ وَلَا اسْتِقْرَارٍ.

وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ مُسَمَّى «الْقُعُودِ» وَ«الِاسْتِقْرَارِ»، يُقَالُ فِيهِ مَا يُقَالُ فِي مُسَمَّى «الِاسْتِوَاءِ» !، فَإِنْ كَانَتِ الْحَاجَةُ دَاخِلَةً فِي ذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ وَالْقُعُودِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَلَيْسَ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوِيًا وَلَا مُسْتَقِرًّا وَلَا قَاعِدًا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مُسَمَّى ذَلِكَ، إِلَّا مَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى «الِاسْتِوَاءِ» فَإِثْبَاتُ أَحَدِهِمَا وَنَفْيُ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ.

وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ بَيْنَ مُسَمَّى «الِاسْتِوَاءِ» وَ«الِاسْتِقْرَارِ» وَ«الْقُعُودِ» فُرُوقًا مَعْرُوفَةً، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنْ يُعْلَمَ خَطَأُ مَنْ يَنْفِي الشَّيْءَ مَعَ إِثْبَاتِ نَظِيرِهِ.

وَكَانَ هَذَا الْخَطَأُ مِنْ خَطَئِهِ فِي مَفْهُومِ اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ، حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ مِثْلُ اسْتِوَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى ظُهُورِ الْأَنْعَامِ وَالْفُلْكِ.

وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَضَافَ الِاسْتِوَاءَ إِلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا أَضَافَ إِلَيْهَا سَائِرَ أَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ ثُمَّ اسْتَوَى، كَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ فَهَدَى، وَأَنَّهُ بَنَى السَّمَاءَ بِأَيْدٍ، وَكَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ مَعَ مُوسَى وَهَارُونَ يَسْمَعُ وَيَرَى، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. فَلَمْ يَذْكُرِ اسْتِوَاءً مُطْلَقًا يَصْلُحُ لِلْمَخْلُوقِ، وَلَا عَامًّا يَتَنَاوَلُ الْمَخْلُوقَ، كَمَا لَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ صِفَاتِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اسْتِوَاءً أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ.

فَلَوْ قُدِّرَ - عَلَى وَجْهِ الْفَرْضِ الْمُمْتَنِعِ - أَنَّهُ هُوَ مِثْلُ خَلْقِهِ - تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ - لَكَانَ اسْتِوَاؤُهُ مِثْلَ اسْتِوَاءِ خَلْقِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ لَيْسَ مُمَاثِلًا لِخَلْقِهِ، بَلْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ الْغَنِيُّ عَنِ الْخَلْقِ، وَأَنَّهُ الْخَالِقُ لِلْعَرْشِ وَلِغَيْرِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا اسْتِوَاءً يَخُصُّهُ، لَمْ يَذْكُرِ اسْتِوَاءً يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ وَلَا يَصْلُحُ لَهُ، كَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِي عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرُؤْيَتِهِ وَسَمْعِهِ وَخَلْقِهِ إِلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ - فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ الْعَرْشُ لَخَرَّ مَنْ عَلَيْهِ! سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

هَلْ هَذَا إِلَّا جَهْلٌ مَحْضٌ وَضَلَالٌ مِمَّنْ فَهِمَ ذَلِكَ، أَوْ تَوَهَّمَهُ، أَوْ ظَنَّهُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَمَدْلُولَهُ، أَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ الْغَنِيِّ عَنِ الْخَلْقِ. بَلْ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ جَاهِلًا فَهِمَ مِثْلَ هَذَا، أَوْ تَوَهَّمَهُ لَبُيِّنَ لَهُ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ أَصْلًا، كَمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَظَائِرِهِ فِي سَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ الرَّبُّ نَفْسَهُ.

فَلَمَّا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ فَهَلْ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ بِنَاءَهُ مِثْلُ بِنَاءِ الْآدَمِيِّ الْمُحْتَاجِ، الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى زُبُلٍ وَمَجَارِفَ وَأَعْوَانٍ وَضَرْبِ لَبِنٍ وَجَبْلِ طِينٍ؟

ثُمَّ قَدْ عُلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَالَمَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَالِيَهُ مُفْتَقِرًا إِلَى سَافِلِهِ، فَالْهَوَاءُ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ مُفْتَقِرًا إِلَى أَنْ تَحْمِلَهُ الْأَرْضُ، وَالسَّحَابُ أَيْضًا فَوْقَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ مُفْتَقِرًا إِلَى أَنْ تَحْمِلَهُ، وَالسَّمَوَاتُ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى حَمْلِ الْأَرْضِ لَهَا - فَالْعَلِيُّ الْأَعْلَى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ إِذَا كَانَ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إِلَى خَلْقِهِ، أَوْ عَرْشِهِ! أَوْ كَيْفَ يَسْتَلْزِمُ عُلُوُّهُ عَلَى خَلْقِهِ هَذَا الِافْتِقَارَ وَهُوَ لَيْسَ بِمُسْتَلْزِمٍ فِي الْمَخْلُوقَاتِ! وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَا ثَبَتَ لِمَخْلُوقٍ مِنَ الْغِنَى عَنْ غَيْرِهِ فَالْخَالِقُ سُبْحَانَهُ أَحَقُّ بِهِ وَأَوْلَى.

[صِفَةُ "الْعُلُوِّ

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ اللهُ فِي دَاخِلِ السَّمَوَاتِ، فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كُنَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فِي السَّمَاءِ، يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإِنَّ حَرْفَ «فِي» مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، فَهُوَ بِحَسَبِ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ.

وَلِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي الْمَكَانِ، وَكَوْنِ الْجِسْمِ فِي الْحَيِّزِ، وَكَوْنِ الْعَرَضِ فِي الْجِسْمِ، وَكَوْنِ الْوَجْهِ فِي الْمِرْآةِ، وَكَوْنِ الْكَلَامِ فِي الْوَرَقِ، فَإِنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ خَاصِّيَّةً يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ حَرْفُ «فِي» مُسْتَعْمَلًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.

فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْعَرْشُ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ؟ لَقِيلَ: فِي السَّمَاءِ. وَلَوْ قِيلَ: الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ؟ لَقِيلَ: الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ دَاخِلَ السَّمَوَاتِ، بَلْ وَلَا الْجَنَّةُ.

فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ الْجَنَّةَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهَا أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ) .

فَهَذِهِ الْجَنَّةُ، سَقْفُهَا الَّذِي هُوَ الْعَرْشُ فَوْقَ الْأَفْلَاكِ، مَعَ أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ، وَالسَّمَاءُ يُرَادُ بِهِ الْعُلُوُّ، سَوَاءٌ كَانَ فَوْقَ الْأَفْلَاكِ أَوْ تَحْتَهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ .

وَلَمَّا كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِ الْمُخَاطَبِينَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، وَأَنَّهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾: أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، أَنَّهُ فِي الْعُلُوِّ وَأَنَّهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ.

وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ لَمَّا قَالَ لَهَا: (أَيْنَ اللهُ؟) . قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، إِنَّمَا أَرَادَتِ الْعُلُوَّ مَعَ عَدَمِ تَخْصِيصِهِ بِالْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ وَحُلُولِهِ فِيهَا.

وَإِذَا قِيلَ: «الْعُلُوُّ»، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا فَوْقَ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا، فَمَا فَوْقَهَا كُلِّهَا هُوَ فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَقْتَضِي هَذَا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ظَرْفٌ وُجُودِيٌّ يُحِيطُ بِهِ، إِذْ لَيْسَ فَوْقَ الْعَالَمِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ إِلَّا اللهُ، كَمَا لَوْ قِيلَ: إِنَّ الْعَرْشَ فِي السَّمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ فِي شَيْءٍ آخَرَ مَوْجُودٍ مَخْلُوقٍ.

وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ «السَّمَاءَ» الْمُرَادُ بِهَا الْأَفْلَاكُ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، وَكَمَا قَالَ:

﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وَكَمَا قَالَ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وَيُقَالُ: فُلَانٌ فِي الْجَبَلِ، وَفِي السَّطْحِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى أَعْلَى شَيْءٍ فِيهِ.

[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ - نَعْلَمُ مَا أُخْبِرْنَا بِهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ]

الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ - أَنَّا نَعْلَمُ مَا أُخْبِرْنَا بِهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وَقَالَ: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾، وَقَالَ: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وَقَالَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، فَأَمَرَ بِتَدَبُّرِ الْكِتَابِ كُلِّهِ.

وَقَدْ قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .

[الْخِلَافُ فِي إِمْكَانِ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ]

وَجُمْهُورُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ مَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَطَائِفَةٍ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَأَسْأَلُهُ عَنْ تَفْسِيرِهَا.

[التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِبَيَانِ مَعَانِي لَفْظِ "التَّأْوِيلِ

وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، فَإِنَّ لَفْظَ «التَّأْوِيلِ» قَدْ صَارَ بِتَعَدُّدِ الِاصْطِلَاحَاتِ مُسْتَعْمَلًا فِي ثَلَاثَةِ مَعَانٍ:

أَحَدُهَا - وَهُوَ اصْطِلَاحُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ - أَنَّ التَّأْوِيلَ هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ؛ وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَنَاهُ أَكْثَرُ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تَأْوِيلِ نُصُوصِ الصِّفَاتِ وَتَرْكِ تَأْوِيلِهَا، وَهَلْ هَذَا مَحْمُودٌ أَوْ مَذْمُومٌ، وَحَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ؟

الثَّانِي - أَنَّ التَّأْوِيلَ بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى اصْطِلَاحِ مُفَسِّرِي الْقُرْآنِ، كَمَا يَقُولُ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي التَّفْسِيرِ: «وَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ التَّأْوِيلِ» . وَمُجَاهِدٌ إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ. وَعَلَى تَفْسِيرِهِ يَعْتَمِدُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ - فَإِذَا ذَكَرَ أَنَّهُ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِهِ.

الثَّالِثُ - مِنْ مَعَانِي التَّأْوِيلِ - هُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي يَؤُولُ إِلَيْهَا الْكَلَامُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ .

فَتَأْوِيلُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَخْبَارِ الْمَعَادِ هُوَ مَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ، مِمَّا يَكُونُ مِنَ الْقِيَامَةِ وَالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ لَمَّا سَجَدَ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ قَالَ: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ فَجَعَلَ عَيْنَ مَا وُجِدَ فِي الْخَارِجِ هُوَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا.

فَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ تَفْسِيرُ الْكَلَامِ، وَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يُفَسَّرُ بِهِ اللَّفْظُ حَتَّى يُفْهَمَ مَعْنَاهُ أَوْ تُعْرَفَ عِلَّتُهُ أَوْ دَلِيلُهُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الثَّالِثُ هُوَ عَيْنُ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. تَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ . وَقَوْلُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: السُّنَّةُ هِيَ تَأْوِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.

فَإِنَّ نَفْسَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ هُوَ تَأْوِيلُ الْأَمْرِ بِهِ، وَنَفْسَ الْمَوْجُودِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ هُوَ تَأْوِيلُ الْخَبَرِ، وَالْكَلَامُ خَبَرٌ وَأَمْرٌ، وَلِهَذَا يَقُولُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: الْفُقَهَاءُ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. كَمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ يَعْلَمُونَ نَفْسَ مَا أُمِرَ بِهِ وَنَفْسَ مَا نُهِيَ عَنْهُ، لِعِلْمِهِمْ بِمَقَاصِدِ الرَّسُولِ ﷺ، كَمَا يَعْلَمُ أَتْبَاعُ أَبُقْرَاطَ وَسِيبَوَيْهِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ مَقَاصِدِهِمْ مَا لَا يُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ اللُّغَةِ. وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِخِلَافِ تَأْوِيلِ الْخَبَرِ.

إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْغَنِيَّةِ بِمَا لَهَا مِنْ حَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ هُوَ حَقِيقَةُ نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُتَّصِفَةِ بِمَا لَهَا مِنْ حَقَائِقِ الصِّفَاتِ، وَتَأْوِيلُ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ هُوَ نَفْسُ مَا يَكُونُ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ.

[مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَوِ الْحَدِيثِ نَعْمَلُ بِمُحْكَمِهِ وَنُؤْمِنُ بِمُتَشَابِهِهِ]

وَلِهَذَا مَا يَجِيءُ فِي الْحَدِيثِ نَعْمَلُ بِمُحْكَمِهِ وَنُؤْمِنُ بِمُتَشَابِهِهِ، لِأَنَّ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ فِيهِ أَلْفَاظٌ مُتَشَابِهَةٌ، تُشْبِهُ مَعَانِيهَا مَا نَعْلَمُهُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ لَحْمًا وَلَبَنًا وَعَسَلًا وَمَاءً وَخَمْرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذَا يُشْبِهُ مَا فِي الدُّنْيَا لَفْظًا وَمَعْنًى، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ مِثْلَهُ، وَلَا حَقِيقَتُهُ كَحَقِيقَتِهِ.

فَأَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ أَوْلَى - وَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَسْمَاءِ الْعِبَادِ وَصِفَاتِهِمْ تَشَابُهٌ - أَنْ لَا يَكُونَ لِأَجْلِهَا الْخَالِقُ مِثْلَ الْمَخْلُوقِ، وَلَا حَقِيقَتُهُ كَحَقِيقَتِهِ.

[يُخْبَرُ عَنِ الْغَائِبِ بِالْمَعْنَى الْمَعْلُومِ فِي الشَّاهِدِ وَإِنْ كَانَتِ الْحَقِيقَةُ مُخْتَلِفَةً]

وَالْإِخْبَارُ عَنِ الْغَائِبِ لَا يُفْهَمُ أَنْ لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ بِالْأَسْمَاءِ الْمَعْلُومَةِ مَعَانِيهَا فِي الشَّاهِدِ، وَيُعْلَمُ بِهَا مَا فِي الْغَائِبِ بِوَاسِطَةِ الْعِلْمِ بِمَا فِي الشَّاهِدِ، مَعَ الْعِلْمِ بِالْفَارِقِ الْمُمَيِّزِ، وَأَنَّ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ مِنَ الْغَيْبِ أَعْظَمُ مِمَّا يُعْلَمُ فِي الشَّاهِدِ.

وَفِي الْغَائِبِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. فَنَحْنُ إِذَا أَخْبَرَنَا اللهُ بِالْغَيْبِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، عَلِمْنَا مَعْنَى ذَلِكَ وَفَهِمْنَا مَا أُرِيدَ مِنَّا فَهْمُهُ بِذَلِكَ الْخِطَابِ، وَفَسَّرْنَا ذَلِكَ. وَأَمَّا نَفْسُ الْحَقِيقَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهَا، مِثْلُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ.

وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ قَالُوا: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ رَبِيعَةُ شَيْخُ مَالِكٍ قَبْلَهُ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَمِنَ اللهِ الْبَيَانُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا الْإِيمَانُ. فَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ مَعْلُومٌ، وَأَنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ مَجْهُولَةٌ.

وَمِثْلُ هَذَا يُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، يَنْفُونَ عِلْمَ الْعِبَادِ بِكَيْفِيَّةِ صِفَاتِ اللهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ اللهُ إِلَّا اللهُ، فَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا هُوَ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) وَهَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّ لِلَّهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ مَا اسْتَأْثَرَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ، فَمَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللهُ بِهَا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ.

[أَسْمَاءُ اللهِ وَصِفَاتُهُ مُتَنَوِّعَةٌ فِي مَعَانِيهَا مُتَّفِقَةٌ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى ذَاتِ اللهِ]

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَنَا أَنَّهُ عَلِيمٌ، قَدِيرٌ، سَمِيعٌ، بَصِيرٌ، غَفُورٌ، رَحِيمٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ فَنَحْنُ نَفْهَمُ مَعْنَى ذَلِكَ، وَنُمَيِّزُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا اتَّفَقَتْ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى ذَاتِ اللهِ، مَعَ تَنَوُّعِ مَعَانِيهَا، فَهِيَ مُتَّفِقَةٌ مُتَوَاطِئَةٌ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ، مُتَبَايِنَةٌ مِنْ جِهَةِ الصِّفَاتِ.

وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ مُحَمَّدٍ، وَأَحْمَدَ، وَالْمَاحِي، وَالْحَاشِرِ، وَالْعَاقِبِ. وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ مِثْلُ الْقُرْآنِ، وَالْفُرْقَانِ، وَالْهُدَى، وَالنُّورِ، وَالتَّنْزِيلِ، وَالشِّفَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا؛ هَلْ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَرَادِفَةِ لِاتِّحَادِ الذَّاتِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَبَايِنَةِ لِتَعَدُّدِ الصِّفَاتِ، كَمَا إِذَا قِيلَ: السَّيْفُ، وَالصَّارِمُ، وَالْمُهَنَّدُ؛ وَقُصِدَ بِالصَّارِمِ مَعْنَى الصَّرْمِ، وَفِي الْمُهَنَّدِ النِّسْبَةُ إِلَى الْهِنْدِ؟ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا مُتَرَادِفَةٌ فِي الذَّاتِ مُتَبَايِنَةٌ فِي الصِّفَاتِ.

وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ اللهَ وَصَفَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بِأَنَّهُ مُحْكَمٌ وَبِأَنَّهُ مُتَشَابِهٌ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ جَعَلَ مِنْهُ مَا هُوَ مُحْكَمٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُتَشَابِهٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ الْإِحْكَامُ وَالتَّشَابُهُ الَّذِي يَعُمُّهُ، وَالْإِحْكَامُ وَالتَّشَابُهُ الَّذِي يَخُصُّ بَعْضَهُ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَحْكَمَ آيَاتِهِ كُلَّهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ كُلَّهُ مُتَشَابِهٌ.

[مَعْنَى "الْإِحْكَامِ

وَالْحُكْمُ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَالْحَاكِمُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَالْحِكْمَةُ فَصْلٌ بَيْنَ الْمُشْتَبِهَاتِ عِلْمًا وَعَمَلًا، إِذَا مُيِّزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَالنَّافِعِ وَالضَّارِّ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ فِعْلَ النَّافِعِ وَتَرْكَ الضَّارِّ، فَيُقَالُ: حَكَمْتُ السَّفِيهَ وَأَحْكَمْتُهُ إِذَا أَخَذْتُ عَلَى يَدَيْهِ، وَحَكَمْتُ الدَّابَّةَ وَأَحْكَمْتُهَا إِذَا جَعَلْتُ لَهَا حَكَمَةً وَهُوَ مَا أَحَاطَ بِالْحَنَكِ مِنَ اللِّجَامِ، وَإِحْكَامُ الشَّيْءِ إِتْقَانُهُ، فَإِحْكَامُ الْكَلَامِ إِتْقَانُهُ بِتَمْيِيزِ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ فِي أَخْبَارِهِ، وَتَمْيِيزِ الرُّشْدِ مِنَ الْغَيِّ فِي أَوَامِرِهِ.

وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ بِمَعْنَى الْإِتْقَانِ، فَقَدْ سَمَّاهُ اللهُ حَكِيمًا بِقَوْلِهِ: ﴿الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ فَالْحَكِيمُ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ، كَمَا جَعَلَهُ يَقُصُّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، وَجَعَلَهُ مُفْتِيًا فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ أَيْ: مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، وَجَعَلَهُ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ .

[مَعْنَى "التَّشَابُهِ

وَأَمَّا التَّشَابُهُ الَّذِي يَعُمُّهُ فَهُوَ ضِدُّ الِاخْتِلَافِ الْمَنْفِيِّ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ • يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ .

فَالتَّشَابُهُ هُنَا هُوَ تَمَاثُلُ الْكَلَامِ وَتَنَاسُبُهُ، بِحَيْثُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِذَا أَمَرَ بِأَمْرٍ لَمْ يَأْمُرْ بِنَقِيضِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، بَلْ يَأْمُرُ بِهِ، أَوْ بِنَظِيرِهِ، أَوْ بِمَلْزُومَاتِهِ، وَإِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، بَلْ يَنْهَى عَنْهُ، أَوْ عَنْ نَظِيرِهِ، أَوْ عَنْ لَوَازِمِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَسْخٌ.

وَكَذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ بِثُبُوتِ شَيْءٍ لَمْ يُخْبِرْ بِنَقِيضِ ذَلِكَ، بَلْ يُخْبِرُ بِثُبُوتِهِ، أَوْ بِثُبُوتِ مَلْزُومَاتِهِ، وَإِذَا أَخْبَرَ بِنَفْيِ شَيْءٍ لَمْ يُثْبِتْهُ، بَلْ يَنْفِيهِ، أَوْ يَنْفِي لَوَازِمَهُ، بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْمُخْتَلِفِ الَّذِي يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَيُثْبِتُ الشَّيْءَ تَارَةً وَيَنْفِيهِ أُخْرَى، أَوْ يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فَيَمْدَحُ أَحَدَهُمَا وَيَذُمُّ الْآخَرَ، فَالْأَقْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ هُنَا هِيَ الْمُتَضَادَّةُ، وَالْمُتَشَابِهَةُ هِيَ الْمُتَوَافِقَةُ.

وَهَذَا التَّشَابُهُ يَكُونُ فِي الْمَعَانِي وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَعَانِي يُوَافِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَعْضُدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيُنَاسِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، وَيَقْتَضِي بَعْضُهَا بَعْضًا - كَانَ الْكَلَامُ مُتَشَابِهًا، بِخِلَافِ الْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ الَّذِي يُضَادُّ بَعْضُهُ بَعْضًا.

فَهَذَا التَّشَابُهُ الْعَامُّ لَا يُنَافِي الْإِحْكَامَ الْعَامَّ، بَلْ هُوَ مُصَدِّقٌ لَهُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ الْمُحْكَمَ الْمُتْقَنَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لَا يُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

بِخِلَافِ الْإِحْكَامِ الْخَاصِّ، فَإِنَّهُ ضِدُّ التَّشَابُهِ الْخَاصِّ، فَالتَّشَابُهُ الْخَاصُّ هُوَ مُشَابَهَةُ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، بِحَيْثُ يَشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ هُوَ أَوْ هُوَ مِثْلُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْإِحْكَامُ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَا يَشْتَبِهُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ. وَهَذَا التَّشَابُهُ إِنَّمَا يَكُونُ لِقَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مَعَ وُجُودِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا.

[التَّشَابُهُ قَدْ يَكُونُ أَمْرًا نِسْبِيًّا]

ثُمَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَهْتَدِي لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ مُشْتَبِهًا عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْتَدِي إِلَى ذَلِكَ، فَالتَّشَابُهُ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ مَعَهُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الْإِضَافِيَّةِ، بِحَيْثُ يَشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، وَمِثْلُ هَذَا يَعْرِفُ مِنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مَا يُزِيلُ عَنْهُمْ هَذَا الِاشْتِبَاهَ، كَمَا إِذَا اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الْآخِرَةِ بِمَا يَشْهَدُونَهُ فِي الدُّنْيَا فَظَنَّ أَنَّهُ مِثْلُهُ، فَعَلِمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مُشْبِهًا لَهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ.

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الشُّبَهُ الَّتِي يَضِلُّ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَهِيَ مَا يَشْتَبِهُ فِيهَا الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، حَتَّى يَشْتَبِهَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَمَنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ بِالْفَصْلِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ.

وَالْقِيَاسُ الْفَاسِدُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الشُّبُهَاتِ، لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِلشَّيْءِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ بِمَا لَا يُشْبِهُهُ فِيهِ، فَمَنْ عَرَفَ الْفَصْلَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ اهْتَدَى لِلْفَرْقِ الَّذِي يَزُولُ بِهِ الِاشْتِبَاهُ وَالْقِيَاسُ الْفَاسِدُ.

[عَامَّةُ الضَّلَالِ مِنْ جِهَةِ التَّشَابُهِ]

وَمَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَيَجْتَمِعَانِ فِي شَيْءٍ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي شَيْءٍ، فَبَيْنَهُمَا اشْتِبَاهٌ مِنْ وَجْهٍ وَافْتِرَاقٌ مِنْ وَجْهٍ، وَلِهَذَا كَانَ ضَلَالُ بَنِي آدَمَ مِنْ قِبَلِ التَّشَابُهِ - وَالْقِيَاسُ الْفَاسِدُ لَا يَنْضَبِطُ - كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ: أَكْثَرُ مَا يُخْطِئُ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَالْقِيَاسِ، فَالتَّأْوِيلُ فِي الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَالْقِيَاسُ فِي الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَالتَّأْوِيلُ الْخَطَأُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُتَشَابِهَةِ، وَالْقِيَاسُ الْخَطَأُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَعَانِي الْمُتَشَابِهَةِ.

[مَذَاهِبُ طَوَائِفَ ضَلَّتْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ]

وَقَدْ وَقَعَ بَنُو آدَمَ فِي عَامَّةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّلَالَاتِ، حَتَّى آلَ الْأَمْرُ بِمَنْ يَدَّعِي التَّحْقِيقَ وَالتَّوْحِيدَ وَالْعِرْفَانَ مِنْهُمْ إِلَى أَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ وُجُودُ الرَّبِّ بِوُجُودِ كُلِّ مَوْجُودٍ فَظَنُّوا أَنَّهُ هُوَ، فَجَعَلُوا وُجُودَ الْمَخْلُوقَاتِ عَيْنَ وُجُودِ الْخَالِقِ، مَعَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَبْعَدُ عَنْ مُمَاثَلَةِ شَيْءٍ، أَوْ أَنْ يَكُونَ إِيَّاهُ، أَوْ مُتَّحِدًا بِهِ، أَوْ حَالًّا فِيهِ مِنَ الْخَالِقِ مَعَ الْمَخْلُوقِ.

فَمَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ وُجُودُ الْخَالِقِ بِوُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ - حَتَّى ظَنُّوا وُجُودَهَا وُجُودَهُ - فَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ ضَلَالًا مِنْ جِهَةِ الِاشْتِبَاهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ تَشْتَرِكُ فِي مُسَمَّى «الْوُجُودِ» فَرَأَوُا الْوُجُودَ وَاحِدًا، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْوَاحِدِ بِالْعَيْنِ وَالْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ.

وَآخَرُونَ تَوَهَّمُوا أَنَّهُ إِذَا قِيلَ: الْمَوْجُودَاتُ تَشْتَرِكُ فِي مُسَمَّى «الْوُجُودِ»، لَزِمَ التَّشْبِيهُ وَالتَّرْكِيبُ، فَقَالُوا: لَفْظُ «الْوُجُودِ» مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، فَخَالَفُوا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ مَعَ اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِمْ، مِنْ أَنَّ الْوُجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَوْجُودَاتِ.

وَطَائِفَةٌ ظَنَّتْ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْمَوْجُودَاتُ تَشْتَرِكُ فِي مُسَمَّى «الْوُجُودِ» لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَارِجِ عَنِ الْأَذْهَانِ مَوْجُودٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ فِي الْخَارِجِ عَنِ الْأَذْهَانِ كُلِّيَّاتٍ مُطْلَقَةً: مِثْلَ وُجُودٍ مُطْلَقٍ، وَحَيَوَانٍ مُطْلَقٍ، وَجِسْمٍ مُطْلَقٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَخَالَفُوا الْحِسَّ وَالْعَقْلَ وَالشَّرْعَ، وَجَعَلُوا مَا فِي الْأَذْهَانِ ثَابِتًا فِي الْأَعْيَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاشْتِبَاهِ.

وَمَنْ هَدَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْأُمُورِ وَإِنِ اشْتَرَكَتْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَعَلِمَ مَا بَيْنَهَا مِنَ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ، وَالتَّشَابُهِ وَالِاخْتِلَافِ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَضِلُّونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْكَلَامِ لِأَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحْكَمِ - الْفَارِقِ الَّذِي يُبَيِّنُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَصْلِ وَالِافْتِرَاقِ.

وَهَذَا كَمَا أَنَّ لَفْظَ «إِنَّا» وَ«نَحْنُ» وَغَيْرَهُمَا مِنْ صِيَغِ الْجَمْعِ يَتَكَلَّمُ بِهَا الْوَاحِدُ الَّذِي لَهُ شُرَكَاءُ فِي الْفِعْلِ، وَيَتَكَلَّمُ بِهَا الْوَاحِدُ الْعَظِيمُ، الَّذِي لَهُ صِفَاتٌ تَقُومُ كُلُّ صِفَةٍ مَقَامَ وَاحِدٍ، وَلَهُ أَعْوَانٌ تَابِعُونَ لَهُ، لَا شُرَكَاءُ لَهُ. فَإِذَا تَمَسَّكَ النَّصْرَانِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وَنَحْوِهِ عَلَى تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ، كَانَ الْمُحْكَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ﴾

وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا - يُزِيلُ مَا هُنَاكَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ، وَكَانَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ صِيَغِ الْجَمْعِ مُبَيِّنًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَطَاعَةِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ.

[حَقَائِقُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ]

وَأَمَّا حَقِيقَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ حَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَمَا لَهُ مِنَ الْجُنُودِ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي أَفْعَالِهِ، فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، وَهَذَا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ.

بِخِلَافِ الْمَلِكِ مِنَ الْبَشَرِ إِذَا قَالَ: قَدْ أَمَرْنَا لَكَ بِعَطَاءٍ. فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ هُوَ وَأَعْوَانُهُ - مِثْلُ كَاتِبِهِ، وَحَاجِبِهِ، وَخَادِمِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ - أَمَرُوا بِهِ، وَقَدْ يُعْلَمُ مَا صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنِ اعْتِقَادَاتِهِ وَإِرَادَاتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُعَلِّمُ عِبَادَهُ الْحَقَائِقَ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا مِنْ صِفَاتِهِ وَصِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا يَعْلَمُونَ حَقَائِقَ مَا أَرَادَ بِخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَلَا حَقَائِقَ مَا صَدَرَتْ عَنْهُ مِنَ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ.

وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّشَابُهَ يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ، كَمَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُتَوَاطِئَةٍ، وَإِنْ زَالَ الِاشْتِبَاهُ بِمَا يُمَيِّزُ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ إِضَافَةٍ أَوْ تَعْرِيفٍ، كَمَا إِذَا قِيلَ: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ﴾ فَهُنَا قَدْ خُصَّ هَذَا الْمَاءُ بِالْجَنَّةِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَاءِ الدُّنْيَا، لَكِنَّ حَقِيقَةَ مَا امْتَازَ بِهِ ذَلِكَ الْمَاءُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا، وَهُوَ - مَعَ مَا أَعَدَّ اللهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ - مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ.

وَكَذَلِكَ مَدْلُولُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا، الَّتِي هِيَ حَقِيقَتُهُ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ.

وَلِهَذَا كَانَ الْأَئِمَّةُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ يُنْكِرُونَ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ - تَأْوِيلَ مَا تَشَابَهَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ «فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فِيمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَأَوَّلَتْهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ» .

وَإِنَّمَا ذَمَّهُمْ لِكَوْنِهِمْ تَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ مَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مَعْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَشْتَبِهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَذَمَّهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَلَمْ يَنْفِ مُطْلَقَ التَّأْوِيلِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لَفْظَ «التَّأْوِيلِ» يُرَادُ بِهِ التَّفْسِيرُ الْمُبَيِّنُ لِمُرَادِ اللهِ تَعَالَى بِهِ، فَذَلِكَ لَا يُعَابُ بَلْ يُحْمَدُ، وَيُرَادُ بِالتَّأْوِيلِ الْحَقِيقَةُ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهَا، فَذَاكَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ، وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

[غَلَطُ مَنْ يَنْفِي التَّأْوِيلَ مُطْلَقًا]

وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَذَا اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُ، مِثْلُ طَائِفَةٍ يَقُولُونَ: إِنَّ التَّأْوِيلَ بَاطِلٌ، وَإِنَّهُ يَجِبُ إِجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ:

﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وَيَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِبْطَالِ التَّأْوِيلِ.

وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ تَأْوِيلًا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، وَهُمْ يَنْفُونَ التَّأْوِيلَ مُطْلَقًا.

وَجِهَةُ الْغَلَطِ أَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ هُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الْمَذْمُومُ وَالْبَاطِلُ فَهُوَ تَأْوِيلُ أَهْلِ التَّحْرِيفِ وَالْبِدَعِ، الَّذِينَ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيَدَّعُونَ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ مَدْلُولِهِ إِلَى غَيْرِ مَدْلُولِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُ ذَلِكَ، وَيَدَّعُونَ أَنَّ فِي ظَاهِرِهِ مِنَ الْمَحْذُورِ مَا هُوَ نَظِيرُ الْمَحْذُورِ اللَّازِمِ فِيمَا أَثْبَتُوهُ بِالْعَقْلِ! وَيَصْرِفُونَهُ إِلَى مَعَانٍ هِيَ نَظِيرُ الْمَعَانِي الَّتِي نَفَوْهَا عَنْهُ! فَيَكُونُ مَا نَفَوْهُ مِنْ جِنْسِ مَا أَثْبَتُوهُ، فَإِنْ كَانَ الثَّابِتُ حَقًّا مُمْكِنًا كَانَ الْمَنْفِيُّ مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْفِيُّ بَاطِلًا مُمْتَنِعًا كَانَ الثَّابِتُ مِثْلَهُ.

وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْفُونَ التَّأْوِيلَ مُطْلَقًا، وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ قَدْ يَظُنُّونَ أَنَّا خُوطِبْنَا فِي الْقُرْآنِ بِمَا لَا يَفْهَمُهُ أَحَدٌ، أَوْ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ، أَوْ بِمَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ.

وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ بَاطِلٌ فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، لِأَنَّا إِذَا لَمْ نَفْهَمْ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ أَنْ نَقُولَ: لَهُ تَأْوِيلٌ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ وَلَا يُوَافِقُهُ، لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ لَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ الْمَعْلُومَ لَنَا، فَإِنَّهُ لَا ظَاهِرَ لَهُ عَلَى قَوْلِهِمْ، فَلَا تَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى دَلَالَةً عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ فَلَا يَكُونُ تَأْوِيلًا، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُ دَلَالَتِهِ عَلَى مَعَانٍ لَا نَعْرِفُهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْمَعَانِيَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا قَدْ لَا نَكُونُ عَارِفِينَ بِهَا، وَلِأَنَّا إِذَا لَمْ نَفْهَمِ اللَّفْظَ وَمَدْلُولَهُ الْمُرَادَ فَلَأَنْ لَا نَعْرِفَ الْمَعَانِيَ الَّتِي لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ أَوْلَ، لِأَنَّ إِشْعَارَ اللَّفْظِ بِمَا يُرَادُ بِهِ أَقْوَى مِنْ إِشْعَارِهِ بِمَا لَا يُرَادُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى أَصْلًا، لَمْ يَكُنْ مُشْعِرًا بِمَا أُرِيدَ بِهِ، فَلَأَنْ لَا يَكُونَ مُشْعِرًا بِمَا لَمْ يُرَدْ بِهِ أَوْلَى.

فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُتَأَوَّلٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنِ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّأْوِيلِ مَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ الْمُخْتَصَّ بِالْمَخْلُوقِينَ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِالظَّاهِرِ هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْوِيلٌ يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ.

لَكِنْ إِذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا تَأْوِيلٌ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ، أَوْ إِنَّهَا تَجْرِي عَلَى الْمَعَانِي الظَّاهِرَةِ مِنْهَا، كَانُوا مُتَنَاقِضِينَ. وَإِنْ أَرَادُوا بِالظَّاهِرِ هُنَا مَعْنًى وَهُنَا مَعْنًى فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ كَانَ تَلْبِيسًا، وَإِنْ أَرَادُوا بِالظَّاهِرِ مُجَرَّدَ اللَّفْظِ، أَيْ تُجْرَى عَلَى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ لِمَعْنَاهُ كَانَ إِبْطَالُهُمْ لِلتَّأْوِيلِ أَوْ إِثْبَاتُهُ تَنَاقُضًا، لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ تَأْوِيلًا أَوْ نَفَاهُ فَقَدْ فَهِمَ مِنْهُ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي. وَبِهَذَا التَّقْسِيمِ يَتَبَيَّنُ تَنَاقُضُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ وَمُثْبِتِيهَا فِي هَذَا الْبَابِ.

[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ - بَيَانُ الضَّابِطِ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ الطُّرُقُ الصَّحِيحَةُ وَالْبَاطِلَةُ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ]

الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ - أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا بُدَّ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ ضَابِطٍ يُعْرَفُ بِهِ مَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، إِذِ الِاعْتِمَادُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مُجَرَّدِ نَفْيِ التَّشْبِيهِ أَوْ مُطْلَقِ الْإِثْبَاتِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ وَقَدْرٌ مُمَيِّزٌ.

[خَطَأُ الِاعْتِمَادِ فِي النَّفْيِ عَلَى مُجَرَّدِ ادِّعَاءِ التَّشْبِيهِ فِيمَا يُنْفَى]

فَالنَّافِي إِنِ اعْتَمَدَ فِيمَا يَنْفِيهِ عَلَى أَنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ، قِيلَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ مُمَاثِلٌ لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهَذَا بَاطِلٌ، وَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ مُشَابِهٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، أَوْ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الِاسْمِ، لَزِمَكَ هَذَا فِي سَائِرِ مَا تُثْبِتُهُ، وَأَنْتُمْ إِنَّمَا أَقَمْتُمُ الدَّلِيلَ عَلَى إِبْطَالِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمَاثُلِ، الَّذِي فَسَّرْتُمُوهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى أَحَدِهِمَا مَا يَجُوزُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِثْبَاتَ التَّشْبِيهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ مِمَّا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ امْتِنَاعُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ هَذَا نَفْيُ التَّشَابُهِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، كَمَا فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْمُتَوَاطِئَةِ.

وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ التَّشْبِيهَ مُفَسَّرًا بِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، ثُمَّ إِنَّ كُلَّ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ الْمَعْنَى قَالُوا: إِنَّهُ مُشَبِّهٌ. وَمُنَازِعُهُمْ يَقُولُ: ذَلِكَ الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ.

[مِنْ شُبَهِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْقَدِيمِ]

وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ لَفْظِ «التَّشْبِيهِ» وَ«التَّمْثِيلِ»، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَنَحْوَهُمْ مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ يَقُولُونَ: كُلُّ مَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ صِفَةً قَدِيمَةً فَهُوَ مُشَبِّهٌ مُمَثِّلٌ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمًا قَدِيمًا، أَوْ قُدْرَةً قَدِيمَةً، كَانَ عِنْدَهُمْ مُشَبِّهًا مُمَثِّلًا، لِأَنَّ «الْقِدَمَ» عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ هُوَ أَخَصُّ وَصْفِ الْإِلَهِ، فَمَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ صِفَةً قَدِيمَةً فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ مِثْلًا قَدِيمًا، وَيُسَمُّونَهُ مُمَثِّلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

[جَوَابُ الْمُثْبِتَةِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ]

وَمُثْبِتَةُ الصِّفَاتِ لَا يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى هَذَا، بَلْ يَقُولُونَ: أَخَصُّ وَصْفِهِ حَقِيقَةً مَا لَا يَتَّصِفُ بِهِ غَيْرُهُ، مِثْلُ كَوْنِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالصِّفَةُ لَا تُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الصِّفَاتِيَّةِ مَنْ لَا يَقُولُ فِي الصِّفَاتِ: إِنَّهَا قَدِيمَةٌ، بَلْ يَقُولُ: الرَّبُّ بِصِفَاتِهِ قَدِيمٌ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ قَدِيمٌ وَصِفَتُهُ قَدِيمَةٌ، وَلَا يَقُولُ: هُوَ وَصِفَاتُهُ قَدِيمَانِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ وَصِفَاتُهُ قَدِيمَانِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الصِّفَةِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، فَإِنَّ الْقِدَمَ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَاتٍ، وَإِلَّا فَالذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ لَا وُجُودَ لَهَا عِنْدَهُمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَخْتَصَّ بِالْقِدَمِ، وَقَدْ يَقُولُونَ: الذَّاتُ مُتَّصِفَةٌ بِالْقِدَمِ وَالصِّفَاتُ مُتَّصِفَةٌ بِالْقِدَمِ وَلَيْسَتِ الصِّفَاتُ إِلَهًا وَلَا رَبًّا، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ مُحْدَثٌ وَصِفَاتُهُ مُحْدَثَةٌ، وَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ نَبِيًّا.

فَهَؤُلَاءِ إِذَا أَطْلَقُوا عَلَى الصِّفَاتِيَّةِ اسْمَ «التَّشْبِيهِ» وَ«التَّمْثِيلِ»، كَانَ هَذَا بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِمُ الَّذِي يُنَازِعُهُمْ فِيهِ أُولَئِكَ، ثُمَّ تَقُولُ لَهُمْ أُولَئِكَ: هَبْ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ يُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ بَعْضِ النَّاسِ تَشْبِيهًا، فَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَنْفِهِ عَقْلٌ وَلَا سَمْعٌ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ نَفْيُ مَا نَفَتْهُ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ.

وَالْقُرْآنُ قَدْ نَفَى مُسَمَّى «الْمِثْلِ» وَ«الْكُفْءِ» وَ«النِّدِّ» وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ: الصِّفَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَيْسَتْ مِثْلَ الْمَوْصُوفِ وَلَا كُفْأَهُ وَلَا نِدَّهُ، فَلَا تَدْخُلُ فِي النَّصِّ، وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلَمْ يَنْفِ مُسَمَّى «التَّشْبِيهِ» فِي اصْطِلَاحِ الْمُعْتَزِلَةِ.

[مِنْ شُبَهِهِمْ أَيْضًا أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ]

وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَقُولُونَ: إِنَّ الصِّفَاتِ لَا تَقُومُ إِلَّا بِجِسْمٍ مُتَحَيِّزٍ، وَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ، فَلَوْ قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لِسَائِرِ الْأَجْسَامِ، وَهَذَا هُوَ التَّشْبِيهُ.

وَكَذَلِكَ يَقُولُ هَذَا كَثِيرٌ مِنَ الصِّفَاتِيَّةِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ وَيَنْفُونَ عُلُوَّهُ عَلَى الْعَرْشِ وَقِيَامَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: الصِّفَاتُ قَدْ تَقُومُ بِمَا لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَأَمَّا الْعُلُوُّ عَلَى الْعَالَمِ فَلَا يَصِحُّ إِلَّا إِذَا كَانَ جِسْمًا، فَلَوْ أَثْبَتْنَا عُلُوَّهُ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا، وَحِينَئِذٍ فَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ فَيَلْزَمُ التَّشْبِيهُ.

فَلِهَذَا تَجِدُ هَؤُلَاءِ يُسَمُّونَ مَنْ أَثْبَتَ الْعُلُوَّ وَنَحْوَهُ مُشَبِّهًا، وَلَا يُسَمُّونَ مَنْ أَثْبَتَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْكَلَامَ وَنَحْوَهُ مُشَبِّهًا، كَمَا يَقُولُهُ صَاحِبُ «الْإِرْشَادِ» وَأَمْثَالُهُ.

وَكَذَلِكَ قَدْ يُوَافِقُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَمْثَالُهُ مِنْ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ يَجْعَلُونَ الْعُلُوَّ صِفَةً خَبَرِيَّةً، كَمَا هُوَ أَوَّلُ قَوْلَيِ الْقَاضِي أَبِى يَعْلَى، فَيَكُونُ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْوَجْهِ، وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَا يُثْبِتُونَهُ لَا يُنَافِي الْجِسْمَ، كَمَا يَقُولُونَهُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ. وَالْعَاقِلُ إِذَا تَأَمَّلَ وَجَدَ الْأَمْرَ فِيمَا نَفَوْهُ كَالْأَمْرِ فِيمَا أَثْبَتُوهُ لَا فَرْقَ.

[جَوَابُ الْمُثْبِتَةِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ]

وَأَصْلُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ عَلَى أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ، وَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ. وَالْمُثْبِتُونَ يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا تَارَةً بِمَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَتَارَةً بِمَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَارَةً بِمَنْعِ كِلْتَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَتَارَةً بِالِاسْتِفْصَالِ.

وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ قَوْلٌ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ فَسَّرُوا الْجِسْمَ بِمَا يُشَارُ إِلَيْهِ، أَوْ بِالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِالْمَوْجُودِ، أَوْ بِالْمُرَكَّبِ مِنَ الْهُيُولَي وَالصُّورَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا فَسَّرُوهُ بِالْمُرَكَّبِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ عَلَى أَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ، فَهَذَا يُبْنَى عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، وَعَلَى إِثْبَاتِ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ وَعَلَى أَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ. وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي ذَلِكَ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ التَّشْبِيهَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ تَجْسِيمًا بِنَاءً عَلَى تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ، وَالْمُثْبِتُونَ يُنَازِعُونَهُمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ، كَإِطْلَاقِ الرَّافِضَةِ «لِلنَّصْبِ» عَلَى مَنْ تَوَلَّى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَهُوَ نَاصِبِيٌّ؛ وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُنَازِعُونَهُمْ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأَوَّلِ.

وَلِهَذَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ الشَّيْئَيْنِ لَا يَشْتَبِهَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَخْتَلِفَانِ مِنْ وَجْهٍ. وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا فِيهِ حُجَجَ مَنْ يَقُولُ بِتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَحُجَجَ مَنْ نَفَى ذَلِكَ، وَبَيَّنَّا فَسَادَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِتَمَاثُلِهَا.

وَأَيْضًا، فَالِاعْتِمَادُ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَلَى نَفْيِ التَّشْبِيهِ اعْتِمَادٌ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أُثْبِتَ تَمَاثُلُ الْأَجْسَامِ فَهُمْ لَا يَنْفُونَ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحُجَّةِ الَّتِي يَنْفُونَ بِهَا الْجِسْمَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ الْجِسْمَ، وَثَبَتَ امْتِنَاعُ الْجِسْمِ، كَانَ هَذَا وَحْدَهُ كَافِيًا فِي نَفْيِ ذَلِكَ، لَا يَحْتَاجُ نَفْيُ ذَلِكَ إِلَى نَفْيِ مُسَمَّى «التَّشْبِيهِ»، لَكِنْ نَفْيُ الْجِسْمِ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى نَفْيِ هَذَا التَّشْبِيهِ، بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ ثَبَتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا لَكَانَ جِسْمًا، ثُمَّ يُقَالُ: وَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ، فَيَجِبُ اشْتِرَاكُهَا فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ. لَكِنْ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ مُعْتَمِدًا فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَلَى نَفْيِ التَّجْسِيمِ، فَيَكُونُ أَصْلُ نَفْيِهِ نَفْيَ الْجِسْمِ، وَهَذَا مَسْلَكٌ آخَرُ سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

[الطَّرِيقُ الصَّحِيحَةُ فِي النَّفْيِ تَتَنَاوَلُ: ١- نَفْيَ النَّقْصِ]

وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِمَادِ فِي نَفْيِ مَا يُنْفَى عَلَى مُجَرَّدِ نَفْيِ التَّشْبِيهِ لَا يُفِيدُ، إِذْ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَيَشْتَبِهَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، بِخِلَافِ الِاعْتِمَادِ عَلَى نَفْيِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُقَدَّسٌ عَنْهُ، فَإِنَّ هَذِهِ طَرِيقَةٌ صَحِيحَةٌ.

[٢- نَفْيُ الْمِثْلِ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ]

وَكَذَلِكَ إِذَا أُثْبِتَ لَهُ صِفَاتُ الْكَمَالِ، وَنُفِيَ مُمَاثَلَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِيهَا، فَإِنَّ هَذَا نَفْيُ الْمُمَاثَلَةِ فِيمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ، وَهَذَا حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَشْرَكَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ أَحَدٌ، وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إِثْبَاتَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الصِّفَاتِ، وَنَفْيَ مُمَاثَلَتِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ.

[اعْتِرَاضٌ]

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الشَّيْءَ إِذَا شَابَهَ غَيْرَهُ مِنْ وَجْهٍ جَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَوَجَبَ لَهُ مَا وَجَبَ لَهُ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ مَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ.

[الْجَوَابُ عَنْهُ]

قِيلَ: هَبْ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ مَا يَمْتَنِعُ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا نَفْيَ مَا يَسْتَحِقُّهُ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا؛ كَمَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَقَدْ سَمَّى بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ حَيًّا عَلِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا، فَإِذَا قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَجُوزَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَوْجُودًا حَيًّا عَلِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا. قِيلَ لَازِمُ هَذَا الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ مُمْتَنِعًا عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي حُدُوثًا، وَلَا إِمْكَانًا، وَلَا نَقْصًا، وَلَا شَيْئًا مِمَّا يُنَافِي صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ.

وَذَلِكَ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ هُوَ مُسَمَّى «الْوُجُودِ» أَوِ «الْمَوْجُودِ»، أَوِ «الْحَيَاةِ» أَوِ «الْحَيِّ»، أَوِ «الْعِلْمِ» أَوِ «الْعَلِيمِ»، أَوِ «السَّمْعِ» وَ«الْبَصَرِ» أَوِ «السَّمِيعِ» وَ«الْبَصِيرِ»، أَوِ «الْقُدْرَةِ» أَوِ «الْقَدِيرِ»، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ مُطْلَقٌ كُلِّيٌّ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ لَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْمُمْكِنِ الْمُحْدَثِ، وَلَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْوَاجِبِ الْقَدِيمِ، فَإِنَّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا يَمْتَنِعُ اشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ.

فَإِذَا كَانَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ صِفَةَ كَمَالٍ: كَالْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ، كَمَا لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الْخَالِقِ - لَمْ يَكُنْ فِي إِثْبَاتِ هَذَا مَحْذُورٌ أَصْلًا، بَلْ إِثْبَاتُ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ الْوُجُودِ، فَكُلُّ مَوْجُودَيْنِ لَا بُدَّ بَيْنَهُمَا مِنْ مِثْلِ هَذَا، وَمَنْ نَفَى هَذَا لَزِمَهُ تَعْطِيلُ وُجُودِ كُلِّ مَوْجُودٍ.

وَلِهَذَا لَمَّا اطَّلَعَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ سَمَّوْهُمْ مُعَطِّلَةً، وَكَانَ جَهْمٌ يُنْكِرُ أَنْ يُسَمَّى اللهُ شَيْئًا، وَرُبَّمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: هُوَ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ، فَإِذَا نَفَى الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ مُطْلَقًا لَزِمَ التَّعْطِيلُ التَّامُّ.

وَالْمَعَانِي الَّتِي يُوصَفُ بِهَا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، بَلِ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ وَالْحَقِيقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، تَجِبُ لَهُ لَوَازِمُهَا؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْمَلْزُومِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ اللَّازِمِ، وَخَصَائِصُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا لَيْسَتْ مِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ أَصْلًا، بَلْ تِلْكَ مِنْ لَوَازِمِ مَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ مِنْ وُجُودٍ وَحَيَاةٍ وَعِلْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِ وَمَلْزُومَاتِ خَصَائِصِهِ.

[مَعْنَى "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ

وَهَذَا الْمَوْضِعُ مَنْ فَهِمَهُ فَهْمًا جَيِّدًا وَتَدَبَّرَهُ، زَالَتْ عَنْهُ عَامَّةُ الشُّبُهَاتِ، وَانْكَشَفَ لَهُ غَلَطُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَذْكِيَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَبُيِّنَ فِيهَا أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ الْكُلِّيَّ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُعَيَّنًا مُقَيَّدًا، وَأَنَّ مَعْنَى اشْتِرَاكِ الْمَوْجُودَاتِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ هُوَ تَشَابُهُهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْعَامَّ يُطْلَقُ عَلَى هَذَا وَهَذَا، لَا أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْخَارِجِ يُشَارِكُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي شَيْءٍ مَوْجُودٍ فِيهِ، بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.

[عَدَمُ فَهْمِ هَذَا الْمَعْنَى يُوقِعُ فِي الْغَلَطِ وَالتَّنَاقُضِ]

وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَنَاقَضُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَتَارَةً يَظُنُّ أَنَّ إِثْبَاتَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ يُوجِبُ التَّشْبِيهَ الْبَاطِلَ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ لَهُ حُجَّةً فِيمَا يَظُنُّ نَفْيَهُ مِنَ الصِّفَاتِ، حَذَرًا مِنْ مَلْزُومَاتِ التَّشْبِيهِ؛ وَتَارَةً يَتَفَطَّنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ هَذَا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَيُجِيبُ بِهِ فِيمَا يُثْبِتُهُ مِنَ الصِّفَاتِ لِمَنِ احْتَجَّ بِهِ مِنَ النُّفَاةِ.

[أَمْثِلَةُ ذَلِكَ]

وَلِكَثْرَةِ الِاشْتِبَاهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ فِي أَنَّ وُجُودَ الرَّبِّ هَلْ هُوَ عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ، أَوْ زَائِدٌ عَلَى مَاهِيَّتِهِ؛ وَهَلْ لَفْظُ «الْوُجُودِ»

مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، أَوْ بِالتَّوَاطُئِ، أَوِ التَّشْكِيكِ، كَمَا وَقَعَ الِاشْتِبَاهُ فِي إِثْبَاتِ الْأَحْوَالِ وَنَفْيِهَا، وَفِي أَنَّ الْمَعْدُومَ هَلْ هُوَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟، وَفِي وُجُودِ الْمَوْجُودَاتِ هَلْ هُوَ زَائِدٌ عَلَى مَاهِيَّتِهَا أَمْ لَا؟.

وَقَدْ كَثُرَ مِنْ أَئِمَّةِ النُّظَّارِ الِاضْطِرَابُ وَالتَّنَاقُضُ فِي هَذِهِ الْمَقَامَاتِ، فَتَارَةً يَقُولُ أَحَدُهُمُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ، وَيَحْكِى عَنِ النَّاسِ مَقَالَاتٍ مَا قَالُوهَا، وَتَارَةً يَبْقَى فِي الشَّكِّ وَالتَّحَيُّرِ، وَقَدْ بَسَطْنَا مِنَ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَقَامَاتِ، وَمَا وَقَعَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَالْغَلَطِ وَالْحَيْرَةِ فِيهَا لِأَئِمَّةِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، مَا لَا تَتَّسِعُ لَهُ هَذِهِ الْجُمَلُ الْمُخْتَصَرَةُ.

وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّوَابَ هُوَ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْخَارِجِ هُوَ مَاهِيَّتُهُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ، بِخِلَافِ الْمَاهِيَّةِ الَّتِي فِي الذِّهْنِ فَإِنَّهَا مُغَايِرَةٌ لِلْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ، وَأَنَّ لَفْظَ «الْوُجُودِ» كَلَفْظِ «الذَّاتِ» وَ«الشَّيْءِ» وَ«الْمَاهِيَّةِ» وَ«الْحَقِيقَةِ» وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مُتَوَاطِئَةٌ، وَإِذَا قِيلَ: إِنَّهَا مُشَكِّكَةٌ، لِتَفَاضُلِ مَعَانِيهَا، فَالْمُشَكِّكُ نَوْعٌ مِنَ الْمُتَوَاطِئِ الْعَامِّ الَّذِي يُرَاعَى فِيهِ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْنَى مُتَفَاضِلًا فِي مَوَارِدِهِ، أَوْ مُتَمَاثِلًا.

وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ أَيْضًا فِي الْعِلْمِ وَالذِّهْنِ، لَا فِي الْخَارِجِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْوُجُودِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ بَيْنَ الْوُجُودِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَيْنِيِّ، مَعَ أَنَّ مَا فِي الْعِلْمِ لَيْسَ هُوَ الْحَقِيقَةَ الْمَوْجُودَةَ، وَلَكِنْ هُوَ الْعِلْمُ التَّابِعُ لِلْعَالِمِ الْقَائِمُ بِهِ.

وَكَذَلِكَ الْأَحْوَالُ الَّتِي تَتَمَاثَلُ فِيهَا الْمَوْجُودَاتُ وَتَخْتَلِفُ، لَهَا وُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ، وَلَيْسَ فِي الْأَعْيَانِ إِلَّا الْأَعْيَانُ الْمَوْجُودَةُ، وَصِفَاتُهَا الْقَائِمَةُ بِهَا الْمُعَيَّنَةُ، فَتَتَشَابَهُ بِذَلِكَ وَتَخْتَلِفُ بِهِ.

وَأَمَّا هَذِهِ الْجُمَلُ الْمُخْتَصَرَةُ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا التَّنْبِيهُ عَلَى جُمَلٍ مُخْتَصَرَةٍ جَامِعَةٍ، مَنْ فَهِمَهَا عَلِمَ قَدْرَ نَفْعِهَا، وَانْفَتَحَ لَهُ بَابُ الْهُدَى، وَإِمْكَانُ إِغْلَاقِ بَابِ الضَّلَالِ، ثُمَّ بَسْطُهَا وَشَرْحُهَا لَهُ مَقَامٌ آخَرُ، إِذْ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحُجَّةِ فِيمَا يُنْفَى عَنِ الرَّبِّ، وَيُنَزَّهُ عَنْهُ - كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ - خَطَأٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ طُرُقِ النَّفْيِ الْبَاطِلَةِ.

فَصْلٌ

[الِاحْتِجَاجُ عَلَى نَفْيِ النَّقَائِصِ بِنَفْيِ التَّجْسِيمِ أَوِ التَّحَيُّزِ لَا يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ لِوُجُوهٍ:]

وَأَفْسَدُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَسْلُكُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ أَوْ بَعْضِهَا، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُنَزِّهُوهُ عَمَّا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ مِمَّا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ، مِثْلَ أَنْ يُرِيدُوا تَنْزِيهَهُ عَنِ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيُرِيدُونَ الرَّدَّ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمِدَ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ بِإِلَهِيَّةِ بَعْضِ الْبَشَرِ، وَأَنَّهُ اللهُ.

فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَحْتَجُّ عَلَى هَؤُلَاءِ بِنَفْيِ التَّجْسِيمِ أَوِ التَّحَيُّزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: لَوِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ لَكَانَ جِسْمًا أَوْ مُتَحَيِّزًا، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.

وَبِسُلُوكِهِمْ مِثْلَ هَذِهِ الطَّرِيقِ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهِمُ الْمَلَاحِدَةُ، نُفَاةُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ لَا يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ لِوُجُوهٍ:

أَحَدُهَا - أَنَّ وَصْفَ اللهِ تَعَالَى بِهَذِهِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ أَظْهَرُ فَسَادًا فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ مِنْ نَفْيِ التَّحَيُّزِ وَالتَّجْسِيمِ، فَإِنَّ هَذَا فِيهِ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَالنِّزَاعِ وَالْخَفَاءِ مَا لَيْسَ فِي ذَلِكَ، وَكُفْرُ صَاحِبِ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالدَّلِيلُ مُعَرِّفٌ لِلْمَدْلُولِ، وَمُبَيِّنٌ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى الْأَظْهَرِ الْأَبْيَنِ بِالْأَخْفَى، كَمَا لَا يُفْعَلُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَصِفُونَهُ بِهَذِهِ الْآفَاتِ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: نَحْنُ لَا نَقُولُ بِالتَّجْسِيمِ وَالتَّحَيُّزِ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ وَيَنْفِي التَّجْسِيمَ، فَيَصِيرُ نِزَاعُهُمْ مِثْلَ نِزَاعِ مُثْبِتَةِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَيَصِيرُ كَلَامُ مَنْ وَصَفَ اللهَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَصِفَاتِ النَّقْصِ وَاحِدًا، وَيَبْقَى رَدُّ النُّفَاةِ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.

الثَّالِثُ - أَنَّ هَؤُلَاءِ يَنْفُونَ صِفَاتِ الْكَمَالِ بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَاتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَاجِبٌ، ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ.

الرَّابِعُ - أَنَّ سَالِكِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مُتَنَاقِضُونَ، فَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا مِنْهُمْ أَلْزَمَهُ الْآخَرُ بِمَا يُوَافِقُهُ فِيهِ مِنَ الْإِثْبَاتِ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَنْ نَفَى شَيْئًا مِنْهُمْ أَلْزَمَهُ الْآخَرُ بِمَا يُوَافِقُهُ فِيهِ مِنَ النَّفْيِ، فَمُثْبِتَةُ الصِّفَاتِ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، إِذَا قَالَتْ لَهُمُ النُّفَاةُ كَالْمُعْتَزِلَةِ: هَذَا تَجْسِيمٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ، وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ إِلَّا بِالْجِسْمِ، فَإِنَّا لَا نَعْرِفُ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ إِلَّا جِسْمًا - قَالَتْ لَهُمُ الْمُثْبِتَةُ: وَأَنْتُمْ قَدْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَقُلْتُمْ: لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَوْجُودًا حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا إِلَّا جِسْمًا، فَقَدْ أَثْبَتُّمُوهُ عَلَى خِلَافِ مَا عَلِمْتُمْ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ، وَقَالُوا لَهُمْ: أَنْتُمْ أَثْبَتُّمْ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا، بِلَا حَيَاةٍ وَلَا عِلْمٍ وَلَا قُدْرَةٍ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ يُعْلَمُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ.

ثُمَّ هَؤُلَاءِ الْمُثْبِتَةُ إِذَا قَالُوا لِمَنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ يَرْضَى وَيَغْضَبُ وَيُحِبُّ وَيُبْغِضُ، أَوْ مَنْ وَصَفَهُ بِالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ، أَوْ بِالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - إِذَا قَالُوا: هَذَا يَقْتَضِي التَّجْسِيمَ، لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ مَا يُوصَفُ بِذَلِكَ إِلَّا مَا هُوَ جِسْمٌ، قَالَتْ لَهُمُ الْمُثْبِتَةُ: فَأَنْتُمْ قَدْ وَصَفْتُمُوهُ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ، وَهَذَا هَكَذَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يُوصَفُ بِهِ إِلَّا الْجِسْمُ فَالْآخَرُ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُوصَفَ بِأَحَدِهِمَا مَا لَيْسَ بِجِسْمٍ فَالْآخَرُ كَذَلِكَ، فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.

وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ وَصَفَ اللهَ تَعَالَى بِالنَّقَائِصِ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ طَرِيقًا فَاسِدًا - لَمْ يَسْلُكْهُ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، فَلَمْ يَنْطِقْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى بِالْجِسْمِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَلَا بِالْجَوْهَرِ وَالتَّحَيُّزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَاتٌ مُجْمَلَةٌ لَا تُحِقُّ حَقًّا وَلَا تُبْطِلُ بَاطِلًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهُ فِي كِتَابِهِ فِيمَا أَنْكَرَهُ عَلَى الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، مَا هُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، بَلْ هَذَا هُوَ مِنَ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ، الَّذِي أَنْكَرَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ.

فَصْلٌ

[خَطَأُ الِاكْتِفَاءِ فِي الْإِثْبَاتِ بِمُجَرَّدِ نَفْيِ التَّشْبِيهِ فِيمَا يُثْبَتُ]

وَأَمَّا فِي طُرُقِ الْإِثْبَاتِ فَمَعْلُومٌ أَيْضًا أَنَّ الْمُثْبِتَ لَا يَكْفِي فِي إِثْبَاتِهِ مُجَرَّدُ نَفْيِ التَّشْبِيهِ، إِذْ لَوْ كَفَى فِي إِثْبَاتِهِ مُجَرَّدُ نَفْيِ التَّشْبِيهِ لَجَازَ أَنْ يُوصَفَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْأَفْعَالِ بِمَا لَا يَكَادُ يُحْصَى مِمَّا هُوَ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ، وَأَنْ يُوصَفَ بِالنَّقَائِصِ الَّتِي لَا تَجُوزُ عَلَيْهِ مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ، كَمَا لَوْ وَصَفَهُ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ بِالْبُكَاءِ وَالْحُزْنِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ الْمُفْتَرِي: يَأْكُلُ لَا كَأَكْلِ الْعِبَادِ، وَيَشْرَبُ لَا كَشُرْبِهِمْ، وَيَبْكِي وَيَحْزَنُ لَا كَبُكَائِهِمْ وَلَاحُزْنِهِمْ، كَمَا يُقَالُ: يَضْحَكُ لَا كَضَحِكِهِمْ، وَيَفْرَحُ لَا كَفَرَحِهِمْ، وَيَتَكَلَّمُ لَا كَكَلَامِهِمْ، وَلَجَازَ أَنْ يُقَالَ: لَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ لَا كَأَعْضَائِهِمْ، كَمَا قِيلَ: لَهُ وَجْهٌ لَا كَوُجُوهِهِمْ، وَيَدَانِ لَا كَأَيْدِيهِمْ، حَتَّى يَذْكُرَ الْمَعِدَةَ وَالْأَمْعَاءَ وَالذَّكَرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَالَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

فَإِنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ نَفَى ذَلِكَ مَعَ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا أَثْبَتَّهُ، إِذَا نَفَيْتَ التَّشْبِيهَ، وَجَعَلْتَ مُجَرَّدَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ كَافِيًا فِي الْإِثْبَاتِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ فَرْقٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

[خَطَأُ الِاعْتِمَادِ فِي النَّفْيِ عَلَى عَدَمِ مَجِيءِ السَّمْعِ]

فَإِنْ قَالَ: الْعُمْدَةُ فِي الْفَرْقِ هُوَ السَّمْعُ، فَمَا جَاءَ السَّمْعُ بِهِ أَثْبَتُّهُ، دُونَ مَا لَمْ يَجِئْ بِهِ السَّمْعُ.

قِيلَ لَهُ: أَوَّلًا السَّمْعُ هُوَ خَبَرُ الصَّادِقِ عَمَّا هُوَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، فَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ فَهُوَ حَقٌّ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، وَالْخَبَرُ دَلِيلٌ عَلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَالدَّلِيلُ لَا يَنْعَكِسُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، فَمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ السَّمْعُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ السَّمْعُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ نَفَاهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّمْعَ لَمْ يَنْفِ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ بِأَسْمَائِهَا الْخَاصَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا يَنْفِيهَا مِنَ السَّمْعِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ نَفْيُهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهَا.

وَأَيْضًا، فَلَا بُدَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ مَا يُثْبَتُ لَهُ وَيُنْفَى عَنْهُ، فَإِنَّ الْأُمُورَ الْمُتَمَاثِلَةَ فِي الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ وَالِامْتِنَاعِ يَمْتَنِعُ اخْتِصَاصُ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ بِالْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ وَالِامْتِنَاعِ، فَلَا بُدَّ مِنِ اخْتِصَاصِ الْمَنْفِيِّ عَنِ الْمُثْبَتِ بِمَا يَخُصُّهُ بِالنَّفْيِ، وَلَا بُدَّ مِنِ اخْتِصَاصِ الثَّابِتِ عَنِ الْمَنْفِيِّ بِمَا يَخُصُّهُ بِالثُّبُوتِ.

وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ يُوجِبُ نَفْيَ مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ يُثْبِتُ لَهُ مَا هُوَ ثَابِتٌ، وَإِنْ كَانَ السَّمْعُ كَافِيًا كَانَ مُخْبِرًا عَمَّا هُوَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، فَمَا الْفَرْقُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؟

[السَّمْعُ وَالْعَقْلُ يُثْبِتَانِ لِلَّهِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَنْفِيَانِ عَنْهُ:

١- مَا ضَادَّ صِفَاتِ كَمَالِهِ]

فَيُقَالُ: كُلُّ مَا نَافَى صِفَاتِ الْكَمَالِ الثَّابِتَةَ لِلَّهِ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَإِنَّ ثُبُوتَ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْآخَرِ، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْقِدَمِ - عُلِمَ امْتِنَاعُ الْعَدَمِ وَالْحُدُوثِ عَلَيْهِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ، فَالْمُفْتَقِرُ إِلَى مَا سِوَاهُ فِي بَعْضِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ لَيْسَ هُوَ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ، بَلْ بِنَفْسِهِ وَبِذَلِكَ الْآخَرِ الَّذِي أَعْطَاهُ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، فَلَا يُوجَدُ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَكُلُّ مَا نَافَى غِنَاهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدِيرٌ قَوِيٌّ فَكُلُّ مَا نَافَى قُدْرَتَهُ وَقُوَّتَهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ حَيٌّ قَيُّومٌ فَكُلُّ مَا نَافَى حَيَاتَهُ وَقَيُّومِيَّتَهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ.

[٢- أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ كُفْؤٌ فِي مَخْلُوقَاتِهِ]

وَبِالْجُمْلَةِ فَالسَّمْعُ قَدْ أَثْبَتَ لَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِ الْكَمَالِ مَا قَدْ وَرَدَ، فَكُلُّ مَا ضَادَّ ذَلِكَ فَالسَّمْعُ يَنْفِيهِ، كَمَا يَنْفِي عَنْهُ الْمِثْلَ وَالْكُفْؤَ، فَإِنَّ إِثْبَاتَ الشَّيْءِ نَفْيٌ لِضِدِّهِ وَلِمَا يَسْتَلْزِمُ ضِدَّهُ، وَالْعَقْلُ يَعْرِفُ نَفْيَ ذَلِكَ، كَمَا يَعْرِفُ إِثْبَاتَ ضِدِّهِ، فَإِثْبَاتُ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ نَفْيٌ لِلْآخَرِ وَلِمَا يَسْتَلْزِمُهُ.

فَطُرُقُ الْعِلْمِ بِنَفْيِ مَا يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهُ مُتَّسِعَةٌ، لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مُجَرَّدِ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ كَمَا فَعَلَهُ أَهْلُ الْقُصُورِ وَالتَّقْصِيرِ، الَّذِينَ تَنَاقَضُوا فِي ذَلِكَ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، حَتَّى إِنَّ كُلَّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا احْتَجَّ عَلَيْهِ مَنْ نَفَاهُ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ.

وَكَذَلِكَ احْتَجَّ الْقَرَامِطَةُ عَلَى نَفْيِ جَمِيعِ الْأُمُورِ حَتَّى نَفَوُا النَّفْيَ، فَقَالُوا: لَا يُقَالُ مَوْجُودٌ وَلَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَلَا حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيٍّ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالْمَوْجُودِ أَوِ الْمَعْدُومِ. فَلَزِمَ نَفْيُ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَشْيَاءِ امْتِنَاعًا، ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَلْزَمُهُمْ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْمَعْدُومَاتِ وَالْمُمْتَنِعَاتِ وَالْجَمَادَاتِ أَعْظَمُ مِمَّا فَرُّوا مِنْهُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْأَحْيَاءِ الْكَامِلِينَ، فَطُرُقُ تَنْزِيهِهِ وَتَقْدِيسِهِ عَمَّا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ مُتَّسِعَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى هَذَا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا يُنْفَى عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - يُنْفَى لِتَضَمُّنِ النَّفْيِ الْإِثْبَاتَ، إِذْ مُجَرَّدُ النَّفْيِ لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ، فَإِنَّ الْمَعْدُومَ يُوصَفُ بِالنَّفْيِ، وَالْمَعْدُومُ لَا يُشْبِهُ الْمَوْجُودَ، وَلَيْسَ هَذَا مَدْحًا لَهُ، لِأَنَّ مُشَابَهَةَ النَّاقِصِ فِي صِفَاتِ النَّقْصِ نَقْصٌ مُطْلَقٌ، كَمَا أَنَّ مُمَاثَلَةَ الْمَخْلُوقِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ تَمْثِيلٌ وَتَشْبِيهٌ، يُنَزَّهُ عَنْهُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

وَالنَّقْصُ ضِدُّ الْكَمَالِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ حَيٌّ وَالْمَوْتُ ضِدُّ ذَلِكَ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ النَّوْمُ وَالسِّنَةُ ضِدُّ كَمَالِ الْحَيَاةِ، فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، كَذَلِكَ اللُّغُوبُ نَقْصٌ فِي الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ، وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ فِيهِ افْتِقَارٌ إِلَى مَوْجُودٍ غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالْغَيْرِ وَالِاعْتِضَادَ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الِافْتِقَارَ إِلَيْهِ وَالِاحْتِيَاجَ إِلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْمِلُهُ أَوْ يُعِينُهُ عَلَى قِيَامِ ذَاتِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ لَيْسَ مُسْتَغْنِيًا بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ مَنْ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَالْآكِلُ وَالشَّارِبُ أَجْوَفُ، وَالْمُصْمَتُ الصَّمَدُ أَكْمَلُ مِنَ الْآكِلِ الشَّارِبِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ صُمْدًا لَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِمَخْلُوقٍ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِهِ، وَكُلَّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ مَخْلُوقٌ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ذَلِكَ. وَالسَّمْعُ قَدْ نَفَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وَالصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ. وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ نَسَبُ الرَّحْمَنِ، وَهِيَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فَجَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.

وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ وَنَحْوُ ذَلِكَ هِيَ أَعْضَاءُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَالْغَنِيُّ الْمُنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ مُنَزَّهٌ عَنْ آلَاتِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْيَدِ فَإِنَّهَا لِلْعَمَلِ وَالْفِعْلِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْصُوفٌ بِالْعَمَلِ وَالْفِعْلِ، إِذْ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَمَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْفِعْلِ.

وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَعَنْ آلَاتِ ذَلِكَ وَأَسْبَابِهِ، وَكَذَلِكَ الْبُكَاءُ وَالْحُزْنُ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلضَّعْفِ وَالْعَجْزِ، الَّذِي يُنَزَّهُ اللهُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْفَرَحِ وَالْغَضَبِ فَإِنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَكَمَا يُوصَفُ بِالْقُدْرَةِ دُونَ الْعَجْزِ، وَبِالْعِلْمِ دُونَ الْجَهْلِ، وَبِالْحَيَاةِ دُونَ الْمَوْتِ، وَبِالسَّمْعِ دُونَ الصَّمَمِ، وَبِالْبَصَرِ دُونَ الْعَمَى، وَبِالْكَلَامِ دُونَ الْبَكَمِ - فَكَذَلِكَ يُوصَفُ بِالْفَرَحِ دُونَ الْحُزْنِ، وَبِالضَّحِكِ دُونَ الْبُكَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالْعَقْلِ مَا أَثْبَتَهُ السَّمْعُ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا كُفْؤَ لَهُ، وَلَا سَمِيَّ لَهُ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَتُهُ كَحَقِيقَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا حَقِيقَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ كَحَقِيقَةِ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ، لَا الْمَلَائِكَةِ وَلَا السَّمَوَاتِ وَلَا الْكَوَاكِبِ، وَلَا الْهَوَاءِ وَلَا الْمَاءِ وَلَا الْأَرْضِ، وَلَا الْآدَمِيِّينَ وَلَا أَبْدَانِهِمْ وَلَا أَنْفُسِهِمْ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ يُعْلَمُ أَنَّ حَقِيقَتَهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ أَبْعَدُ مِنْ سَائِرِ الْحَقَائِقِ، وَأَنَّ مُمَاثَلَتَهُ لِشَيْءٍ مِنْهَا أَبْعَدُ مِنْ مُمَاثَلَةِ حَقِيقَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لِحَقِيقَةِ مَخْلُوقٍ آخَرَ.

فَإِنَّ الْحَقِيقَتَيْنِ إِذَا تَمَاثَلَتَا جَازَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا يَجُوزُ عَلَى الْأُخْرَى، وَوَجَبَ لَهَا مَا وَجَبَ لَهَا، وَامْتَنَعَ عَلَيْهَا مَا امْتَنَعَ عَلَيْهَا فَيَلْزَمُ أَنْ يَجُوزَ عَلَى الْخَالِقِ الْقَدِيمِ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ مِنَ الْعَدَمِ وَالْحَاجَةِ، وَأَنْ يَثْبُتَ لِهَذَا مَا يَثْبُتُ لِذَاكَ مِنَ الْوُجُوبِ وَالْغِنَى، فَيَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ، مَوْجُودًا مَعْدُومًا، وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.

وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ بُطْلَانُ قَوْلِ الْمُشَبِّهَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: بَصَرٌ كَبَصَرِي، وَيَدٌ كَيَدِي وَنَحْوَ ذَلِكَ، تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.

[نَتِيجَةُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ]

وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا اسْتِيفَاءَ مَا يَثْبُتُ لَهُ، وَمَا يُنَزَّهُ عَنْهُ، وَاسْتِيفَاءَ طُرُقِ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى جَوَامِعِ ذَلِكَ وَطُرُقِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ السَّمْعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْلِ مَا يُثْبِتُهُ وَلَا يَنْفِيهِ سَكَتْنَا عَنْهُ فَلَا نُثْبِتُهُ وَلَا نَنْفِيهِ، فَنُثْبِتُ مَا عَلِمْنَا ثُبُوتَهُ، وَنَنْفِي مَا عَلِمْنَا نَفْيَهُ، وَنَسْكُتُ عَمَّا لَا نَعْلَمُ نَفْيَهُ وَلَا إِثْبَاتَهُ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ - دَلَالَةُ الْعَقْلِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ]

الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ - أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كَثِيرًا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَيْضًا، وَالْقُرْآنُ يُبَيِّنُ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ الْعَقْلُ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ، كَمَا ذَكَرَ اللهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعِلْمِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مَا أَرْشَدَ الْعِبَادَ إِلَيْهِ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا بَيَّنَ أَيْضًا مَا دَلَّ عَلَى نُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ، وَمَا دَلَّ عَلَى الْمَعَادِ وَإِمْكَانِهِ.

فَهَذِهِ الْمَطَالِبُ هِيَ شَرْعِيَّةٌ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشَّارِعَ أَخْبَرَ بِهَا، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بَيَّنَ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهَا.

- وَالْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ فِي الْقُرْآنِ هِيَ أَقْيِسَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ -

وَهِيَ أَيْضًا عَقْلِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَيْضًا.

[فَسَادُ دَلَائِلِ الْمُتَكَلِّمِينَ]

وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يُسَمِّي هَذِهِ «الْأُصُولَ الْعَقْلِيَّةَ» لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْعَقْلِ فَقَطْ؛ فَإِنَّ السَّمْعَ هُوَ مُجَرَّدُ إِخْبَارِ الصَّادِقِ وَخَبَرُ الصَّادِقِ - الَّذِي هُوَ النَّبِيُّ - لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأُصُولِ بِالْعَقْلِ.

ثُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْأُصُولِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ عَلَيْهَا:

فَطَائِفَةٌ تَزْعُمُ أَنَّ تَحْسِينَ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحَهُ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَيَجْعَلُونَ التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ مِمَّا يَنْفِيهِ الْعَقْلُ.

وَطَائِفَةٌ تَزْعُمُ أَنَّ حُدُوثَ الْعَالَمِ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ بِالصَّانِعِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ حُدُوثِهِ، وَإِثْبَاتُ حُدُوثِهِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَحُدُوثُهَا يُعْلَمُ إِمَّا بِحُدُوثِ الصِّفَاتِ، وَإِمَّا بِحُدُوثِ الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهَا، فَيَجْعَلُونَ نَفْيَ أَفْعَالِ الرَّبِّ، وَنَفْيَ صِفَاتِهِ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ إِلَّا بِهَا.

ثُمَّ هَؤُلَاءِ لَا يَقْبَلُونَ الِاسْتِدْلَالَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ، لِظَنِّهِمْ أَنَّ الْعَقْلَ عَارَضَ السَّمْعَ - وَهُوَ أَصْلُهُ - فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ، وَالسَّمْعُ إِمَّا أَنْ يُؤَوَّلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفَوَّضَ.

وَهُمْ أَيْضًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا يَقْبَلُونَ الِاسْتِدْلَالَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وَفْقِ قَوْلِهِمْ، لِمَا تَقَدَّمَ.

وَهَؤُلَاءِ يَضِلُّونَ مِنْ وُجُوهٍ:

مِنْهَا ظَنُّهُمْ أَنَّ السَّمْعَ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ تَارَةً، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الْقُرْآنُ بَيَّنَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي تُعْلَمُ بِهَا الْمَطَالِبُ الدِّينِيَّةُ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ النَّظَرِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْمَطَالِبُ شَرْعِيَّةً عَقْلِيَّةً.

وَمِنْهَا ظَنُّهُمْ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ إِلَّا بِالطَّرِيقِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي سَلَكُوهَا، وَهُمْ مُخْطِئُونَ قَطْعًا فِي انْحِصَارِ طَرِيقِ تَصْدِيقِهِ فِيمَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّ طُرُقَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ كَثِيرَةٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَمِنْهَا ظَنُّهُمْ أَنَّ تِلْكَ الطَّرِيقَ الَّتِي سَلَكُوهَا صَحِيحَةٌ، وَقَدْ تَكُونُ بَاطِلَةً.

وَمِنْهَا ظَنُّهُمْ أَنَّ مَا عَارَضُوا بِهِ السَّمْعَ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ، وَيَكُونُونَ غَالِطِينَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِذَا وُزِنَ بِالْمِيزَانِ الصَّحِيحِ وُجِدَ مَا يُعَارِضُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مِنَ الْمَجْهُولَاتِ لَا مِنَ الْمَعْقُولَاتِ، وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

[مِنْ صِفَاتِ اللهِ مَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ]

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى مَا قَدْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، كَمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَالِمٌ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ، وَأَنَّهُ حَيٌّ، كَمَا أَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ .

وَقَدِ اتَّفَقَ النُّظَّارُ مِنْ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ عَلَى أَنَّهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ - عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ - أَنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ مُرِيدٌ، وَكَذَلِكَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ يَثْبُتُ بِالْعَقْلِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ.

بَلْ وَكَذَلِكَ الْحُبُّ وَالرِّضَا وَالْغَضَبُ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالْعَقْلِ.

وَكَذَلِكَ عُلُوُّهُ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ وَمُبَايَنَتُهُ لَهَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، كَمَا أَثْبَتَتْهُ بِذَلِكَ الْأَئِمَّةُ مِثْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ، وَمِثْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيِّ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ.

بَلْ وَكَذَلِكَ إِمْكَانُ الرُّؤْيَةِ يَثْبُتُ بِالْعَقْلِ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهَا بِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ تَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهَا بِأَنَّ كُلَّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ تُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَصَحُّ مِنْ تِلْكَ.

وَقَدْ يُمْكِنُ إِثْبَاتُ الرُّؤْيَةِ بِغَيْرِ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ، بِتَقْسِيمٍ دَائِرٍ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَتَوَقَّفُ إِلَّا عَلَى أُمُورٍ وُجُودِيَّةٍ، فَإِنَّ مَا لَا يَتَوَقَّفُ إِلَّا عَلَى أُمُورٍ وُجُودِيَّةٍ يَكُونُ الْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ الْقَدِيمُ أَحَقَّ بِهِ مِنَ الْمُمْكِنِ الْمُحْدَثِ. وَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

[مِنَ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ لَمْ يُوصَفْ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ الْمُتَقَابِلَتَيْنِ لَلَزِمَ وَصْفُهُ بِالْأُخْرَى]

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي يَسْلُكُهَا الْأَئِمَّةُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ نُظَّارِ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ الْمُتَقَابِلَتَيْنِ لَلَزِمَ اتِّصَافُهُ بِالْأُخْرَى، فَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِالْحَيَاةِ لَوُصِفَ بِالْمَوْتِ، وَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِالْقُدْرَةِ لَوُصِفَ بِالْعَجْزِ، وَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ لَوُصِفَ بِالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ وَالْبَكَمِ.

وَطَرْدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصَفْ بِأَنَّهُ مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ لَكَانَ دَاخِلًا فِيهِ، فَسَلْبُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ الْمُتَقَابِلَتَيْنِ عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأُخْرَى، وَتِلْكَ صِفَةُ نَقْصٍ يُنَزَّهُ عَنْهَا الْكَامِلُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَتَنْزِيهُ الْخَالِقِ عَنْهَا أَوْلَى.

[طَرِيقَةٌ أُخْرَى فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ]

وَهَذِهِ الطَّرِيقُ غَيْرُ قَوْلِنَا: إِنَّ هَذِهِ صِفَاتُ كَمَالٍ يَتَّصِفُ بِهَا الْمَخْلُوقُ فَالْخَالِقُ أَوْلَى، فَإِنَّ طَرِيقَ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ بِأَنْفُسِهَا مُغَايِرٌ لِطَرِيقِ إِثْبَاتِهَا بِنَفْيِ مَا يُنَاقِضُهَا.

[اعْتِرَاضٌ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى]

وَقَدِ اعْتَرَضَ طَائِفَةٌ مِنَ النُّفَاةِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِاعْتِرَاضٍ مَشْهُورٍ لَبَسُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى صَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ يَظُنُّ صِحَّتَهُ وَيُضَعِّفُ الْإِثْبَاتَ بِهِ، مِثْلَ مَا فَعَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ النُّظَّارِ حَتَّى الْآمِدِيُّ وَأَمْثَالُهُ، مَعَ أَنَّهُ أَصْلُ قَوْلِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ.

فَقَالُوا: «الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ، مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا لَكَانَ مُتَّصِفًا بِمَا يُقَابِلُهَا - فَالتَّحْقِيقُ فِيهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الْمُتَقَابِلَيْنِ وَبَيَانِ أَقْسَامِهِمَا.

فَنَقُولُ: أَمَّا الْمُتَقَابِلَانِ فَمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ لَا يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الصِّدْقِ وَلَا فِي الْكَذِبِ، أَوْ يَصِحَّ ذَلِكَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ.

فَالْأَوَّلُ هُمَا الْمُتَقَابِلَانِ بِالسَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، وَهُوَ تَقَابُلُ التَّنَاقُضِ، وَالتَّنَاقُضُ هُوَ اخْتِلَافُ الْقَضِيَّتَيْنِ بِالسَّلْبِ وَالْإِيجَابِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الصِّدْقِ وَلَا فِي الْكَذِبِ لِذَاتَيْهِمَا كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ حَيَوَانٌ، زَيْدٌ لَيْسَ بِحَيَوَانٍ، وَمِنْ خَاصِّيَّتِهِ اسْتِحَالَةُ اجْتِمَاعِ طَرَفَيْهِ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَلَا اسْتِحَالَةَ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ إِلَى الْآخَرِ.

.. مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الصِّدْقِ وَلَا فِي الْكَذِبِ، إِذْ كَوْنُ الْمَوْجُودِ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ وَمُمْكِنًا بِنَفْسِهِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ.

فَإِذَا جَعَلْتُمْ هَذَا التَّقْسِيمَ، وَهُمَا النَّقِيضَانِ مَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ، فَهَذَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ، وَلَيْسَ هُمَا السَّلْبَ وَالْإِيجَابَ، فَلَا يَصِحُّ حَصْرُ النَّقِيضَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ فِي السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ.

وَحِينَئِذٍ فَقَدْ ثَبَتَ وَصْفَانِ: شَيْئَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ.

وَعَلَى هَذَا فَمَنْ جَعَلَ الْمَوْتَ مَعْنًى وُجُودِيًّا فَقَدْ يَقُولُ: إِنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ لَا يَخْلُو مِنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ وَالْجَهْلُ، وَالصَّمَمُ، وَالْبَكَمُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.

الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنْ يُقَالَ: هَذَا التَّقْسِيمُ يَتَدَاخَلُ، فَإِنَّ الْعَدَمَ وَالْمَلَكَةَ يَدْخُلُ فِي السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ، وَالْمُتَضَايِفَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْمُتَضَادَّيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعٌ مِنْهُ.

فَإِنْ قَالَ: أَعْنِي بِالسَّلْبِ وَالْإِيجَابِ مَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْعَدَمُ وَالْمَلَكَةُ، وَهُوَ أَنْ يُسْلَبَ عَنِ الشَّيْءِ مَا لَيْسَ بِقَابِلٍ لَهُ، وَلِهَذَا جُعِلَ مِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّهُ لَا اسْتِحَالَةَ لِأَحَدِ طَرَفَيْهِ إِلَى الْآخَرِ.

قِيلَ لَهُ: عَنْ هَذَا جَوَابَانِ:

أَحَدُهُمَا - أَنَّ غَايَةَ هَذَا أَنَّ السَّلْبَ يَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: سَلْبُ مَا يُمْكِنُ اتِّصَافُ الشَّيْءِ بِهِ، وَالثَّانِي: سَلْبُ مَا لَا يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِهِ.

وَيُقَابِلُ الْأَوَّلَ إِثْبَاتُ مَا يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ وَلَا يَجِبُ، وَالثَّانِيَ إِثْبَاتُ مَا يَجِبُ اتِّصَافُهُ بِهِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ سَلْبَ الْمُمْتَنِعِ وَإِثْبَاتَ الْوَاجِبِ، كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ حَيَوَانٌ، فَإِنَّ هَذَا إِثْبَاتٌ وَاجِبٌ، وَزَيْدٌ لَيْسَ بِحَجَرٍ، فَإِنَّ هَذَا سَلْبٌ مُمْتَنِعٌ.

وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَالْمُمْكِنَاتُ الَّتِي تَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، كَقَوْلِنَا: الْمُثَلَّثُ إِمَّا مَوْجُودٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ، يَكُونُ مِنْ قِسْمِ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْقِسْمَ يَخْلُو فِيهِ الْمَوْصُوفُ الْوَاحِدُ عَنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ جَمِيعًا، وَلَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ عَنِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَصِفَاتُ الرَّبِّ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ لَهُ، فَإِذَا قِيلَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَيًّا أَوْ عَلِيمًا أَوْ سَمِيعًا أَوْ بَصِيرًا أَوْ مُتَكَلِّمًا، أَوْ لَا يَكُونَ - كَانَ مِثْلَ قَوْلِنَا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ، وَهَذَا مُتَقَابِلٌ تَقَابُلَ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، فَيَكُونُ الْآخَرُ مِثْلَهُ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ.

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَا يَصِحُّ حَتَّى يُعْلَمَ إِمْكَانُ قَبُولِهِ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ.

قِيلَ لَهُ: هَذَا إِنَّمَا اشْتُرِطَ فِيمَا أَمْكَنَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ وَيَزُولَ كَالْحَيَوَانِ، فَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالَى فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا لَهُ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِهَا وَبِعَدَمِهَا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ تَارَةً حَيًّا وَتَارَةً مَيِّتًا، وَتَارَةً أَصَمَّ وَتَارَةً سَمِيعًا، وَهَذَا يُوجِبُ اتِّصَافَهُ بِالنَّقَائِصِ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ قَطْعًا.

بِخِلَافِ مَنْ نَفَاهَا، وَقَالَ: إِنَّ نَفْيَهَا لَيْسَ بِنَقْصٍ، لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِهَا، فَإِنَّ مَنْ قَالَ هَذَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ مَعَ إِمْكَانِ الِاتِّصَافِ بِهَا لَا يَكُونُ نَفْيُهَا نَقْصًا. فَإِنَّ فَسَادَ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ.

وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا: أَنْتَ فِي تَقَابُلِ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، إِنِ اشْتَرَطْتَ الْعِلْمَ بِإِمْكَانِ الطَّرَفَيْنِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ تَقُولَ: وَاجِبُ الْوُجُودِ إِمَّا مَوْجُودٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ، وَالْمُمْتَنِعُ الْوُجُودِ إِمَّا مَوْجُودٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ، لِأَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ هُنَا مَعْلُومُ الْوُجُودِ، وَالْآخَرَ مَعْلُومُ الِامْتِنَاعِ.

وَإِنِ اشْتَرَطْتَ الْعِلْمَ بِإِمْكَانِ أَحَدِهِمَا صَحَّ أَنْ تَقُولَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَيًّا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ، لِأَنَّ النَّفْيَ إِنْ كَانَ مُمْكِنًا صَحَّ التَّقْسِيمُ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا كَانَ الْإِثْبَاتُ وَاجِبًا، وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ.

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُفِيدُ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ يُقَابِلُ السَّلْبَ وَالْإِيجَابَ وَنَحْنُ نُسَلِّمُ ذَلِكَ، كَمَا ذُكِرَ فِي الِاعْتِرَاضِ، لَكِنْ غَايَتُهُ أَنَّهُ إِمَّا سَمِيعٌ وَإِمَّا لَيْسَ بِسَمِيعٍ، وَإِمَّا بَصِيرٌ وَإِمَّا لَيْسَ بِبَصِيرٍ، وَالْمُنَازِعُ يَخْتَارُ النَّفْيَ.

فَيُقَالُ لَهُ: عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالْمُثْبَتُ وَاجِبٌ، وَالْمَسْلُوبُ مُمْتَنِعٌ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَاجِبَةً لَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُمْتَنِعَةً عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ بِالِامْتِنَاعِ لَا وَجْهَ لَهُ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ.

بَلْ قَدْ يُقَالُ: نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ بُطْلَانَ الِامْتِنَاعِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ إِلَّا بِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إِبْطَالِ أَصْلِ الصِّفَاتِ، وَقَدْ عُلِمَ فَسَادُ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ طَرِيقَةً مُسْتَقِلَّةً فِي إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ، فَإِنَّهَا إِمَّا وَاجِبَةٌ لَهُ، وَإِمَّا مُمْتَنِعَةٌ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ كَوْنَهُ قَابِلًا لَهَا خَالِيًا عَنْهَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِمَنْ سَلَكَهَا مِنَ النُّظَّارِ.

الْجَوَابُ الثَّانِي - أَنْ يُقَالَ: فَعَلَى هَذَا إِذَا قُلْنَا: زَيْدٌ إِمَّا عَاقِلٌ وَإِمَّا غَيْرُ عَاقِلٍ، وَإِمَّا عَالِمٌ وَإِمَّا لَيْسَ بِعَالِمٍ، وَإِمَّا حَيٌّ وَإِمَّا غَيْرُ حَيٍّ، وَإِمَّا نَاطِقٌ وَإِمَّا غَيْرُ نَاطِقٍ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ سَلْبُ الصِّفَةِ عَنْ مَحَلٍّ قَابِلٍ لَهَا، لَمْ يَكُنْ هَذَا دَاخِلًا فِي قِسْمِ تَقَابُلِ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ، وَخِلَافُ اتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَخِلَافُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمَنْطِقِ وَغَيْرِهِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْقَضَايَا تَتَنَاقَضُ بِالسَّلْبِ وَالْإِيجَابِ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ إِحْدَاهُمَا كَذِبُ الْأُخْرَى، فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَهَذِهِ شُرُوطُ التَّنَاقُضِ مَوْجُودَةٌ فِيهَا.

وَغَايَةُ فَرْقِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: إِذَا قُلْنَا: هُوَ إِمَّا بَصِيرٌ وَإِمَّا لَيْسَ بِبَصِيرٍ، كَانَ إِيجَابًا وَسَلْبًا، وَإِذَا قُلْنَا: إِمَّا بَصِيرٌ وَإِمَّا أَعْمَى، كَانَ مَلَكَةً وَعَدَمًا.

وَهَذَا مُنَازَعَةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَإِلَّا فَالْمَعْنَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاءٌ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ تَقَابُلِ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ فِي حَدِّ ذَلِكَ التَّقَابُلِ: إِنَّهُ لَا اسْتِحَالَةَ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، فَإِنَّ الِاسْتِحَالَةَ هُنَا مُمْكِنَةٌ كَإِمْكَانِهَا إِذَا عُبِّرَ بِلَفْظِ «الْعَمَى» .

الْوَجْهُ الثَّالِثُ - أَنْ يُقَالَ: التَّقْسِيمُ الْحَاصِرُ أَنْ يُقَالَ: الْمُتَقَابِلَانِ إِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا بِالسَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَخْتَلِفَا بِذَلِكَ، بَلْ يَكُونَانِ إِيجَابَيْنِ أَوْ سَلْبَيْنِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ النَّقِيضَانِ، وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ خُلُوُّ الْمَحَلِّ عَنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ، وَالْأَوَّلُ هُمَا الضِّدَّانِ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَالثَّانِي هُمَا فِي مَعْنَى النَّقِيضَيْنِ وَإِنْ كَانَا ثُبُوتَيْنِ كَالْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ، وَالْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ، وَالْقِيَامِ بِالنَّفْسِ وَالْقِيَامِ بِالْغَيْرِ، وَالْمُبَايَنَةِ وَالْمُجَانَبَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ، وَالصَّمَمَ وَالْبَكَمَ وَالسَّمْعَ، لَيْسَ مِمَّا إِذَا خَلَا الْمَوْصُوفُ عَنْهُمَا وُصِفَ بِوَصْفٍ ثَالِثٍ بَيْنَهُمَا كَالْحُمْرَةِ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَوْصُوفَ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا فَإِذَا انْتَفَى تَعَيَّنَ الْآخَرُ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ - الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَنَحْوِهَا، أَنْقَصُ مِنَ الْمَحَلِّ الَّذِي يَقْبَلُ ذَلِكَ وَيَخْلُو عَنْهَا، وَلِهَذَا كَانَ الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ أَنْقَصَ مِنَ الْحَيِّ الْأَعْمَى.

وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ الْبَارِئُ مُنَزَّهًا عَنْ نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَاتِ - مَعَ قَبُولِهِ لَهَا - فَتَنْزِيهُهُ عَنِ امْتِنَاعِ قَبُولِهِ لَهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، إِذْ بِتَقْدِيرِ قَبُولِهِ لَهَا يَمْتَنِعُ مَنْعُ الْمُتَقَابِلَيْنِ، وَاتِّصَافُهُ بِالنَّقَائِصِ مُمْتَنِعٌ، فَيَجِبُ اتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ قَبُولِهِ لَا يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ لَا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَا بِصِفَاتِ النَّقْصِ، وَهَذَا أَشَدُّ امْتِنَاعًا، فَثَبَتَ أَنَّ اتِّصَافَهُ بِذَلِكَ مُمْكِنٌ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ لَهُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْحُسْنِ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ - أَنْ يُقَالَ: أَنْتُمْ جَعَلْتُمْ تَقَابُلَ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ فِيمَا يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِثُبُوتٍ، فَإِنْ عَنَيْتُمْ بِالْإِمْكَانِ الْإِمْكَانَ الْخَارِجِيَّ، وَهُوَ أَنْ يُعْلَمَ ثُبُوتُ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ، كَانَ هَذَا بَاطِلًا مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَلْزَمُكُمْ أَنْ تَكُونَ الْجَامِدَاتُ لَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا لَا حَيَّةٌ وَلَا مَيِّتَةٌ، وَلَا نَاطِقَةٌ وَلَا صَامِتَةٌ، وَهُوَ قَوْلُكُمْ، لَكِنَّ هَذَا اصْطِلَاحٌ مَحْضٌ، وَإِلَّا [فَالْعَرَبُ] يَصِفُونَ هَذِهِ الْجَمَادَاتِ بِالْمَوْتِ وَالصَّمْتِ.

وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ • أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فَهَذَا فِي الْأَصْنَامِ وَهِيَ مِنَ الْجَمَادَاتِ، وَقَدْ وُصِفَتْ بِالْمَوْتِ.

وَالْعَرَبُ تُقَسِّمُ الْأَرْضَ إِلَى الْحَيَوَانِ وَالْمَوَتَانِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْمَوَتَانُ، بِالتَّحْرِيكِ: خِلَافُ الْحَيَوَانِ، يُقَالُ: اشْتَرِ الْمَوَتَانَ وَلَا تَشْتَرِ الْحَيَوَانَ، أَيْ: اشْتَرِ الْأَرَضِينَ وَالدُّورَ، وَلَا تَشْتَرِ الرَّقِيقَ وَالدَّوَابَّ. وَقَالُوا أَيْضًا: الْمَوَاتُ: مَا لَا رُوحَ فِيهِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا إِنَّمَا سُمِّيَ مَوَاتًا بِاعْتِبَارِ قَبُولِهِ لِلْحَيَاةِ، الَّتِي هِيَ إِحْيَاءُ الْأَرْضِ.

قِيلَ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَيَاةَ أَعَمُّ مِنْ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّ الْجَمَادَ يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ إِذَا كَانَ قَابِلًا لِلزَّرْعِ وَالْعِمَارَةِ.

وَالْخَرَسُ ضِدُّ النُّطْقِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَبَنٌ أَخْرَسُ، أَيْ خَاثِرٌ لَا صَوْتَ لَهُ فِي الْإِنَاءِ، وَسَحَابَةٌ خَرْسَاءُ، لَيْسَ فِيهَا رَعْدٌ وَلَا بَرْقٌ، وَعَلَمٌ أَخْرَسُ، إِذَا لَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِي الْجَبَلِ صَوْتُ صَدًى، وَيُقَالُ: كَتِيبَةٌ خَرْسَاءُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ الَّتِي صَمَتَتْ مِنْ كَثْرَةِ الدُّرُوعِ لَيْسَ لَهَا قَعَاقِعُ.

وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ الصَّمْتُ وَالسُّكُوتُ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِهِ الْقَادِرُ عَلَى النُّطْقِ إِذَا تَرَكَهُ، بِخِلَافِ الْخَرَسِ، فَإِنَّهُ عَجْزٌ عَنِ النُّطْقِ، وَمَعَ هَذَا فَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا لَهُ صَامِتٌ وَلَا نَاطِقٌ، فَالصَّامِتُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَالنَّاطِقُ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ، وَالصَّامِتُ مِنَ اللَّبَنِ: الْخَاثِرُ، وَالصَّمُوتُ: الدِّرْعُ الَّتِي إِذَا صُبَّتْ لَمْ يُسْمَعْ لَهَا صَوْتٌ.

وَيَقُولُونَ: دَابَّةٌ عَجْمَاءُ، وَخَرْسَاءُ، لِمَا لَا يَنْطِقُ وَلَا يُمْكِنُ مِنْهُ النُّطْقُ فِي الْعَادَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:

(الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ) .

وَكَذَلِكَ فِي الْعَمَى، تَقُولُ الْعَرَبُ: عَمَى الْمَوْجُ يَعْمِي عَمْيًا إِذَا رَمَى الْقَذَى وَالزَّبَدَ، وَالْأَعْمَيَانِ: السَّيْلُ وَالْجَمَلُ الْهَائِجُ، وَعَمِيَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ إِذَا الْتَبَسَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ .

وَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ قَدْ يُقَالُ فِي بَعْضِهَا: إِنَّهُ عَدَمُ مَا يَقْبَلُ الْمَحَلُّ الِاتِّصَافَ بِهِ كَالصَّوْتِ، وَلَكِنْ فِيهَا مَا لَا يَقْبَلُ كَمَوْتِ الْأَصْنَامِ.

الثَّانِي - أَنَّ الْجَامِدَاتِ يُمْكِنُ اتِّصَافُهَا بِذَلِكَ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ أَنْ يَخْلُقَ فِي الْجَمَادَاتِ حَيَاةً، كَمَا جَعَلَ عَصَى مُوسَى حَيَّةً تَبْلَعُ الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ.

وَإِذَا كَانَ فِي إِمْكَانِ الْعَادَاتِ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ، وَأَنْتُمْ أَيْضًا قَائِلُونَ بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.

وَإِذَا كَانَ الْجَمَادَاتُ يُمْكِنُ اتِّصَافُهَا بِالْحَيَاةِ وَتَوَابِعِ الْحَيَاةِ ثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ يُمْكِنُ اتِّصَافُهَا بِذَلِكَ، فَيَكُونُ الْخَالِقُ أَوْلَى بِهَذَا الْإِمْكَانِ.

وَإِنْ عَنَيْتُمُ الْإِمْكَانَ الذِّهْنِيَّ، وَهُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ فَهَذَا حَاصِلٌ فِي حَقِّ اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ امْتِنَاعُ اتِّصَافِهِ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ.

الْوَجْهُ السَّادِسُ - أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ بِالْإِمْكَانِ الْخَارِجِيِّ، فَإِمْكَانُ الْوَصْفِ لِلشَّيْءِ يُعْلَمُ تَارَةً بِوُجُودِهِ لَهُ، أَوْ بِوُجُودِهِ لِنَظِيرِهِ، أَوْ بِوُجُودِهِ لِمَا هُوَ الشَّيْءُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْكَلَامَ ثَابِتَةٌ لِلْمَوْجُودَاتِ الْمَخْلُوقَةِ، وَمُمْكِنَةٌ لَهَا، فَإِمْكَانُهَا لِلْخَالِقِ تَعَالَى أَوْلَى وَأَحْرَى، فَإِنَّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلِاتِّصَافِ بِالصِّفَاتِ، وَإِذَا كَانَتْ مُمْكِنَةً فِي حَقِّهِ فَلَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا لَاتَّصَفَ بِأَضْدَادِهَا.

الْوَجْهُ السَّابِعُ - أَنْ يُقَالَ: مُجَرَّدُ سَلْبِ هَذِهِ الصِّفَاتِ نَقْصٌ لِذَاتِهِ، سَوَاءٌ سُمِّيَتْ عَمًى وَصَمَمًا وَبَكَمًا، أَوْ لَمْ تُسَمَّ، وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، فَإِنَّا إِذَا قَدَّرْنَا مَوْجُودَيْنِ، أَحَدُهُمَا يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَتَكَلَّمُ، وَالْآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ - كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ مِنَ الثَّانِي.

وَلِهَذَا عَابَ اللهُ سُبْحَانَهُ مَنْ عَبَدَ مَا تَنْتَفِي فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ، فَقَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾، وَقَالَ أَيْضًا فِي قِصَّتِهِ: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ • أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ • قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ • قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ • أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ • فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ .

وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى فِي الْعِجْلِ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، فَقَابَلَ بَيْنَ الْأَبْكَمِ الْعَاجِزِ وَبَيْنَ الْآمِرِ بِالْعَدْلِ الَّذِي هُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

فَصْلٌ

[الْأَصْلُ الثَّانِي - تَوْحِيدُ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبُ فِي شَرْعِ اللهِ وَقَدَرِهِ اعْتِقَادًا]

وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي، وَهُوَ التَّوْحِيدُ فِي الْعِبَادَاتِ، الْمُتَضَمِّنُ لِلْإِيمَانِ بِالشَّرْعِ وَالْقَدَرِ جَمِيعًا - فَنَقُولُ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِيمَانِ بِخَلْقِ اللهِ وَأَمْرِهِ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَقَدْ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، وَقَدَّرَ الْمَقَادِيرَ وَكَتَبَهَا حَيْثُ شَاءَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ اللهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) .

وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لِعِبَادَتِهِ، وَبِذَلِكَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ.

[الْعِبَادَةُ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ الذُّلِّ وَالْحُبِّ وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الطَّاعَةِ]

وَعِبَادَتُهُ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ الذُّلِّ لَهُ وَالْحُبِّ لَهُ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ طَاعَتِهِ، وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .

[دِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِسْلَامُ]

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ • وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، فَأَمَرَ الرُّسُلَ بِإِقَامَةِ الدِّينِ وَأَنْ لَا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ) .

وَهَذَا الدِّينُ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللهُ دِينًا غَيْرَهُ، لَا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَلَا مِنَ الْآخِرِينَ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ • فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وَقَالَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ • إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ • وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، وَقَالَ عَنْ مُوسَى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾، وَقَالَ فِي خَبَرِ الْمَسِيحِ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وَقَالَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، وَقَالَ عَنْ بِلْقِيسَ أَنَّهَا قَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

[مَعْنَى الْإِسْلَامِ]

فَالْإِسْلَامُ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِسْلَامَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَمَنِ اسْتَسْلَمَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَانَ مُشْرِكًا، وَمَنْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لَهُ كَانَ مُسْتَكْبِرًا عَنْ عِبَادَتِهِ، وَالْمُشْرِكُ بِهِ وَالْمُسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ كَافِرٌ، وَالِاسْتِسْلَامُ لَهُ وَحْدَهُ يَتَضَمَّنُ عِبَادَتَهُ وَحْدَهُ وَطَاعَتَهُ وَحْدَهُ.

وَهَذَا دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللهُ غَيْرَهُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يُطَاعَ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِذَا أَمَرَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الصَّخْرَةِ، ثُمَّ أَمَرَ ثَانِيًا بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، كَانَ كُلٌّ مِنَ الْفِعْلَيْنِ حِينَ أُمِرَ بِهِ دَاخِلًا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، فَالدِّينُ هُوَ الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ لَهُ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَإِنَّمَا تَنَوَّعَ بَعْضُ صُوَرِ الْفِعْلِ وَهُوَ وِجْهَةُ الْمُصَلِّي، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ دِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَنَوَّعَتِ الشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ وَالْوِجْهَةُ وَالْمَنْسَكُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ وَاحِدًا، كَمَا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ فِي شِرْعَةِ الرَّسُولِ الْوَاحِدِ.

[أَوَّلُ الرُّسُلِ يُبَشِّرُ بِآخِرِهِمْ وَآخِرُهُمْ يُصَدِّقُ بِأَوَّلِهِمْ]

وَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ أَنَّ أَوَّلَهُمْ يُبَشِّرُ بِآخِرِهِمْ وَيُؤْمِنُ بِهِ، وَآخِرَهُمْ يُصَدِّقُ بِأَوَّلِهِمْ وَيُؤْمِنُ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَّتِهِ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ .

[تَلَازُمُ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ]

وَجَعَلَ الْإِيمَانَ بِهِمْ مُتَلَازِمًا، وَكَفَّرَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ آمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا • أُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وَقَدْ قَالَ لَنَا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ • فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فَأَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ آمَنَّا بِهَذَا كُلِّهِ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَمَنْ بَلَغَتْهُ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمْ يُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وَلَا مُؤْمِنًا، بَلْ يَكُونُ كَافِرًا، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ مُؤْمِنٌ.

[كُفْرُ مَنْ بَلَغَتْهُ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَمْ يُقِرَّ بِهَا]

كَمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ قَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فَقَالُوا: لَا نَحُجُّ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .

فَإِنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلَّهِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْإِقْرَارِ بِمَا لَهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ حَجِّ الْبَيْتِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ)، وَلِهَذَا لَمَّا وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَةَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .

[الْإِسْلَامُ خَاصٌّ وَعَامٌّ]

وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أُمَّةِ مُوسَى وَعِيسَى هَلْ هُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ لَا؟ وَهُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ الْخَاصَّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، الْمُتَضَمِّنَ لِشَرِيعَةِ الْقُرْآنِ - لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالْإِسْلَامُ الْيَوْمَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَنَاوَلُ هَذَا، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ الْعَامُّ، الْمُتَنَاوِلُ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ بَعَثَ اللهُ بِهَا نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ إِسْلَامَ كُلِّ أُمَّةٍ مُتَّبِعَةٍ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.

[بَعْثُ الرُّسُلِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى تَوْحِيدِ الْعِبَادَةِ]

وَرَأْسُ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَبِهَا بَعَثَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الْخَلِيلِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ • إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ • وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ • أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ • فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، وَذَكَرَ عَنْ رُسُلِهِ: كَنُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾، وَقَالَ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى • وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَـٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا • هَـٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ.

وَقَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ الشِّرْكَ بِالْمَلَائِكَةِ، وَالشِّرْكَ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَالشِّرْكَ بِالْكَوَاكِبِ، وَالشِّرْكَ بِالْأَصْنَامِ - وَأَصْلُ الشِّرْكِ، الشِّرْكُ بِالشَّيْطَانِ - فَقَالَ عَنِ النَّصَارَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ • مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ • وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، فَبَيَّنَ

أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا كُفْرٌ.

[إِقْرَارُ عَامَّةِ الْمُشْرِكِينَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ]

وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ لَمْ يَزْعُمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ أَوِ الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ شَارَكُوا اللهَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ وَلَا زَعَمَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْعَالَمَ لَهُ صَانِعَانِ مُتَكَافِئَانِ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ وَلَا أَثْبَتَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَهًا مُسَاوِيًا لِلَّهِ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، بَلْ عَامَّةُ الْمُشْرِكِينَ بِاللهِ مُقِرُّونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ شَرِيكُهُ مِثْلَهُ، بَلْ عَامَّتُهُمْ مُقِرُّونَ أَنَّ الشَّرِيكَ مَمْلُوكٌ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَلَكًا أَوْ نَبِيًّا أَوْ كَوْكَبًا أَوْ صَنَمًا، كَمَا كَانَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ، فَقَالَ: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ) .

وَقَدْ ذَكَرَ أَرْبَابُ الْمَقَالَاتِ مَا جَمَعُوا مِنْ مَقَالَاتِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ وَالْآرَاءِ وَالدِّيَانَاتِ، فَلَمْ يَنْقُلُوا عَنْ أَحَدٍ إِثْبَاتَ شَرِيكٍ مُشَارِكٍ لَهُ فِي خَلْقِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا مُمَاثِلٍ لَهُ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، بَلْ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَقَلُوا فِي ذَلِكَ قَوْلُ الثَّنَوِيَّةِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْأَصْلَيْنِ: النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَأَنَّ النُّورَ خَلَقَ الْخَيْرَ، وَالظُّلْمَةَ خَلَقَتِ الشَّرَّ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُمْ فِي الظُّلْمَةِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ، فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ لَهُ، وَالثَّانِي أَنَّهَا قَدِيمَةٌ، لَكِنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ إِلَّا الشَّرَّ، فَكَانَتْ نَاقِصَةً فِي ذَاتِهَا وَصِفَاتِهَا وَمَفْعُولَاتِهَا عَنِ النُّورِ.

وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللهَ خَالِقُ الْمَخْلُوقَاتِ مَا بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ • قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ • قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ .

[تَوْحِيدُ الْمُتَكَلِّمِينَ]

وَبِهَذَا وَغَيْرِهِ يُعْرَفُ مَا وَقَعَ مِنَ الْغَلَطِ فِي مُسَمَّى «التَّوْحِيدِ»، فَإِنَّ عَامَّةَ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يُقَرِّرُونَ التَّوْحِيدَ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ - غَايَتُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا التَّوْحِيدَ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ، فَيَقُولُونَ: هُوَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا قَسِيمَ لَهُ، وَوَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ، وَوَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَرُ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَهُمْ هُوَ الثَّالِثُ: وَهُوَ تَوْحِيدُ الْأَفْعَالِ وَهُوَ أَنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ وَاحِدٌ، وَهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ دَلَالَةِ التَّمَانُعِ وَغَيْرِهَا، وَيَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الْمَطْلُوبُ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، حَتَّى قَدْ يَجْعَلُونَ مَعْنَى الْإِلَهِيَّةِ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ.

[بَيَانُ غَلَطِهِمْ:

١- قَوْلُهُمْ: هُوَ وَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ]

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ أَوَّلًا - لَمْ يَكُونُوا يُخَالِفُونَهُ فِي هَذَا، بَلْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْقَدَرِ أَيْضًا، وَهُمْ مَعَ هَذَا مُشْرِكُونَ.

وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنْ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ مَنْ يُنَازِعُ فِي أَصْلِ هَذَا الشِّرْكِ، وَلَكِنْ غَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ بَعْضَ الْمَوْجُودَاتِ خَلْقًا لِغَيْرِ اللهِ، كَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللهَ خَالِقُ الْعِبَادِ وَخَالِقُ قُدْرَتِهِمْ، وَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُمْ خَالِقُوا أَفْعَالِهِمْ.

وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْفَلْسَفَةِ وَالطَّبْعِ وَالنُّجُومِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ مُبْدِعَةً لِبَعْضِ الْأُمُورِ، فَهُمْ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالصَّانِعِ يَجْعَلُونَ هَذِهِ الْفَاعِلَاتِ مَصْنُوعَةً مَخْلُوقَةً، لَا يَقُولُونَ إِنَّهَا غَنِيَّةٌ عَنِ الْخَالِقِ، مُشَارِكَةٌ لَهُ فِي الْخَلْقِ.

فَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الصَّانِعَ فَذَلِكَ جَاحِدٌ مُعَطِّلٌ لِلصَّانِعِ، كَالْقَوْلِ الَّذِي أَظْهَرَهُ فِرْعَوْنُ، وَالْكَلَامُ الْآنَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِاللهِ الْمُقِرِّينَ بِوُجُودِهِ، فَإِذًا هَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي قَرَّرُوهُ لَا يُنَازِعُهُمْ فِيهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، بَلْ يُقِرُّونَ بِهِ مَعَ أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ، كَمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَكَمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.

[٢- قَوْلُهُمْ: هُوَ وَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ]

وَكَذَلِكَ النَّوْعُ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَا شَبِيهَ لَهُ فِي صِفَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُمَمِ مَنْ أَثْبَتَ قَدِيمًا مُمَاثِلًا لَهُ فِي ذَاتِهِ سَوَاءٌ قَالَ: إِنَّهُ مُشَارِكُهُ، أَوْ قَالَ: إِنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ، بَلْ مَنْ شَبَّهَ بِهِ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَإِنَّمَا يُشَبِّهُهُ بِهِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ.

وَقَدْ عُلِمَ بِالْعَقْلِ امْتِنَاعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، يُشَارِكُهُ فِيمَا يَجِبُ أَوْ يَجُوزُ أَوْ يَمْتَنِعُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعُلِمَ أَيْضًا بِالْعَقْلِ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودَيْنِ قَائِمَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا فَلَا بُدَّ بَيْنَهُمَا مِنْ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ، كَاتِّفَاقِهِمَا فِي مُسَمَّى «الْوُجُودِ» وَ«الْقِيَامِ بِالنَّفْسِ» وَ«الذَّاتِ» وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنَّ نَفْيَ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّعْطِيلَ الْمَحْضَ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.

[التَّوْحِيدُ عِنْدَ أَصْنَافِ الْجَهْمِيَّةِ]

ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَدْرَجُوا نَفْيَ الصِّفَاتِ فِي مُسَمَّى «التَّوْحِيدِ»، فَصَارَ مَنْ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمًا أَوْ قُدْرَةً، أَوْ إِنَّهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، أَوْ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ - يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُشَبِّهٌ لَيْسَ بِمُوَحِّدٍ.

وَزَادَ عَلَيْهِمْ غُلَاةُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةُ وَالْقَرَامِطَةُ فَنَفَوْا أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى، وَقَالُوا: مَنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَهُوَ مُشَبِّهٌ لَيْسَ بِمُوَحِّدٍ.

وَزَادَ غُلَاةُ الْغُلَاةِ، وَقَالُوا: لَا يُوصَفُ بِالنَّفْيِ وَلَا الْإِثْبَاتِ، لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَشْبِيهًا لَهُ.

وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ وَقَعُوا مِنْ جِنْسِ التَّشْبِيهِ فِيمَا هُوَ شَرٌّ مِمَّا فَرُّوا مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ شَبَّهُوهُ بِالْمُمْتَنِعَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ وَالْجَمَادَاتِ فِرَارًا مِنْ تَشْبِيهِهِمْ - بِزَعْمِهِمْ - لَهُ بِالْأَحْيَاءِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةَ لِلَّهِ لَا تَثْبُتُ لَهُ عَلَى حَدِّ مَا يَثْبُتُ لِمَخْلُوقٍ أَصْلًا، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الذَّاتِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي إِثْبَاتِ الذَّاتِ إِثْبَاتُ مُمَاثَلَةٍ لِلذَّوَاتِ لَمْ يَكُنْ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ إِثْبَاتُ مُمَاثَلَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ. فَصَارَ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ يَجْعَلُونَ هَذَا تَوْحِيدًا، وَيَجْعَلُونَ مُقَابِلَ ذَلِكَ التَّشْبِيهَ، وَيُسَمُّونَ نُفُوسَهُمْ «الْمُوَحِّدِينَ» .

[٣- قَوْلُهُمْ: هُوَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا قَسِيمَ لَهُ]

وَكَذَلِكَ النَّوْعُ الثَّالِثُ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: هُوَ وَاحِدٌ لَا قَسِيمَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، أَوْ لَا جُزْءَ لَهُ، أَوْ لَا بَعْضَ لَهُ - لَفْظٌ مُجْمَلٌ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَفَرَّقَ، أَوْ يَتَجَزَّأَ، أَوْ يَكُونَ قَدْ رُكِّبَ مِنْ أَجْزَاءٍ، لَكِنَّهُمْ يُدْرِجُونَ فِي هَذَا اللَّفْظِ نَفْيَ عُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَمُبَايَنَتِهِ لِخَلْقِهِ، وَامْتِيَازِهِ عَنْهُمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْمُسْتَلْزِمَةِ لِنَفْيِهِ وَتَعْطِيلِهِ، وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّوْحِيدِ.

فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا يُسَمُّونَهُ «تَوْحِيدًا» فِيهِ مَا هُوَ حَقٌّ وَفِيهِ مَا هُوَ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ جَمِيعُهُ حَقًّا، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَخْرُجُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللهُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَقَاتَلَهُمْ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَرِفُوا بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.

[مَعْنَى "الْإِلَهِ

وَلَيْسَ الْمُرَادُ «بِالْإِلَهِ» هُوَ الْقَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، كَمَا ظَنَّهُ مَنْ ظَنَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ، حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ الْإِلَهِيَّةَ هِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، وَأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ دُونَ غَيْرِهِ فَقَدْ شَهِدَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُقِرُّونَ بِهَذَا وَهُمْ مُشْرِكُونَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. بَلِ الْإِلَهُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ فَهُوَ إِلَهٌ بِمَعْنَى مَأْلُوهٍ، لَا إِلَهٌ بِمَعْنَى آلِهٍ. وَالتَّوْحِيدُ أَنْ يَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْإِشْرَاكُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ.

[تَوْحِيدُ الصُّوفِيَّةِ]

وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ غَايَةَ مَا يُقَرِّرُهُ هَؤُلَاءِ النُّظَّارُ، أَهْلُ الْإِثْبَاتِ لِلْقَدَرِ، الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى السُّنَّةِ، إِنَّمَا هُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّ اللهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَعَ هَذَا فَالْمُشْرِكُونَ كَانُوا مُقِرِّينَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ - فَكَذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ، الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ، غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ هُوَ شُهُودُ هَذَا التَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ اللهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَخَالِقُهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا غَابَ الْعَارِفُ بِمَوْجُودِهِ عَنْ وُجُودِهِ، وَبِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ، وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَدَخَلَ فِي فَنَاءِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، بِحَيْثُ يَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ، وَيَبْقَى مَنْ لَمْ يَزَلْ. فَهَذَا عِنْدَهُمْ هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي لَا غَايَةَ وَرَاءَهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا هُوَ تَحْقِيقُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَلَا يَصِيرُ الرَّجُلُ بِمُجَرَّدِ هَذَا التَّوْحِيدِ مُسْلِمًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا لِلَّهِ أَوْ مِنْ سَادَاتِ الْأَوْلِيَاءِ.

وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالْمَعْرِفَةِ يُقِرُّونَ هَذَا التَّوْحِيدَ مَعَ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، فَيَفْنَوْنَ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ إِثْبَاتِ الْخَالِقِ لِلْعَالَمِ الْمُبَائِنِ لِمَخْلُوقَاتِهِ.

وَآخَرُونَ يَضُمُّونَ هَذَا إِلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ فَيَدْخُلُونَ فِي التَّعْطِيلِ مَعَ هَذَا. وَهَذَا شَرٌّ مِنْ حَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

[إِشَارَاتٌ إِلَى مَوَاقِعِ بَعْضِ الرِّجَالِ وَالْفِرَقِ وَقُرْبِهَا وَبُعْدِهَا مِنَ الْحَقِّ]

وَكَانَ جَهْمٌ يَنْفِي الصِّفَاتِ، وَيَقُولُ بِالْجَبْرِ، فَهَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِ جَهْمٍ، لَكِنَّهُ إِذَا أَثْبَتَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، فَارَقَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنَّ جَهْمًا وَمَنِ اتَّبَعَهُ يَقُولُ بِالْإِرْجَاءِ، فَيَضْعُفُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عِنْدَهُ.

وَالنَّجَّارِيَّةُ وَالضِّرَارِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ يَقْرُبُونَ مِنْ جَهْمٍ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ، مَعَ مُقَارَبَتِهِمْ لَهُ أَيْضًا فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ.

وَالْكُلَّابِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةَ، وَأَئِمَّتُهُمْ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ فِي الْجُمْلَةِ، كَمَا فُصِّلَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا فِي بَابِ الْقَدَرِ، وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ فَأَقْوَالُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ.

وَالْكُلَّابِيَّةُ هُمْ أَتْبَاعُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ، الَّذِي سَلَكَ الْأَشْعَرِىُّ خَلْفَهُ، وَأَصْحَابُ ابْنِ كُلَّابٍ، كَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَأَبِى الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيِّ وَنَحْوِهِمَا - خَيْرٌ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ فِي هَذَا وَهَذَا، فَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ إِلَى السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَقْرَبَ كَانَ قَوْلُهُ أَعْلَى وَأَفْضَلَ.

وَالْكَرَّامِيَّةُ قَوْلُهُمْ فِي الْإِيمَانِ قَوْلٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، حَيْثُ جَعَلُوا الْإِيمَانَ قَوْلَ اللِّسَانِ، وَانْ كَانَ مَعَ عَدَمِ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ، فَيَجْعَلُونَ الْمُنَافِقَ مُؤْمِنًا، لَكِنَّهُ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، فَخَالَفُوا الْجَمَاعَةَ فِي الِاسْمِ دُونَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَهُمْ أَشْبَهُ مِنْ أَكْثَرِ طَوَائِفِ الْكَلَامِ الَّتِي فِي أَقْوَالِهَا مُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ.

وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ، وَيُقَارِبُونَ قَوْلَ جَهْمٍ، لَكِنَّهُمْ يَنْفُونَ الْقَدَرَ، فَهُمْ وَإِنْ عَظَّمُوا الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، وَغَلَوْ فِيهِ، فَهُمْ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ، فَفِيهِمْ نَوْعٌ مِنَ الشِّرْكِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

وَالْإِقْرَارُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، مَعَ إِنْكَارِ الْقَدَرِ، خَيْرٌ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ مَعَ إِنْكَارِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَنْ يَنْفِي الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، وَكَانَ قَدْ نَبَغَ فِيهِمُ الْقَدَرِيَّةُ، كَمَا نَبَغَ فِيهِمُ الْخَوَارِجُ الْحَرُورِيَّةُ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ مِنَ الْبِدَعِ أَوَّلًا مَا كَانَ أَخَفَّ، وَكُلَّمَا ضَعُفَ مَنْ يَقُومُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ قَوِيَتِ الْبِدْعَةُ.

فَهَؤُلَاءِ الْمُتَصَوِّفُونَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الْحَقِيقَةَ الْكَوْنِيَّةَ، مَعَ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ شَرٌّ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، أُولَئِكَ يُشَبَّهُونَ بِالْمَجُوسِ، وَهَؤُلَاءِ يُشَبَّهُونَ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾، وَالْمُشْرِكُونَ شَرٌّ مِنَ الْمَجُوسِ.

[أَصْلُ الْإِسْلَامِ الشَّهَادَتَانِ]

فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ، عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْرِفَهُ، فَإِنَّهُ أَصْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.

وَقَدْ وَقَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي الْإِخْلَالِ بِحَقِيقَةِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، مَعَ ظَنِّهِ أَنَّهُ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَإِقْرَارُ الْمَرْءِ بِأَنَّ اللهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَخَالِقُهُ لَا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ إِقْرَارُهُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَطَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْكَلَامِ فِي هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ.

[مَعْنَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ]

الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - كَمَا تَقَدَّمَ - بِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا وَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ يَدْعُونَهُمْ وَيَتَّخِذُونَهُمْ شُفَعَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فَأَخْبَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا هَؤُلَاءِ الشُّفَعَاءَ مُشْرِكُونَ، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِ يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ • أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ • إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ • إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ شُفَعَائِهِمْ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ فِيهِمْ شُرَكَاءُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ • قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ .

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ • لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ • يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ • وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا • أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ عُزَيْرًا وَالْمَسِيحَ وَالْمَلَائِكَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ.

[مِنْ تَحْقِيقِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ إِفْرَادُ اللهِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ]

وَمِنْ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لَهُ حَقًّا لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ، كَالْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ • أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ • وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ • بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ وَكُلُّ مَنْ أُرْسِلَ مِنَ الرُّسُلِ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ .

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي التَّوَكُّلِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ

سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، فَقَالَ فِي الْإِيتَاءِ: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وَقَالَ فِي التَّوَكُّلِ: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: وَرَسُولُهُ، لِأَنَّ الْإِيتَاءَ هُوَ الْإِعْطَاءُ الشَّرْعِيُّ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْإِبَاحَةَ وَالْإِحْلَالَ الَّذِي بَلَّغَهُ الرَّسُولُ، فَإِنَّ الْحَلَالَ مَا حَلَّلَهُ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ، وَالدِّينَ مَا شَرَعَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ . وَأَمَّا الْحَسْبُ فَهُوَ الْكَافِي، وَاللهُ وَحْدَهُ كَافٍ عَبْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فَهُوَ وَحْدَهُ حَسْبُهُمْ كُلِّهِمْ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ حَسْبُكَ وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ اللهُ، فَهُوَ كَافِيكُمْ كُلِّكُمْ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللهَ وَالْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ، كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْغَالِطِينَ، إِذْ هُوَ وَحْدَهُ كَافٍ نَبِيَّهُ وَهُوَ حَسْبُهُ، لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَكُونُ هُوَ وَإِيَّاهُ حَسْبًا لِلرَّسُولِ. وَهَذَا فِي اللُّغَةِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ

وَتَقُولُ الْعَرَبُ: حَسْبُكَ وَزَيْدًا دِرْهَمٌ، أَيْ يَكْفِيكَ وَزَيْدًا جَمِيعًا دِرْهَمٌ.

وَقَالَ فِي الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فَأَثْبَتَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، وَأَثْبَتَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ • أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ فَجَعَلَ الْعِبَادَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلرَّسُولِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ .

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ .

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: (مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ وَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا)، وَقَالَ: (لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ) . فَفِي الطَّاعَةِ قَرَنَ اسْمَ الرَّسُولِ بِاسْمِهِ بِحَرْفِ «الْوَاوِ»، وَفِي الْمَشِيئَةِ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ بِحَرْفِ «ثُمَّ»، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ طَاعَةٌ لِلَّهِ، فَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَطَاعَةُ اللهِ طَاعَةٌ لِلرَّسُولِ. بِخِلَافِ الْمَشِيئَةِ، فَلَيْسَتْ مَشِيئَةُ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ مَشِيئَةً لِلَّهِ، وَلَا مَشِيئَةُ اللهِ مُسْتَلْزِمَةً لِمَشِيئَةِ الْعِبَادِ، بَلْ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَإِنْ لَمْ يَشَأِ النَّاسُ، وَمَا شَاءَ النَّاسُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ.

[مَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ]

الْأَصْلُ الثَّانِي: حَقُّ الرَّسُولِ ﷺ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ، وَنُطِيعَهُ، وَنَتَّبِعَهُ، وَنُرْضِيَهُ، وَنُحِبَّهُ، وَنُسَلِّمَ لِحُكْمِهِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.

فَصْلٌ

إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِخَلْقِ اللهِ وَأَمْرِهِ: بِقَضَائِهِ وَشَرْعِهِ.

[مَذَاهِبُ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي الْقَدَرِ]

وَأَهْلُ الضَّلَالِ الْخَائِضُونَ فِي الْقَدَرِ انْقَسَمُوا إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ:

مَجُوسِيَّةٍ، وَمُشْرِكِيَّةٍ، وَإِبْلِيسِيَّةٍ.

فَالْمَجُوسِيَّةُ، الَّذِينَ كَذَّبُوا بِقَدَرِ اللهِ، وَإِنْ آمَنُوا بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَغُلَاتُهُمْ أَنْكَرُوا الْعِلْمَ وَالْكِتَابَ، وَمُقْتَصِدَتُهُمْ أَنْكَرُوا عُمُومَ مَشِيئَةِ اللهِ وَخَلْقِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ.

وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُشْرِكِيَّةُ، الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَأَنْكَرُوا الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ فَمَنِ احْتَجَّ عَلَى تَعْطِيلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالْقَدَرِ فَهُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا قَدْ كَثُرَ فِيمَنْ يَدَّعِي الْحَقِيقَةَ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ.

وَالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِبْلِيسِيَّةُ، وَهُمُ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالْأَمْرَيْنِ، لَكِنْ جَعَلُوا هَذَا تَنَاقُضًا مِنَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَطَعَنُوا فِي حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، كَمَا يُذْكَرُ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ إِبْلِيسَ مُقَدَّمِهِمْ، كَمَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْمَقَالَاتِ، وَنُقِلَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

[مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْقَدَرِ]

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَقُولُهُ أَهْلُ الضَّلَالِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْهُدَى وَالْفَلَاحِ فَيُؤْمِنُونَ بِهَذَا وَهَذَا، فَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَاهُ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.

وَيَتَضَمَّنُ هَذَا الْأَصْلُ مِنْ إِثْبَاتِ عِلْمِ اللهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ مَا هُوَ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ.

[إِثْبَاتُهُمُ الْأَسْبَابَ]

وَمَعَ هَذَا لَا يُنْكِرُونَ مَا خَلَقَهُ اللهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، الَّتِي يَخْلُقُ بِهَا الْمُسَبَّبَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِالْأَسْبَابِ.

[ضَلَالُ مَنْ أَنْكَرَ الْأَسْبَابَ وَشِرْكُ مَنْ جَعَلَهَا هِيَ الْمُبْدِعَةَ]

وَمَنْ قَالَ: يَفْعَلُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، فَقَدْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَأَنْكَرَ مَا خَلَقَهُ اللهُ مِنَ الْقُوَى وَالطَّبَائِعِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِإِنْكَارِ مَا خَلَقَهُ اللهُ مِنَ الْقُوَى الَّتِي فِي الْحَيَوَانِ، الَّتِي يَفْعَلُ الْحَيَوَانُ بِهَا مِثْلَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ.

كَمَا أَنَّ مَنْ جَعَلَهَا هِيَ الْمُبْدِعَةَ لِذَلِكَ فَقَدْ أَشْرَكَ بِاللهِ، وَأَضَافَ فِعْلَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا مِنْ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ إِلَّا وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى سَبَبٍ آخَرَ فِي حُصُولِ مُسَبَّبِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَانِعٍ يَمْنَعُ مُقْتَضَاهُ إِذَا لَمْ يَدْفَعْهُ اللهُ عَنْهُ، فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَسْتَقِلُّ بِفِعْلِ شَيْءٍ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: فَتَعْلَمُونَ أَنَّ خَالِقَ الْأَزْوَاجِ وَاحِدٌ.

[جَهْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ]

وَلِهَذَا مَنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ - كَانَ جَاهِلًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ وَاحِدٌ صَدَرَ عَنْهُ وَحْدَهُ شَيْءٌ، لَا وَاحِدٌ وَلَا اثْنَانِ، إِلَّا اللهُ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ، فَالنَّارُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ فِيهَا حَرَارَةً، لَا يَحْصُلُ الْإِحْرَاقُ إِلَّا بِهَا وَبِمَحَلٍّ يَقْبَلُ الِاحْتِرَاقَ، فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى السَّمَنْدَلِ وَالْيَاقُوتِ وَنَحْوِهِمَا لَمْ تُحْرِقْهُمَا، وَقَدْ يُطْلَى الْجِسْمُ بِمَا يَمْنَعُ إِحْرَاقَهُ، وَالشَّمْسُ الَّتِي يَكُونُ عَنْهَا الشُّعَاعُ لَا بُدَّ مِنْ جِسْمٍ يَقْبَلُ انْعِكَاسَ الشُّعَاعِ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَصَلَ حَاجِزٌ مِنْ سَحَابٍ أَوْ سَقْفٍ لَمْ يَحْصُلِ الشُّعَاعُ تَحْتَهُ، وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ مِنْ تَمَامِ التَّوْحِيدِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: هُوَ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللهَ وَآمَنَ بِالْقَدَرِ تَمَّ تَوْحِيدُهُ، وَمَنْ وَحَّدَ اللهَ وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ نَقَضَ تَكْذِيبُهُ تَوْحِيدَهُ.

وَلَا بُدَّ مِنَ الْإِيمَانِ بِالشَّرْعِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، كَمَا بَعَثَ اللهُ بِذَلِكَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ.

[ضَرُورَةُ الْإِنْسَانِ إِلَى الشَّرْعِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]

وَالْإِنْسَانُ مُضْطَرٌّ إِلَى شَرْعٍ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَرَكَةٍ يَجْلِبُ بِهَا مَنْفَعَتَهُ، وَحَرَكَةٍ يَدْفَعُ بِهَا مَضَرَّتَهُ، وَالشَّرْعُ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَنْفَعُهُ، وَالْأَفْعَالِ الَّتِي تَضُرُّهُ، وَهُوَ عَدْلُ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَنُورُهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فَلَا يُمْكِنُ الْآدَمِيِّينَ أَنْ يَعِيشُوا بِلَا شَرْعٍ يُمَيِّزُونَ بِهِ بَيْنَ مَا يَفْعَلُونَهُ وَيَتْرُكُونَهُ.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّرْعِ مُجَرَّدَ الْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ، بَلِ الْإِنْسَانُ الْمُنْفَرِدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ هَمَّامٌ حَارِثٌ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ)، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ إِرَادَةٌ هُوَ مُتَحَرِّكٌ بِهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ مَا يُرِيدُهُ هَلْ هُوَ نَافِعٌ لَهُ أَوْ ضَارٌّ؟ وَهَلْ يُصْلِحُهُ أَوْ يُفْسِدُهُ؟

وَهَذَا قَدْ يَعْرِفُ بَعْضَهُ النَّاسُ بِفِطْرَتِهِمْ، كَمَا يَعْرِفُونَ انْتِفَاعَهُمْ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَكَمَا يَعْرِفُونَ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ بِفِطْرَتِهِمْ، وَبَعْضُهُ يَعْرِفُونَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ بِعُقُولِهِمْ، وَبَعْضُهُ لَا يَعْرِفُونَهُ إِلَّا بِتَعْرِيفِ الرُّسُلِ وَبَيَانِهِمْ لَهُمْ، وَهِدَايَتِهِمْ إِيَّاهُمْ.

[حُسْنُ الْأَفْعَالِ وَقُبْحُهَا وَمَا يُعْرَفُ مِنْهُ بِالْعَقْلِ]

وَفِي هَذَا الْمَقَامِ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي أَنَّ الْأَفْعَالَ هَلْ يُعْرَفُ حُسْنُهَا وَقُبْحُهَا بِالْعَقْلِ، أَمْ لَيْسَ لَهَا حُسْنٌ وَقُبْحٌ يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ؟ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الِاشْتِبَاهِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ يُلَائِمُ الْفَاعِلَ أَوْ يُنَافِرُهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ سَبَبًا لِمَا يُحِبُّهُ الْفَاعِلُ وَيَلْتَذُّ بِهِ، وَسَبَبًا لِمَا يُبْغِضُهُ وَيُؤْذِيهِ.

وَهَذَا الْقَدْرُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ تَارَةً، وَبِالشَّرْعِ أُخْرَى، وَبِهِمَا جَمِيعًا أُخْرَى، لَكِنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَمَعْرِفَةَ الْغَايَةِ الَّتِي تَكُونُ عَاقِبَةَ الْأَفْعَالِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، فَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَمَرَتْ بِهِ مِنْ تَفَاصِيلِ الشَّرَائِعِ لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ، كَمَا أَنَّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ تَفْصِيلِ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَعْلَمُونَ بِعُقُولِهِمْ جُمَلَ ذَلِكَ.

وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْإِيمَانُ، وَجَاءَ بِهِ الْكِتَابُ هُوَ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ﴾ .

وَلَكِنَّ طَائِفَةً تَوَهَّمَتْ أَنَّ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ مَعْنًى غَيْرَ هَذَا، وَأَنَّهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، وَقَابَلَتْهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى ظَنَّتْ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ مِنَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا، فَكِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَثْبَتَتَا الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ وَالْعَقْلِيَّيْنِ أَوِ الشَّرْعِيَّيْنِ وَأَخْرَجَتَاهُ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ غَلِطَتْ.

ثُمَّ إِنَّ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ لَمَّا كَانَتْ تُنْكِرُ أَنْ يُوصَفَ اللهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَالسَّخَطِ وَالْفَرَحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ الْإِلَهِيَّةُ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّوَاهِدُ الْعَقْلِيَّةُ - تَنَازَعُوا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ اللهَ لَا يَفْعَلُ مَا هُوَ مِنْهُ قَبِيحٌ، هَلْ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ وَأَنَّهُ لَا تُتَصَوَّرُ قُدْرَتُهُ عَلَى مَا هُوَ قَبِيحٌ، أَوْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ لَا يَفْعَلُهُ لِمُجَرَّدِ الْقُبْحِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي أَثْبَتُوهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.

وَالْقَوْلَانِ فِي الِانْحِرَافِ مِنْ جِنْسِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، أُولَئِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَالْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ، وَأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ، فَلَا جَعَلُوهُ مَحْمُودًا عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنَ الْعَدْلِ أَوْ مَا تَرَكَهُ مِنَ الظُّلْمِ، وَلَا مَا فَعَلَهُ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالنِّعْمَةِ أَوْ تَرَكَهُ مِنَ الْعَذَابِ وَالنِّقْمَةِ. وَالْآخَرُونَ نَزَّهُوهُ بِنَاءً عَلَى الْقُبْحِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي أَثْبَتُوهُ، وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَسَوَّوْهُ بِخَلْقِهِ فِيمَا يَحْسُنُ وَيَقْبُحُ، وَشَبَّهُوهُ بِعِبَادِهِ فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ.

[مُخَالَفَةُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى الْقَدَرِ وَيُعْرِضُ عَنِ الشَّرْعِ لِدِينِ اللهِ]

[مُخَالَفَتُهُمْ لِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالذَّوْقِ]

فَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْقَدَرِ فَقَطْ، وَعَظَّمَ الْفَنَاءَ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَوَقَفَ عِنْدَ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ، لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَالْبِرِّ وَالْفُجُورِ، وَالْعَدْلِ وَالظُّلْمِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالرُّشْدِ وَالْغَيِّ، وَأَوْلِيَاءِ اللهِ وَأَعْدَائِهِ، وَأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَهَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ بِالضَّرُورَةِ لِكُتُبِ اللهِ وَدِينِهِ وَشَرَائِعِهِ، فَهُمْ مُخَالِفُونَ أَيْضًا لِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالذَّوْقِ، وَضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَالْقِيَاسِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَلْتَذَّ بِشَيْءٍ وَيَتَأَلَّمَ بِشَيْءٍ، فَيُمَيِّزَ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ، وَبَيْنَ مَا يُؤْذِيهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا يَنْفَعُهُ وَيَضُرُّهُ هُوَ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينِيَّةُ.

وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْبَشَرَ يَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ يَسْتَوِى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ دَائِمًا فَقَدِ افْتَرَى، وَخَالَفَ ضَرُورَةَ الْحِسِّ، وَلَكِنْ قَدْ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ عَارِضٌ كَالسُّكْرِ وَالْإِغْمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُهُ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِبَعْضِ الْأُمُورِ، فَأَمَّا أَنْ يَسْقُطَ إِحْسَاسُهُ بِالْكُلِّيَّةِ مَعَ وُجُودِ الْحَيَاةِ فِيهِ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّ النَّائِمَ لَمْ يَسْقُطْ إِحْسَاسُ نَفْسِهِ، بَلْ يَرَى فِي مَنَامِهِ مَا يَسُرُّهُ تَارَةً وَمَا يَسُوؤُهُ أُخْرَى، فَالْأَحْوَالُ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالِاصْطِلَامِ وَالْفَنَاءِ وَالسُّكْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِنَّمَا تَتَضَمَّنُ عَدَمَ الْإِحْسَاسِ بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ، فَهِيَ مَعَ نَقْصِ صَاحِبِهَا لِضَعْفِ تَمْيِيزِهِ لَا تَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ يَسْقُطُ فِيهِ التَّمْيِيزُ مُطْلَقًا.

وَمَنْ نَفَى التَّمْيِيزَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُطْلَقًا، وَعَظَّمَ هَذَا الْمَقَامَ فَقَدْ غَلِطَ فِي الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ قَدَرًا وَشَرْعًا: غَلِطَ فِي خَلْقِ اللهِ وَفِي أَمْرِهِ، حَيْثُ ظَنَّ وُجُودَ هَذَا، وَلَا وُجُودَ لَهُ، وَحَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ مَمْدُوحٌ، وَلَا مَدْحَ فِي عَدَمِ التَّمْيِيزِ وَالْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ.

وَإِذَا سَمِعْتَ بَعْضَ الشُّيُوخِ يَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ لَا أُرِيدَ، أَوْ إِنَّ الْعَارِفَ لَا حَظَّ لَهُ، أَوْ إِنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ - فَهَذَا إِنَّمَا يُمْدَحُ مِنْهُ سُقُوطُ إِرَادَتِهِ الَّتِي لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا، وَعَدَمُ حَظِّهِ الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِطَلَبِهِ، وَأَنَّهُ كَالْمَيِّتِ فِي طَلَبِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِطَلَبِهِ، وَتَرْكِ دَفْعِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِدَفْعِهِ.

وَمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ تَبْطُلُ إِرَادَتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يُحِسُّ بِاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ، وَالنَّافِعِ وَالضَّارِّ، فَهَذَا مُخَالِفٌ لِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ، وَمَنْ مَدَحَ هَذَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِضَرُورَةِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ.

[أَنْوَاعُ الْفَنَاءِ]

وَالْفَنَاءُ يُرَادُ بِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:

أَحَدُهَا - وَهُوَ الْفَنَاءُ الدِّينِيُّ الشَّرْعِيُّ، الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَنَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ، هُوَ أَنْ يَفْنَى عَمَّا لَمْ يَأْمُرِ اللهُ بِهِ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، فَيَفْنَى عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ بِعِبَادَتِهِ، وَعَنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَعَنِ التَّوَكُّلِ عَلَى غَيْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَعَنْ مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُ بِمَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ، وَعَنْ خَوْفِ غَيْرِهِ بِخَوْفِهِ، بِحَيْثُ لَا يَتَّبِعُ الْعَبْدُ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ، وَبِحَيْثُ يَكُونُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، فَهَذَا كُلُّهُ هُوَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.

وَأَمَّا الْفَنَاءُ الثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَفْنَى عَنْ شُهُودِ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى، فَيَفْنَى بِمَعْبُودِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ، وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، بِحَيْثُ قَدْ يَغِيبُ عَنْ شُعُورِهِ بِنَفْسِهِ وَبِمَا سِوَى اللهِ - فَهَذَا حَالٌ نَاقِصٌ، قَدْ يَعْرِضُ لِبَعْضِ السَّالِكِينَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ طَرِيقِ اللهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْرِضْ مِثْلُ هَذَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ.

وَمَنْ جَعَلَ هَذَا نِهَايَةَ السَّالِكِينَ فَهُوَ ضَالٌّ ضَلَالًا مُبِينًا، وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ لَوَازِمِ طَرِيقِ اللهِ فَهُوَ مُخْطِئٌ، بَلْ هُوَ مِنْ عَوَارِضِ طَرِيقِ اللهِ الَّتِي تَعْرِضُ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، لَيْسَ هُوَ مِنَ اللَّوَازِمِ الَّتِي تَحْصُلُ لِكُلِّ سَالِكٍ.

وَأَمَّا الثَّالِثُ - فَهُوَ الْفَنَاءُ عَنْ وُجُودِ السِّوَى، بِحَيْثُ يَرَى أَنَّ وُجُودَ الْمَخْلُوقِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْخَالِقِ، وَأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ، فَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالِاتِّحَادِ، الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَضَلِّ الْعِبَادِ.

[مُخَالَفَتُهُمْ لِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَالْقِيَاسِ]

وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُمْ لِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَالْقِيَاسِ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَطْرُدَ قَوْلَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مُشَاهِدًا لِلْقَدَرِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ، فَعُومِلَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يُضْرَبَ وَيُجَاعَ حَتَّى يُبْتَلَى بِعَظِيمِ الْأَوْصَابِ وَالْأَوْجَاعِ - فَإِنْ لَامَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَعَابَهُ فَقَدْ نَقَضَ قَوْلَهُ، وَخَرَجَ عَنْ أَصْلِ مَذْهَبِهِ، وَقِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ مَقْضِيٌّ مَقْدُورٌ، فَخَلْقُ اللهِ وَقَدَرُهُ وَمَشِيئَتُهُ مُتَنَاوِلٌ لَكَ وَلَهُ وَهُوَ يَعُمُّكُمَا، فَإِنْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَكَ فَهُوَ حُجَّةٌ لِهَذَا، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا لَكَ وَلَا لَهُ. فَقَدْ تَبَيَّنَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى الْقَدَرِ، وَيُعْرِضُ عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.

[الْوَاجِبُ فِي شَرْعِ اللهِ وَقَدَرِهِ عَمَلًا]

[حَاجَةُ الْعِبَادِ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ]

وَالْمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَفْعَلَ الْمَأْمُورَ، وَيَتْرُكَ الْمَحْظُورَ، وَيَصْبِرَ عَلَى الْمَقْدُورِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ

كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَالتَّقْوَى فِعْلُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَتَرْكُ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، فَأَمَرَهُ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الْعِبَادَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)، وَقَالَ: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) .

وَكَانَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَئِي وَعَمْدِي، وَهَزْلِي وَجِدِّي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) .

وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَتَابَ إِلَيْهِ، فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ، وَعَنْ إِبْلِيسَ أَبِي الْجِنِّ أَنَّهُ أَصَرَّ مُتَعَلِّقًا بِالْقَدَرِ فَلَعَنَهُ وَأَقْصَاهُ، فَمَنْ أَذْنَبَ وَتَابَ وَنَدِمَ فَقَدْ أَشْبَهَ أَبَاهُ، وَمَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا • لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ .

[اقْتِرَانُ التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ]

وَلِهَذَا قَرَنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي غَيْرِ آيَةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ • أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ • وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ .

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَغَيْرُهُ: (يَقُولُ الشَّيْطَانُ: أَهْلَكْتُ النَّاسَ بِالذُّنُوبِ، وَأَهْلَكُونِي بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ بَثَثْتُ فِيهِمُ الْأَهْوَاءَ، فَهُمْ يُذْنِبُونَ وَلَا يَتُوبُونَ، لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) .

وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذِي النُّونِ أَنَّهُ نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ: ﴿أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ مَا دَعَا بِهَا مَكْرُوبٌ إِلَّا فَرَّجَ اللهُ بِهَا كَرْبَهُ) .

وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ فِي الْأَمْرِ مِنْ أَصْلَيْنِ، وَلَا بُدَّ لَهُ فِي الْقَدَرِ مِنْ أَصْلَيْنِ، فَفِي الْأَمْرِ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي الِامْتِثَالِ عِلْمًا وَعَمَلًا، فَلَا يَزَالُ يَجْتَهِدُ فِي الْعِلْمِ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَالْعَمَلِ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ وَيَتُوبَ مِنْ تَفْرِيطِهِ فِي الْمَأْمُورِ، وَتَعَدِّيهِ الْحُدُودَ.

وَلِهَذَا كَانَ مِنَ الْمَشْرُوعِ أَنْ تُخْتَتَمَ جَمِيعُ الْأَعْمَالِ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ فَقَامُوا اللَّيْلَ ثُمَّ خَتَمُوا بِالِاسْتِغْفَارِ، وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ • وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا • فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ.

وَأَمَّا فِي الْقَدَرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاللهِ فِي فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَيَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَيَدْعُوَهُ، وَيَرْغَبَ إِلَيْهِ، وَيَسْتَعِيذَ بِهِ، فَيَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ فِي طَلَبِ الْخَيْرِ وَتَرْكِ الشَّرِّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى الْمَقْدُورِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَإِذَا آذَاهُ النَّاسُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِ.

[احْتِجَاجُ آدَمَ وَمُوسَى]

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ احْتِجَاجُ آدَمَ وَمُوسَى، لَمَّا قَالَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ، فَبِكَمْ وَجَدْتَ مَكْتُوبًا عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾؟ قَالَ: بِكَذَا وَكَذَا سَنَةً، قَالَ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَكُنْ عَتْبُهُ لِآدَمَ لِأَجْلِ الذَّنْبِ، فَإِنَّ آدَمَ كَانَ قَدْ تَابَ مِنْهُ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ - وَلَكِنْ لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَهُمْ مَأْمُورُونَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الْقَدَرِ فِي الْمَصَائِبِ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرُوا مِنَ الْمَعَائِبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ .

[مُرَاعَاةُ الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ تُوجِبُ الْعِبَادَةَ وَالِاسْتِعَانَةَ]

فَمَنْ رَاعَى الْأَمْرَ وَالْقَدَرَ - كَمَا ذُكِرَ - كَانَ عَابِدًا لِلَّهِ، مُطِيعًا لَهُ، مُسْتَعِينًا بِهِ، مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ، مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.

وَقَدْ جَمَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا • وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، فَالْعِبَادَةُ لَهُ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الْأُضْحِيَّةِ: (اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ)، فَمَا لَمْ يَكُنْ بِاللهِ لَا يَكُونُ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَدُومُ.

[شَرْطَا قَبُولِ الْعِبَادَةِ]

وَلَا بُدَّ فِي عِبَادَتِهِ مِنْ أَصْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: إِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ، وَالثَّانِي: مُوَافَقَةُ أَمْرِهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا، وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ خَالِصًا، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قَالَ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. قِيلَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الْعَمَلُ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا، وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ.

وَلِهَذَا ذَمَّ اللهُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى اتِّبَاعِ مَا شَرَعَ لَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ، وَفِعْلِ مَا لَمْ يَشْرَعْهُ مِنَ الدِّينِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾، كَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ حَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ، وَالدِّينُ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ اللهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ اللهُ.

[أَقْسَامُ النَّاسِ فِي عِبَادَةِ اللهِ وَاسْتِعَانَتِهِ]

ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ فِي عِبَادَتِهِ وَاسْتِعَانَتِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

فَالْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ هُمْ لَهُ وَبِهِ، يَعْبُدُونَهُ وَيَسْتَعِينُونَهُ.

وَطَائِفَةٌ تَعْبُدُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِعَانَةٍ وَلَا صَبْرٍ، فَتَجِدُ عِنْدَ أَحَدِهِمْ تَحَرِّيًا لِلطَّاعَةِ وَالْوَرَعِ، وَلُزُومَ السُّنَّةِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُمْ تَوَكُّلٌ وَاسْتِعَانَةٌ وَصَبْرٌ، بَلْ فِيهِمْ عَجْزٌ وَجَزَعٌ.

وَطَائِفَةٌ فِيهِمُ اسْتِعَانَةٌ وَتَوَكُّلٌ وَصَبْرٌ، مِنْ غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ عَلَى الْأَمْرِ وَلَا مُتَابَعَةٍ لِلسُّنَّةِ، فَقَدْ يُمَكَّنُ أَحَدُهُمْ، وَيَكُونُ لَهُ نَوْعٌ مِنَ الْحَالِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَيُعْطَى مِنَ الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْثِيرَاتِ مَا لَمْ يُعْطَهُ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ، وَلَكِنْ لَا عَاقِبَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى، فَالْأَوَّلُونَ لَهُمْ دِينٌ ضَعِيفٌ، وَلَكِنَّهُ مُسْتَمِرٌّ بَاقٍ إِنْ لَمْ يُفْسِدْهُ صَاحِبُهُ بِالْجَزَعِ وَالْعَجْزِ، وَهَؤُلَاءِ لِأَحَدِهِمْ حَالٌ وَقُوَّةٌ، وَلَكِنْ لَا يَبْقَى لَهُ إِلَّا مَا وَافَقَ فِيهِ الْأَمْرَ، وَاتَّبَعَ فِيهِ السُّنَّةَ.

وَشَرُّ الْأَقْسَامِ مَنْ لَا يَعْبُدُهُ وَلَا يَسْتَعِينُهُ، فَهُوَ لَا يَشْهَدُ أَنَّ عِلْمَهُ لِلَّهِ، وَلَا أَنَّهُ بِاللهِ.

فَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْقَدَرَ هُمْ فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَبْرِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنِ الشَّرْعِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالصُّوفِيَّةُ هُمْ فِي الْقَدَرِ وَمُشَاهَدَةِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلَكِنْ فِيهِمْ مَنْ فِيهِ نَوْعُ بِدَعٍ مَعَ إِعْرَاضٍ عَنْ بَعْضِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، حَتَّى يَجْعَلُوا الْغَايَةَ هِيَ مُشَاهَدَةَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْفَنَاءَ فِي ذَلِكَ، فَيَصِيرُونَ أَيْضًا مُعْتَزِلِينَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَسُنَّتِهِمْ، فَهُمْ مُعْتَزِلَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَا وَقَعُوا فِيهِ مِنَ الْبِدْعَةِ شَرًّا مِنْ بِدْعَةِ أُولَئِكَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ نَشَأَتْ مِنَ الْبَصْرَةِ.

[فَضْلُ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ وَالْوَصِيَّةُ بِاتِّبَاعِهِمْ]

وَإِنَّمَا دِينُ اللهِ مَا بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ طَرِيقُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، خَيْرِ الْقُرُونِ، وَأَفْضَلِ الْأُمَّةِ، وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَى اللهِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فَرَضِيَ عَنِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ رِضَاءً مُطْلَقًا، وَرَضِيَ عَنِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: (خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) .

وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَبَرُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَوَاللهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمْ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَأَنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا.

وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطًّا، وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللهِ وَهَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾) .

وَقَدْ أَمَرَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ نَقُولَ فِي صَلَاتِنَا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ • صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ)، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ عَرَفُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ، وَالنَّصَارَى عَبَدُوا اللهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ: تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ، فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أَلَّا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الم • ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ • الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ • وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ • أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ مُهْتَدُونَ مُفْلِحُونَ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ.

فَنَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَهْدِيَنَا وَسَائِرَ إِخْوَانِنَا صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.