كتب مشكولة

الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةُ الْكُبْرَى

تَأْلِيفُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ

تحميل PDF المصدر شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٧١ صفحة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ [وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَجَرَى بِسَبَبِ هَذَا الْجَوَابِ أُمُورٌ وَمِحَنٌ، وَهُوَ جَوَابٌ عَظِيمُ النَّفْعِ جِدًّا. فَقَالَ السَّائِلُ:]

مَا قَوْلُكُمْ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: ٥]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أَصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» وَقَوْلِهِ: «يَضَعُ الْجَبَّارُ قَدَمَهُ فِي النَّارِ» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ [وَمَا قَالَتِ الْعُلَمَاءُ، وَابْسُطُوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَأْجُورِينَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى؟] فَأَجَابَ:

[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] قَوْلُنَا فِيهَا مَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَمَا قَالَهُ أَئِمَّةُ الْهُدَى بَعْدَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ بَعَثَهُ دَاعِيًا إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يُوسُفَ: ١٠٨] .

[إِحْكَامُ الرَّسُولِ ﷺ بَابَ الْإِيمَانِ بِاللهِ اعْتِقَادًا وَقَوْلًا]:

فَمِنَ الْمُحَالِ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ أَنْ يَكُونَ السِّرَاجُ الْمُنِيرُ الَّذِي أَخْرَجَ [اللهُ] بِهِ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَأَنْزَلَ مَعَهُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ دِينِهِمْ إِلَى مَا بُعِثَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَى اللهِ وَإِلَى سَبِيلِهِ بِإِذْنِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ دِينَهُمْ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ - مُحَالٌ مَعَ هَذَا وَغَيْرِهِ - أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ بَابَ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْعِلْمِ بِهِ مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا، فَلَمْ يُمَيِّزْ [بَيْنَ] مَا يَجِبُ لِلَّهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ.

فَإِنَّ مَعْرِفَةَ هَذَا أَصْلُ الدِّينِ، وَأَسَاسُ الْهِدَايَةِ، وَأَفْضَلُ مَا اكْتَسَبَتْهُ الْقُلُوبُ، وَحَصَّلَتْهُ النُّفُوسُ، وَأَدْرَكَتْهُ الْعُقُولُ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَذَلِكَ الرَّسُولُ وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ لَمْ يُحْكِمُوا هَذَا الْكِتَابَ اعْتِقَادًا وَقَوْلًا؟! وَمِنَ الْمُحَالِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَلَّمَ أُمَّتَهُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، وَقَالَ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ»، وَقَالَ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ أَيْضًا: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» .

وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا مِنْ طَائِرٍ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا» .

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ [مَقَامًا] فَذَكَرَ بَدْءَ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

[مَنْزِلَةُ الْعِلْمِ بِاللهِ تَعَالَى]:

مُحَالٌ مَعَ تَعْلِيمِهِمْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي الدِّينِ - وَإِنْ دَقَّتْ - أَنْ يَتْرُكَ تَعْلِيمَهُمْ مَا يَقُولُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ [وَيَعْتَقِدُونَهُ] بِقُلُوبِهِمْ فِي رَبِّهِمْ وَمَعْبُودِهِمْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي مَعْرِفَتُهُ غَايَةُ الْمَعَارِفِ، وَعِبَادَتُهُ أَشْرَفُ الْمَقَاصِدِ، وَالْوُصُولُ إِلَيْهِ غَايَةُ الْمَطَالِبِ، بَلْ هَذَا خُلَاصَةُ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ وَزُبْدَةُ الرِّسَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَنْ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ إِيمَانٍ وَحِكْمَةٍ، أَنْ لَا يَكُونَ [بَيَانُ] هَذَا الْبَابِ قَدْ وَقَعَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى غَايَةِ التَّمَامِ، إِذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ [يَكُونَ] خَيْرُ أُمَّتِهِ وَأَفْضَلُ قُرُونِهَا قَصَّرُوا فِي هَذَا الْبَابِ، زَائِدِينَ فِيهِ أَوْ نَاقِصِينَ عَنْهُ.

[اسْتِحَالَةُ تَقْصِيرِ السَّلَفِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ]:

ثُمَّ مِنَ الْمُحَالِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْقُرُونُ الْفَاضِلَةُ - الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - كَانُوا غَيْرَ عَالِمِينَ وَ[غَيْرَ] قَائِلِينَ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ، لِأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ إِمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ، وَإِمَّا اعْتِقَادُ نَقِيضِ الْحَقِّ وَقَوْلُ خِلَافِ الصِّدْقِ. وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ.

أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى حَيَاةٍ وَطَلَبٍ لِلْعِلْمِ، أَوْ نَهْمَةٍ فِي الْعِبَادَةِ يَكُونُ الْبَحْثُ عَنْ هَذَا الْبَابِ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ فِيهِ أَكْبَرَ مَقَاصِدِهِ وَأَعْظَمَ مَطَالِبِهِ، أَعْنِي: بَيَانَ مَا يَنْبَغِي اعْتِقَادُهُ، لَا مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ. وَلَيْسَتِ النُّفُوسُ الصَّحِيحَةُ إِلَى شَيْءٍ أَشْوَقَ مِنْهَا إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْأَمْرِ.

وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ الْوَجْدِيَّةِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مَعَ قِيَامِ هَذَا الْمُقْتَضِى - الَّذِي هُوَ مِنْ أَقْوَى الْمُقْتَضِيَاتِ - أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ مُقْتَضَاهُ فِي أُولَئِكَ السَّادَةِ فِي مَجْمُوعِ عُصُورِهِمْ. هَذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ فِي أَبْلَدِ الْخَلْقِ، وَأَشَدِّهِمْ إِعْرَاضًا عَنِ اللهِ، وَأَعْظَمِهِمْ إِكْبَابًا عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا، وَالْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، فَكَيْفَ يَقَعُ مِنْ أُولَئِكَ؟!

وَأَمَّا كَوْنُهُمْ كَانُوا مُعْتَقِدِينَ فِيهِ غَيْرَ الْحَقِّ أَوْ قَائِلِيهِ، فَهَذَا لَا يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمٌ وَلَا عَاقِلٌ عَرَفَ حَالَ الْقَوْمِ.

ثُمَّ الْكَلَامُ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُمْكِنَ سَطْرُهُ فِي هَذِهِ الْفَتْوَى أَوْ أَضْعَافِهَا، يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ طَلَبَهُ وَتَتَبَّعَهُ.

[طَرِيقَةُ السَّلَفِ أَسْلَمُ وَأَعْلَمُ وَأَحْكَمُ]:

وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْخَالِفُونَ أَعْلَمَ مِنَ السَّالِفِينَ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْأَغْبِيَاءِ مِمَّنْ لَمْ يَقْدُرْ قَدْرَ السَّلَفِ، بَلْ وَلَا عَرَفَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ حَقِيقَةَ الْمَعْرِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا مِنْ أَنَّ «طَرِيقَةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ وَطَرِيقَةَ الْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ» .

[مَنْشَأُ الْخَطَأِ عِنْدَ مَنْ فَضَّلَ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ]:

فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةَ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ إِنَّمَا أُتُوا مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ هِيَ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ لِذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [الْبَقَرَةِ:٧٨]، وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ هِيَ اسْتِخْرَاجُ مَعَانِي النُّصُوصِ الْمَصْرُوفَةِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ وَغَرَائِبِ اللُّغَاتِ.

[جَمْعُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَيْنَ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ]:

فَهَذَا الظَّنُّ الْفَاسِدُ أَوْجَبَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ الَّتِي مَضْمُونُهَا نَبْذُ الْإِسْلَامِ وَرَاءَ الظَّهْرِ، وَقَدْ كَذَبُوا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَضَلُّوا فِي تَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، وَبَيْنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ بِتَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ.

وَسَبَبُ ذَلِكَ اعْتِقَادُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صِفَةٌ دَلَّتْ عَلَيْهَا هَذِهِ النُّصُوصُ لِلشُّبُهَاتِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي شَارَكُوا فِيهَا إِخْوَانَهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَلَمَّا اعْتَقَدُوا انْتِفَاءَ الصِّفَاتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ - وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ لِلنُّصُوصِ مِنْ مَعْنًى - بَقُوا مُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِاللَّفْظِ وَتَفْوِيضِ الْمَعْنَى - وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا طَرِيقَةَ السَّلَفِ - وَبَيْنَ صَرْفِ اللَّفْظِ إِلَى مَعَانٍ بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ - وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا طَرِيقَةَ الْخَلَفِ - فَصَارَ هَذَا الْبَاطِلُ مُرَكَّبًا مِنْ فَسَادِ الْعَقْلِ وَالْكُفْرِ بِالسَّمْعِ، فَإِنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا اعْتَمَدُوا فِيهِ عَلَى أُمُورٍ عَقْلِيَّةٍ ظَنُّوهَا بَيِّنَاتٍ وَهِيَ شُبُهَاتٌ، وَالسَّمْعَ حَرَّفُوا فِيهِ الْكَلَامَ عَنْ مَوَاضِعِهِ.

فَلَمَّا انْبَنَى أَمْرُهُمْ عَلَى هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْكُفْرِيَّتَيْنِ كَانَتِ النَّتِيجَةُ: اسْتِجْهَالَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَاسْتِبْلَاهَهُمْ، وَاعْتِقَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا أُمِّيِّينَ، بِمَنْزِلَةِ الصَّالِحِينَ مِنَ الْعَامَّةِ، لَمْ يَتَبَحَّرُوا فِي حَقَائِقِ الْعِلْمِ بِاللهِ، وَلَمْ يَتَفَطَّنُوا لِدَقَائِقِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ، وَأَنَّ الْخَلَفَ الْفُضَلَاءَ حَازُوا قَصَبَ السَّبْقِ فِي هَذَا كُلِّهِ.

ثُمَّ هَذَا الْقَوْلُ إِذَا تَدَبَّرَهُ الْإِنْسَانُ وَجَدَهُ فِي غَايَةِ الْجَهَالَةِ، بَلْ فِي غَايَةِ الضَّلَالَةِ. كَيْفَ يَكُونُ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ - لَا سِيَّمَا وَالْإِشَارَةُ بِالْخَلَفِ إِلَى ضَرْبٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ - الَّذِينَ كَثُرَ فِي بَابِ الدِّينِ اضْطِرَابُهُمْ، وَغَلُظَ عَنْ مَعْرِفَةِ اللهِ حِجَابُهُمْ، وَأَخْبَرَ الْوَاقِفُ عَلَى نِهَايَاتِ إِقْدَامِهِمْ بِمَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ مَرَامِهِمْ حَيْثُ يَقُولُ:

[الْحَيْرَةُ وَالشَّكُّ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ]:

لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا ... وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ

فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ ... عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ

[اعْتِرَافُ الرَّازِيِّ]:

وَأَقَرُّوا عَلَى نُفُوسِهِمْ بِمَا قَالُوهُ مُتَمَثِّلِينَ بِهِ أَوْ مُنْشِئِينَ لَهُ فِيمَا صَنَّفُوهُ مِنْ كُتُبِهِمْ؛ كَقَوْلِ بَعْضِ رُؤَسَائِهِمْ:

نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ ... وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ

وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَغَايَةُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ

وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا [لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ، وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا تُرْوِي غَلِيلًا، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ. أَقْرَأُ فِي الْإِثْبَاتِ ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فَاطِرٍ:١٠]، وَأَقْرَأُ فِي النَّفْيِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى:١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي] .

[اعْتِرَافَاتُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيِّ]:

وَيَقُولُ الْآخَرُ [مِنْهُمْ]: «لَقَدْ خُضْتُ الْبَحْرَ الْخِضَمَّ، وَتَرَكْتُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَعُلُومَهُمْ، وَخُضْتُ فِي الَّذِي نَهَوْنِي عَنْهُ، وَالْآنَ إِنْ لَمْ يَتَدَارَكْنِي رَبِّي بِرَحْمَةٍ [مِنْهُ] فَالْوَيْلُ لِفُلَانٍ، وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى عَقِيدَةِ أُمِّي» .

[قَوْلُ الْغَزَالِيِّ]:

وَيَقُولُ الْآخَرُ مِنْهُمْ: «أَكْثَرُ النَّاسِ شَكًّا عِنْدَ الْمَوْتِ أَصْحَابُ الْكَلَامِ» .

[اسْتِحَالَةُ أَنْ يَكُونَ الْخَلَفُ أَعْلَمَ مِنَ السَّلَفِ]:

ثُمَّ [هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُخَالِفُونَ لِلسَّلَفِ] إِذَا حُقِّقَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ مِنْ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِاللهِ وَخَالِصِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ خَبَرٌ، وَلَمْ يَقِفُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَيْنٍ وَلَا أَثَرٍ، كَيْفَ يَكُونُ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ الْمَنْقُوصُونَ الْمَسْبُوقُونَ الْحَيَارَى الْمُتَهَوِّكُونَ: أَعْلَمَ بِاللهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَحْكَمَ فِي بَابِ آيَاتِهِ وَذَاتِهِ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، مِنْ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَخُلَفَاءِ الرُّسُلِ، وَأَعْلَامِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى، الَّذِينَ بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا، الَّذِينَ وَهَبَهُمُ اللهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ مَا بَرَزُوا بِهِ عَلَى سَائِرِ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، [فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ]، وَأَحَاطُوا مِنْ حَقَائِقِ الْمَعَارِفِ، وَبَوَاطِنِ الْحَقَائِقِ، بِمَا لَوْ جُمِعَتْ حِكْمَةُ غَيْرِهِمْ إِلَيْهَا لَاسْتَحْيَا مَنْ يَطْلُبُ الْمُقَابَلَةَ.

ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ خَيْرُ قُرُونِ الْأُمَّةِ، أَنْقَصَ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ - لَا سِيَّمَا الْعِلْمُ بِاللهِ وَأَحْكَامِ آيَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ - مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَصَاغِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ؟ أَمْ كَيْفَ يَكُونُ أَفْرَاخُ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَأَتْبَاعُ الْهِنْدِ وَالْيُونَانِ، وَوَرَثَةُ الْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَضُلَّالُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَأَشْكَالُهُمْ وَأَشْبَاهُهُمْ؛ أَعْلَمَ بِاللهِ مِنْ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ؟! .

[سَبَبُ ضَلَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ]:

وَإِنَّمَا قَدَّمْتُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ لِأَنَّ مَنِ اسْتَقَرَّتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ عِنْدَهُ عَلِمَ طَرِيقَ الْهُدَى أَيْنَ هُوَ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ.

وَعَلِمَ أَنَّ الضَّلَالَ وَالتَّهَوُّكَ إِنَّمَا اسْتَوْلَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِنَبْذِهِمْ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَمَّا بَعَثَ اللهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، وَتَرْكِهِمُ الْبَحْثَ عَنْ طَرِيقِ السَّابِقِينَ وَالتَّابِعِينَ وَالْتِمَاسِهِمْ عِلْمَ مَعْرِفَةِ اللهِ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِشَهَادَةِ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَبِدَلَالَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَيْسَ غَرَضِي وَاحِدًا، وَإِنَّمَا أَصِفُ نَوْعَ هَؤُلَاءِ، وَنَوْعَ هَؤُلَاءِ.

[أَدِلَّةُ عُلُوِّ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ]:

[دَلَالَةُ الْقُرْآنِ عَلَى عُلُوِّ اللهِ]:

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَهَذَا كِتَابُ اللهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، ثُمَّ عَامَّةُ كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ثُمَّ كَلَامُ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ مَمْلُوءٌ بِمَا هُوَ إِمَّا نَصٌّ وَإِمَّا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلِيٌّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِرٍ:١٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٥٥] ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ • أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الْمُلْكِ:١٦ـ١٧]، ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النِّسَاءِ:١٥٨]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾

[الْمَعَارِجِ:٤]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السَّجْدَةِ:٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ:٥٠]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يُونُسَ:٣]، فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ، ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥]، ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غَافِرٍ:٣٦ـ٣٧]، ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ:٤٢]، ﴿مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ [الْأَنْعَامِ:١١٤] . إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ.

[تَوَاتُرُ أَدِلَّةِ السُّنَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الْعُلُوِّ]:

وَفِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ مَا لَا يُحْصَى.

مِثْلُ قِصَّةِ مِعْرَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى رَبِّهِ، وَنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَصُعُودِهَا إِلَيْهِ، وَقَوْلِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ [فِيكُمْ] بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ إِلَى رَبِّهِمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ.

وَفِي الصَّحِيحِ فِي حَدِيثِ الْخَوَارِجِ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً» .

وَفِي حَدِيثِ الرُّقْيَةِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: «رَبُّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ» . قَالَ ﷺ: «إِذَا اشْتَكَى أَحَدٌ مِنْكُمْ، أَوِ اشْتَكَى أَخٌ لَهُ، فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ...» وَذَكَرَهُ.

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَاللهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

[وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ كَأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ مِنْ طَرِيقَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، فَالْقَدْحُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَقْدَحُ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ رَوَاهُ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ «التَّوْحِيدِ» الَّذِي اشْتَرَطَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ فِيهِ إِلَّا بِمَا نَقَلَهُ الْعَدْلُ عَنْ مَوْصُولًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.

وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» .

وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ مَوْضُوعٍ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» .

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ قَبْضِ الرُّوحِ: «حَتَّى يُعْرَجَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللهُ»

إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ.

وَقَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّذِي أَنْشَدَهُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ:

شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا

وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا وَقَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ الَّذِي أُنْشِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ شِعْرِهِ فَاسْتَحْسَنَهُ، وَقَالَ: «آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ»:

مَجِّدُوا اللهَ فَهْوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ ... رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرَا

بِالْبِنَا الْأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ النَّاسَ ... وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرَا

شَرْجَعًا مَا يَنَالُهُ بَصَرُ الْعَيْنِ ... يُرَى دُونَهُ الْمَلَائِكَةُ صُورَا [وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ؛ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمْ صِفْرًا»، وَقَوْلُهُ: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ..» إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ، مِمَّا هُوَ أَبْلَغُ الْمُتَوَاتِرَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، الَّتِي تُورِثُ عِلْمًا يَقِينِيًّا مِنْ أَبْلَغِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ الْمُبَلِّغَ عَنِ اللهِ أَلْقَى إِلَى أُمَّتِهِ الْمَدْعُوِّينَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ، كَمَا فَطَرَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعَ الْأُمَمِ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْإِسْلَامِ، إِلَّا مَنِ اجْتَالَتْهُ الشَّيَاطِينُ عَنْ فِطْرَتِهِ.

ثُمَّ عَنِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ مَا لَوْ جُمِعَ لَبَلَغَ مِئَاتٍ، أَوْ أُلُوفًا.

[قَوْلُ نُفَاةِ الْعُلُوِّ لَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ]:

ثُمَّ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ ﷺ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ لَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا عَنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ - الَّذِينَ أَدْرَكُوا زَمَنَ الْأَهْوَاءِ وَالِاخْتِلَافِ - حَرْفٌ وَاحِدٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ، لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا.

وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ: إِنَّ اللهَ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ، وَلَا أَنَّهُ [بِذَاتِهِ] فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَلَا أَنَّ جَمِيعَ الْأَمْكِنَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ، وَلَا أَنَّهُ لَا دَاخِلُ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجُهُ، وَلَا مُتَّصِلٌ وَلَا مُنْفَصِلٌ، وَلَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْإِشَارَةُ الْحِسِّيَّةُ إِلَيْهِ بِالْأُصْبُعِ، وَنَحْوِهَا؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَطَبَ خُطْبَتَهُ الْعَظِيمَةَ يَوْمَ عَرَفَاتٍ، فِي أَعْظَمِ مَجْمَعٍ حَضَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَعَلَ يَقُولُ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» . فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَرْفَعُ أُصْبُعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُبُهَا [إِلَيْهِمْ] وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.

فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِيمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ السَّالِبُونَ النَّافُونَ لِلصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَنَحْوِهَا دُونَ مَا يُفْهَمُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا ظَاهِرًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَى اللهِ، ثُمَّ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ثُمَّ عَلَى خَيْرِ الْأُمَّةِ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ دَائِمًا بِمَا هُوَ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَلَا يَبُوحُونَ بِهِ قَطُّ، وَلَا يَدُلُّونَ عَلَيْهِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، حَتَّى يَجِيءَ أَنْبَاطُ الْفُرْسِ وَالرُّومِ وَفُرُوخُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْفَلَاسِفَةِ، يُبَيِّنُونَ لِلْأُمَّةِ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، أَوْ كُلِّ فَاضِلٍ أَنْ يَعْتَقِدَهَا.

لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُتَكَلِّفُونَ هُوَ الِاعْتِقَادَ الْوَاجِبَ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أُحِيلُوا فِي مَعْرِفَتِهِ عَلَى مُجَرَّدِ عُقُولِهِمْ، وَأَنْ يَدْفَعُوا بِمُقْتَضَى قِيَاسِ عُقُولِهِمْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا، لَقَدْ كَانَ تَرْكُ النَّاسِ بِلَا كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ أَهْدَى لَهُمْ وَأَنْفَعَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، بَلْ كَانَ وُجُودُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ضَرَرًا مَحْضًا فِي أَصْلِ الدِّينِ.

فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ أَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، لَا مِنَ الْكِتَابِ وَلَا مِنَ السُّنَّةِ، وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ.

وَلَكِنِ انْظُرُوا أَنْتُمْ، فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ!.

[مَنْهَجُ النُّفَاةِ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ]:

ثُمَّ هُمْ هَهُنَا فَرِيقَانِ، أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: مَا لَمْ تُثْبِتْهُ عُقُولُكُمْ فَانْفُوهُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ تَوَقَّفُوا فِيهِ، وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ - الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ مُضْطَرِبُونَ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ اخْتِلَافٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ - فَانْفُوهُ، وَإِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَارْجِعُوا، فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ، وَمَا كَانَ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ قِيَاسَكُمْ هَذَا، أَوْ يُثْبِتُ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ عُقُولُكُمْ - عَلَى طَرِيقَةِ أَكْثَرِهِمْ - فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ، لَا لِتَأْخُذُوا الْهُدَى مِنْهُ، لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اللُّغَةِ، وَوَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ، وَغَرَائِبِ الْكَلَامِ، وَأَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إِلَى اللهِ مَعَ نَفْيِ دَلَالَتِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ، هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ عَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ.

وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ رَأَيْتُهُ صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَمَضْمُونُهُ أَنَّ كِتَابَ اللهِ لَا يُهْتَدَى بِهِ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعْزُولٌ عَنِ التَّعْلِيمِ وَالْإِخْبَارِ بِصِفَاتِ مَنْ أَرْسَلَهُ، وَأَنَّ النَّاسَ عِنْدَ التَّنَازُعِ لَا يَرُدُّونَ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، بَلْ إِلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِلَى مِثْلِ مَا يَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْأَنْبِيَاءِ كَالْبَرَاهِمَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ - وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ - وَالْمَجُوسِ، وَبَعْضِ الصَّابِئِينَ.

وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّدُّ لَا يَزِيدُ الْأَمْرَ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بِهِ، إِذْ لِكُلِّ فَرِيقٍ طَوَاغِيتُ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ، وَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّفِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا • وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا • فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النِّسَاءِ:٦٠ـ٦٢] .

فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا دُعُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَإِلَى الرَّسُولِ - وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هُوَ الدُّعَاءُ إِلَى سُنَّتِهِ - أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّا قَصَدْنَا الْإِحْسَانَ عِلْمًا وَعَمَلًا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكْنَاهَا، وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ.

[مَصَادِرُ شُبُهَاتِهِمْ]:

ثُمَّ عَامَّةُ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا دَلَائِلَ إِنَّمَا تَقَلَّدُوا أَكْثَرَهَا عَنْ طَوَاغِيتَ مِنْ طَوَاغِيتِ الْمُشْرِكِينَ أَوِ الصَّابِئِينَ، أَوْ بَعْضِ وَرَثَتِهِمُ الَّذِينَ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ، مِثْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، أَوْ عَنْ مَنْ قَالَ كَقَوْلِهِمْ لِتَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٣] .

وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْكِتَابُ هُدًى لِلنَّاسِ، وَلَا بَيَانًا وَلَا شِفَاءً [لِمَا فِي الصُّدُورِ] وَلَا نُورًا، وَلَا مَرَدًّا عِنْدَ التَّنَازُعِ، لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ [أَنَّ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّفُونَ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ [الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ] لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْمُتَحَذْلِقِ أَنْ يَسْتَنْتِجَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الْإِخْلَاصِ:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ:٦٥] .

وَبِالِاضْطِرَارِ يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ مَنْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى أَنَّ اللهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ، وَلَا فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ وَهُوَ إِمَّا مُلْغِزٌ، أَوْ مُدَلِّسٌ، لَمْ يُخَاطِبْهُمْ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.

[عَوْدٌ عَلَى اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى قَوْلِ النُّفَاةِ]:

وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ النَّاسِ بِلَا رِسَالَةٍ خَيْرًا لَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ؛ لِأَنَّ مَرَدَّهُمْ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَبَعْدَهَا وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا الرِّسَالَةُ زَادَتْهُمْ عَمًى وَضَلَالًا.

يَا سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ لَمْ يَقُلِ الرَّسُولُ ﷺ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ هَذِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ لَا تَعْتَقِدُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، لَكِنِ اعْتَقِدُوا الَّذِي تَقْتَضِيهِ مَقَايِيسُكُمْ، أَوِ اعْتَقِدُوا كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّهُ الْحَقُّ، وَمَا خَالَفَ ظَاهِرُهُ فَلَا تَعْتَقِدُوا ظَاهِرَهُ، وَانْظُرُوا فِيهَا فَمَا وَافَقَ قِيَاسَ عُقُولِكُمْ فَاعْتَقِدُوهُ، وَمَا لَا فَتَوَقَّفُوا فِيهِ أَوِ انْفُوهُ.

[افْتِرَاقُ الْأُمَّةِ وَبَيَانُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ]:

ثُمَّ الرَّسُولُ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَقَدْ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللهِ» .

وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ: «هُوَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» .

فَهَلَّا قَالَ مَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ فَهُوَ ضَالٌّ؟ وَإِنَّمَا الْهُدَى رُجُوعُكُمْ إِلَى مَقَايِيسِ عُقُولِكُمْ، وَمَا يُحْدِثُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْكُمْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَبَغَ أَصْلُهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ.

[أَصْلُ مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ]:

ثُمَّ أَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ - مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ لِلصِّفَاتِ - إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ تَلَامِذَةِ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَضُلَّالِ الصَّابِئِينَ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَهَا عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَظْهَرَهَا، فَنُسِبَتْ مَقَالَةُ الْجَهْمِيَّةِ إِلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْجَعْدَ أَخَذَ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَخَذَهَا أَبَانُ عَنْ طَالُوتَ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ.

وَأَخَذَهَا طَالُوتُ مِنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ [الْيَهُودِيِّ] السَّاحِرِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ.

[تَأَثُّرُ الْجَعْدِ بِالْبِيئَةِ الَّتِي نَشَأَ فِيهَا]:

وَكَانَ الْجَعْدُ هَذَا - فِيمَا قِيلَ - مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ بَقَايَا أَهْلِ دِينِ النُّمْرُودِ وَالْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي سِحْرِهِمْ، وَالنُّمْرُودُ هُوَ: مَلِكُ الصَّابِئَةِ الْكَنْعَانِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ، كَمَا أَنَّ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ، وَفِرْعَوْنَ مَلِكُ الْقِبْطِ الْكُفَّارِ، وَالنَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ النَّصَارَى، فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا اسْمُ عَلَمٍ.

كَانَتِ الصَّابِئَةُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ إِذْ ذَاكَ عَلَى الشِّرْكِ وَعُلَمَاؤُهُمُ الْفَلَاسِفَةُ، وَإِنْ كَانَ الصَّابِئُ قَدْ لَا يَكُونُ مُشْرِكًا، بَلْ مُؤْمِنًا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ:٦٢]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ:٦٩] .

لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ، أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ، كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَصَارُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ، فَأُولَئِكَ الصَّابِئُونَ - الَّذِينَ كَانُوا إِذْ ذَاكَ - كَانُوا كُفَّارًا مُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ.

[مَذْهَبُ النُّفَاةِ مِنَ الصَّابِئِينَ فِي صِفَاتِ اللهِ]:

وَمَذْهَبُ النُّفَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الرَّبِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ أَوْ إِضَافِيَّةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، وَهُمُ الَّذِينَ بُعِثَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ إِلَيْهِمْ، فَيَكُونُ الْجَعْدُ قَدْ أَخَذَهَا عَنِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ.

وَكَذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ دَخَلَ حَرَّانَ، وَأَخَذَ عَنْ فَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ تَمَامَ فَلْسَفَتِهِ، وَأَخَذَهَا الْجَهْمُ أَيْضًا - فِيمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ - لَمَّا نَاظَرَ السُّمَنِيَّةَ بَعْضَ فَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنَ الْعُلُومِ مَا سِوَى الْحِسِّيَّاتِ.

فَهَذِهِ أَسَانِيدُ جَهْمٍ تَرْجِعُ إِلَى الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَالْفَلَاسِفَةِ الضَّالِّينَ؛ إِمَّا مِنَ الصَّابِئِينَ وَإِمَّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

ثُمَّ لَمَّا عُرِّبَتِ الْكُتُبُ الرُّومِيَّةُ فِي حُدُودِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ زَادَ الْبَلَاءُ مَعَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِ الضُّلَّالِ ابْتِدَاءً، مِنْ جِنْسِ مَا أَلْقَاهُ فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ.

[ذَمُّ الْأَئِمَّةِ لِبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَأَتْبَاعِهِ]:

وَلَمَّا كَانَ فِي حُدُودِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ انْتَشَرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ الَّتِي كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهَا مَقَالَةَ الْجَهْمِيَّةِ بِسَبَبِ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ وَطَبَقَتِهِ، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ مِثْلِ: مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَبِشْرٍ الْحَافِي وَغَيْرِهِمْ، فِي هَؤُلَاءِ كَثِيرٌ فِي ذَمِّهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ.

وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ الْمَوْجُودَةُ الْيَوْمَ بِأَيْدِي النَّاسِ مِثْلُ أَكْثَرِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ فِي كِتَابِ «التَّأْوِيلَاتِ» وَذَكَرَهَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ «تَأْسِيسَ التَّقْدِيسِ» وَيُوجَدُ كَثِيرٌ مِنْهَا فِي كَلَامِ خَلْقٍ كَثِيرٍ غَيْرِ هَؤُلَاءِ مِثْلِ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَمَذَانِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ، وَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ، هِيَ بِعَيْنِهَا التَّأْوِيلَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ رَدُّ التَّأْوِيلِ وَإِبْطَالُهُ أَيْضًا وَلَهُمْ كَلَامٌ حَسَنٌ فِي أَشْيَاءَ. فَإِنَّمَا بَيَّنْتُ أَنَّ عَيْنَ تَأْوِيلَاتِهِمْ هِيَ عَيْنُ تَأْوِيلَاتِ الْمَرِيسِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ الرَّدِّ الَّذِي صَنَّفَهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَشَاهِيرِ فِي زَمَانِ الْبُخَارِيِّ، صَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ: «رَدَّ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى الْكَاذِبِ الْعَنِيدِ فِيمَا افْتَرَى عَلَى اللهِ فِي التَّوْحِيدِ» حَكَى فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ بِأَعْيَانِهَا عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ بِكَلَامٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَرِيسِيَّ أَقْعَدُ بِهَا، وَأَعْلَمُ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ اتَّصَلَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ جِهَتِهِ، ثُمَّ رَدَّ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ بِكَلَامٍ إِذَا طَالَعَهُ الْعَاقِلُ الذَّكِيُّ: عَلِمَ حَقِيقَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ، وَتَبَيَّنَ لَهُ ظُهُورُ الْحُجَّةِ لِطَرِيقِهِمْ، وَضَعْفُ حُجَّةِ مَنْ خَالَفَهُمْ.

[إِجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ عَلَى ذَمِّ الْمَرِيسِيَّةِ]:

ثُمَّ إِذَا رَأَى الْأَئِمَّةَ - أَئِمَّةَ الْهُدَى - قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَمِّ الْمَرِيسِيَّةِ وَأَكْثَرُهُمْ كَفَّرُوهُمْ أَوْ ضَلَّلُوهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ السَّارِيَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ هُوَ مَذْهَبُ الْمَرِيسِيَّةِ، تَبَيَّنَ الْهُدَى لِمَنْ يُرِيدُ اللهُ هِدَايَتَهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

وَالْفَتْوَى لَا تَحْتَمِلُ الْبَسْطَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا نُشِيرُ إِشَارَةً إِلَى مَبَادِئِ الْأُمُورِ، وَالْعَاقِلُ يَسِيرُ فَيَنْظُرُ.

[بَعْضُ الْكُتُبِ الَّتِي عُنِيَتْ بِنَقْلِ مَذْهَبِ السَّلَفِ]:

وَكَلَامُ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبٍ كَثِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَذْكُرَ هُنَا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ، مِثْلُ: كِتَابِ «السُّنَنِ» لِلَّالَكَائِيِّ، وَ«الْإِبَانَةِ»

لِابْنِ بَطَّةَ، وَ«السُّنَّةِ» لِأَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ، وَ«الْأُصُولِ» لِأَبِي عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيِّ، وَكَلَامِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَ«الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ»

لِلْبَيْهَقِيِّ، وَقَبْلَ ذَلِكَ «السُّنَّةِ» لِلطَّبَرَانِيِّ، وَلِأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ، [وَلِأَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ مَنْدَهْ، وَلِأَبِي أَحْمَدَ الْعَسَّالِ الْأَصْبَهَانِيِّ]، وَقَبْلَ ذَلِكَ «السُّنَّةِ» لِلْخَلَّالِ، وَ«التَّوْحِيدِ» لِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَكَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَ«الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ» لِجَمَاعَةٍ، وَقَبْلَ ذَلِكَ «السُّنَّةِ» لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ، وَ«السُّنَّةِ» لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَثْرَمِ، وَ«السُّنَّةِ» لِحَنْبَلٍ وَلِلْمَرُّوذِيِّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَ«السُّنَّةِ» لِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وَكِتَابِ «الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ» لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَكِتَابِ «خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ»

لِأَبِي عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيِّ، وَكِتَابِ «الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ» لِعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، وَكَلَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيِّ صَاحِبِ «الْحَيْدَةِ» فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، وَكَلَامِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيِّ.

وَكَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ [وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ، وَقَبْلَ هَؤُلَاءِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَمْثَالِهِ] وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ.

وَعِنْدَنَا مِنَ الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَا لَا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَوْضِعُ لِذِكْرِهِ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَهُمْ شُبُهَاتٌ مَوْجُودَةٌ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهَا فِي الْفَتْوَى، فَمَنْ نَظَرَ فِيهَا وَأَرَادَ إِبَانَةَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبَهِ فَإِنَّهُ يَسِيرٌ.

وَإِذَا كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ - مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّأْوِيلِ - مَأْخُوذًا عَنْ تَلَامِذَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَالصَّابِئِينَ، وَالْيَهُودِ، فَكَيْفَ تَطِيبُ نَفْسُ مُؤْمِنٍ، بَلْ نَفْسُ عَاقِلٍ أَنْ يَأْخُذَ سُبُلَ هَؤُلَاءِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَيَدَعَ سَبِيلَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.

فَصْلٌ [مُجْمَلُ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ فِي صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى]:

ثُمَّ الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُوصَفَ اللهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «لَا يُوصَفُ اللهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ» .

وَمَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا وُصِفَ اللهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ لُغْزٌ وَلَا أَحَاجِيُّ، بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ، [لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِمَا يَقُولُ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ وَأَنْصَحَ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْرِيفِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ] .

وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، فَكَمَا يُتَيَقَّنُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَهُ ذَاتٌ حَقِيقَةً، وَلَهُ أَفْعَالٌ حَقِيقِيَّةٌ، فَكَذَلِكَ لَهُ صِفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَهُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا أَوْ حُدُوثًا فَإِنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْكَمَالِ الَّذِي لَا غَايَةَ فَوْقَهُ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ، وَاسْتِلْزَامِ الْحُدُوثِ، سَابِقُهُ الْعَدَمُ، وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إِلَى مُحْدِثٍ، وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

[مَذْهَبُ السَّلَفِ وَسَطٌ بَيْنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّعْطِيلِ]:

وَمَذْهَبُ السَّلَفِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَبَيْنَ التَّمْثِيلِ، فَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِ اللهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ، كَمَا لَا يُمَثِّلُونَ ذَاتَهُ بِذَاتِ خَلْقِهِ، وَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ فَيُعَطِّلُونَ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى، وَيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَآيَاتِهِ.

[بَيَانُ أَنَّ التَّعْطِيلَ تَمْثِيلٌ وَالتَّمْثِيلَ تَعْطِيلٌ]:

وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فَرِيقَيِ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ فَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ.

أَمَّا الْمُعَطِّلُونَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ إِلَّا مَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْمَخْلُوقِ، ثُمَّ شَرَعُوا فِي نَفْيِ تِلْكَ الْمَفْهُومَاتِ، فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّعْطِيلِ، مَثَّلُوا أَوَّلًا، وَعَطَّلُوا آخِرًا، وَهَذَا تَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ مِنْهُمْ لِلْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِالْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَاءِ خَلْقِهِ وَصِفَاتِهِمْ، وَتَعْطِيلٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِاللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: لَوْ كَانَ اللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَلَزِمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنَ الْعَرْشِ، أَوْ أَصْغَرَ أَوْ مُسَاوِيًا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ.

فَإِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ كَوْنِ اللهِ عَلَى الْعَرْشِ إِلَّا مَا يَثْبُتُ لِأَيِّ جِسْمٍ كَانَ عَلَى أَيِّ جِسْمٍ كَانَ، وَهَذَا اللَّازِمُ تَابِعٌ لِهَذَا الْمَفْهُومِ. [أَمَّا] اسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ وَيَخْتَصُّ بِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنَ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَجِبُ نَفْيُهَا.

وَصَارَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِ الْمُمَثِّلِ: إِذَا كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا، أَوْ عَرَضًا، وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ: إِذْ لَا يُعْقَلُ مَوْجُودٌ إِلَّا هَذَانِ، أَوْ قَوْلِهِ: إِذَا كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ، فَهُوَ مُمَاثِلٌ لِاسْتِوَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى السَّرِيرِ أَوِ الْفُلْكِ، إِذْ لَا يُعْلَمُ الِاسْتِوَاءُ إِلَّا هَكَذَا، فَإِنَّ كِلَاهُمَا مَثَّلَ وَكِلَاهُمَا عَطَّلَ حَقِيقَةَ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ، وَامْتَازَ [الْأَوَّلُ] بِتَعْطِيلِ كُلِّ مُسَمًّى لِلِاسْتِوَاءِ الْحَقِيقِيِّ، وَامْتَازَ الثَّانِي بِإِثْبَاتِ اسْتِوَاءٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ.

[إِثْبَاتُ الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ لِلهِ تَعَالَى]:

وَالْقَوْلُ الْفَاصِلُ: هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ، مِنْ أَنَّ اللهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَيَخْتَصُّ بِهِ، فَكَمَا أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبَتَ لِلْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ خَصَائِصُ الْأَعْرَاضِ الَّتِي كَعِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ وَقُدْرَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ هُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَا يُثْبَتُ لِفَوْقِيَّتِهِ خَصَائِصُ فَوْقِيَّةِ الْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَمَلْزُومَاتُهَا.

[مُوَافَقَةُ مَذْهَبِ السَّلَفِ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ]:

وَاعْلَمْ أَنْ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَلَا فِي النَّقْلِ الصَّحِيحِ مَا يُوجِبُ مُخَالَفَةَ الطَّرِيقَةِ السَّلَفِيَّةِ [أَصْلًا] لَكِنْ هَذَا الْمَوْضِعُ لَا يَتَّسِعُ لِلْجَوَابِ عَنِ الشُّبُهَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْحَقِّ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ شُبْهَةٌ وَأَحَبَّ حَلَّهَا فَذَلِكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ.

[اضْطِرَابُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ]:

ثُمَّ الْمُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ - مِنَ الْمُتَأَوِّلِينَ لِهَذَا الْبَابِ - فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، فَإِنَّ مَنْ يُنْكِرُ الرُّؤْيَةَ، يَزْعُمُ أَنَّ الْعَقْلَ يُحِيلُهَا، وَأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِيهَا إِلَى التَّأْوِيلِ، وَمَنْ يُحِيلُ أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً، وَأَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَقُولُ: إِنَّ الْعَقْلَ أَحَالَ ذَلِكَ، فَاضْطُرَّ إِلَى التَّأْوِيلِ، بَلْ مَنْ يُنْكِرُ حَقِيقَةَ حَشْرِ الْأَجْسَادِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْجَنَّةِ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَقْلَ أَحَالَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَى التَّأْوِيلِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَقْلَ أَحَالَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَى التَّأْوِيلِ.

[الدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ مَنْهَجِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ]:

وَيَكْفِيكَ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنْ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاعِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِيمَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَقْلَ جَوَّزَ أَوْ أَوْجَبَ مَا يَدَّعِي الْآخَرُ أَنَّ الْعَقْلَ أَحَالَهُ.

فَيَا لَيْتَ شِعْرِي بِأَيِّ عَقْلٍ يُوزَنُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَرَضِيَ اللهُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ حَيْثُ قَالَ: «أَوَكُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ تَرَكْنَا مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ لِجَدَلِ هَؤُلَاءِ؟» .

[الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ التَّأْوِيلِ]:

وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَخْصُومٌ بِمَا خَصَمَ بِهِ الْآخَرَ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: بَيَانُ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُ ذَلِكَ.

الثَّانِي: أَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.

الثَّالِثُ: أَنَّ عَامَّةَ هَذِهِ الْأُمُورِ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَاءَ بِهَا بِالِاضْطِرَارِ، كَمَا عُلِمَ أَنَّهُ جَاءَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَالتَّأْوِيلُ الَّذِي يُحِيلُهَا عَنْ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَأْوِيلَاتِ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّاتُ.

الرَّابِعُ: أَنْ يُبَيَّنَ أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يُوَافِقُ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ، وَإِنْ كَانَ فِي النُّصُوصِ مِنَ التَّفْصِيلِ مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ دَرْكِ تَفْصِيلِهِ، وَإِنَّمَا عَقَلَهُ مُجْمَلًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ، عَلَى أَنَّ الْأَسَاطِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَالْفُحُولَ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْعَقْلَ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْيَقِينِ فِي عَامَّةِ الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ.

وَإِذَا كَانَ هَكَذَا، فَالْوَاجِبُ تَلَقِّي عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّاتِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.

[الرَّسُولُ ﷺ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ وَأَنْصَحُهُمْ لَهَا]:

وَمِنَ الْمَعْلُومِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا، وَأَنَّهُ بَيَّنَ لِلنَّاسِ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

وَالْإِيمَانُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِالْخَلْقِ وَالْبَعْثِ كَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ:٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ:٢٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الرُّومِ:٢٧] .

وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَا هَدَى اللهُ بِهِ عِبَادَهُ، وَكَشَفَ بِهِ مُرَادَهُ.

وَمَعْلُومٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنْصَحُ لِلْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَفْصَحُ مِنْ غَيْرِهِ عِبَارَةً وَبَيَانًا، بَلْ هُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِذَلِكَ، وَأَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْأُمَّةِ، وَأَفْصَحُهُمْ، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ ﷺ كَمَالُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ [وَالْفَاعِلَ] إِذَا كَمَلَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَإِرَادَتُهُ: كَمَلَ كَلَامُهُ وَفِعْلُهُ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّقْصُ إِمَّا مِنْ نَقْصِ عِلْمِهِ، وَإِمَّا مِنْ عَجْزِهِ عَنْ بَيَانِ عِلْمِهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ إِرَادَتِهِ الْبَيَانَ.

وَالرَّسُولُ ﷺ هُوَ الْغَايَةُ فِي كَمَالِ الْعِلْمِ، وَالْغَايَةُ فِي كَمَالِ إِرَادَةِ الْبَلَاغِ الْمُبِينِ، وَالْغَايَةُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَلَاغِ الْمُبِينِ، وَمَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَالْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ: يَجِبُ وُجُودُ الْمُرَادِ، فَعُلِمَ قَطْعًا أَنَّ مَا بَيَّنَهُ مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ حَصَلَ بِهِ مُرَادُهُ مِنَ الْبَيَانِ، وَمَا أَرَادَهُ مِنَ الْبَيَانِ هُوَ مُطَابِقٌ لِعِلْمِهِ، وَعِلْمُهُ بِذَلِكَ هُوَ أَكْمَلُ الْعُلُومِ، فَكُلُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَ الرَّسُولِ ﷺ أَعْلَمُ بِهَذِهِ مِنْهُ، أَوْ أَكْمَلُ بَيَانًا مِنْهُ، أَوْ أَحْرَصُ عَلَى هَدْيِ الْخَلْقِ مِنْهُ، فَهُوَ مِنَ الْمُلْحِدِينَ لَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ [لَهُمْ بِإِحْسَانٍ] وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَ السَّلَفِ هُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى [سَبِيلِ] الِاسْتِقَامَةِ.

[الطَّوَائِفُ الْمُنْحَرِفَةُ عَنْ طَرِيقَةِ السَّلَفِ]:

وَأَمَّا الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِهِمْ فَهُمْ ثَلَاثُ طَوَائِفَ: أَهْلُ التَّخْيِيلِ، وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ، وَأَهْلُ التَّجْهِيلِ.

[الطَّائِفَةُ الْأُولَى: أَهْلُ التَّخْيِيلِ]:

فَأَهْلُ التَّخْيِيلِ: هُمُ الْمُتَفَلْسِفَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَمُتَصَوِّفٍ.

فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ لِلْحَقَائِقِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، لَا أَنَّهُ بَيَّنَ بِهِ الْحَقَّ، وَلَا هَدَى بِهِ الْخَلْقَ، وَلَا أَوْضَحَ الْحَقَائِقَ.

ثُمَّ هُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ:

مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَعْلَمِ الْحَقَائِقَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ.

وَيَقُولُونَ: إِنَّ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ مَنْ عَلِمَهَا، وَكَذَلِكَ مِنَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ أَوْلِيَاءَ مَنْ عَلِمَهَا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ أَوِ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَهَذِهِ مَقَالَةُ غُلَاةِ الْمُلْحِدِينَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ: بَاطِنِيَّةِ الشِّيعَةِ، وَبَاطِنِيَّةِ الصُّوفِيَّةِ.

وَمَنْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلِ الرَّسُولُ عَلِمَهَا لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْهَا، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِمَا يُنَاقِضُهَا، وَأَرَادَ مِنَ الْخَلْقِ فَهْمَ مَا يُنَاقِضُهَا، لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْخَلْقِ فِي هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ الَّتِي لَا تُطَابِقُ الْحَقَّ.

وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى اعْتِقَادِ التَّجْسِيمِ مَعَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِلَى اعْتِقَادِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ مَعَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَيُخْبِرَهُمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَعْوَةُ الْخَلْقِ إِلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْكَذِبَ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ. فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ فِي نُصُوصِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

وَأَمَّا الْأَعْمَالُ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجْرِيهَا هَذَا الْمَجْرَى، وَيَقُولُ: إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، وَيُؤْمَرُ بِهَا الْعَامَّةُ دُونَ الْخَاصَّةِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبَاطِنِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ.

[الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: أَهْلُ التَّأْوِيلِ]:

وَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ: فَيَقُولُونَ: إِنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي الصِّفَاتِ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ الْبَاطِلَ، وَلَكِنْ قَصَدَ بِهَا مَعَانِيَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ تِلْكَ الْمَعَانِيَ، وَلَا دَلَّهُمْ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرُوا فَيَعْرِفُوا الْحَقَّ بِعُقُولِهِمْ، ثُمَّ يَجْتَهِدُوا فِي صَرْفِ تِلْكَ النُّصُوصِ عَنْ مَدْلُولِهَا، وَمَقْصُودُهُ امْتِحَانُهُمْ وَتَكْلِيفُهُمْ إِتْعَابَ أَذْهَانِهِمْ وَعُقُولِهِمْ فِي أَنْ يَصْرِفُوا كَلَامَهُ عَنْ مَدْلُولِهِ وَمُقْتَضَاهُ، وَيَعْرِفُوا الْحَقَّ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُتَكَلِّمَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

[هَذِهِ الْفَتْوَى رَدٌّ عَلَى أَهْلِ التَّأْوِيلِ]:

وَالَّذِينَ قَصَدْنَا الرَّدَّ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْفُتْيَا هُمْ هَؤُلَاءِ، إِذْ كَانَ نُفُورُ النَّاسِ عَنِ الْأَوَّلِينَ مَشْهُورًا، بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ تَظَاهَرُوا بِنَصْرِ السُّنَّةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا لِلْإِسْلَامِ نَصَرُوا، وَلَا لِلْفَلَاسِفَةِ كَسَرُوا، وَلَكِنَّ أُولَئِكَ الْفَلَاسِفَةَ أَلْزَمُوهُمْ فِي نُصُوصِ الْمَعَادِ نَظِيرَ مَا ادَّعَوْهُ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ، فَقَالُوا لَهُمْ: نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرُّسُلَ جَاءَتْ بِمَعَادِ الْأَبْدَانِ، وَقَدْ عَلِمْنَا الشُّبَهَ الْمَانِعَةَ مِنْهُ.

وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ لِهَؤُلَاءِ: وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرُّسُلَ جَاءَتْ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، وَنُصُوصُ الصِّفَاتِ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ نُصُوصِ الْمَعَادِ.

وَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَعْلُومٌ أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَغَيْرَهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْمَعَادَ، وَقَدْ أَنْكَرُوهُ عَلَى الرَّسُولِ وَنَاظَرُوهُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ شَيْئًا مِنْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ.

فَعُلِمَ أَنَّ إِقْرَارَ الْعُقُولِ بِالصِّفَاتِ أَعْظَمُ مِنْ إِقْرَارِهَا بِالْمَعَادِ، وَأَنَّ إِنْكَارَ الْمَعَادِ أَعْظَمُ مِنْ إِنْكَارِ الصِّفَاتِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ لَيْسَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْمَعَادِ هُوَ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ.

وَأَيْضًا: فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ ﷺ قَدْ ذَمَّ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى مَا حَرَّفُوهُ وَبَدَّلُوهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّوْرَاةَ مَمْلُوءَةٌ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَاتِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا حُرِّفَ وَبُدِّلَ لَكَانَ إِنْكَارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَوْلَى، فَكَيْفَ وَكَانُوا إِذَا ذَكَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ الصِّفَاتِ يَضْحَكُ تَعَجُّبًا مِنْهُمْ وَتَصْدِيقًا؟، وَلَمْ يَعِبْهُمْ قَطُّ بِمَا تَعِيبُ النُّفَاةُ لِأَهْلِ الْإِثْبَاتِ، مِثْلِ: لَفْظِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ عَابَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، وَقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، وَقَوْلِهِمْ: اسْتَرَاحَ لَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، وَالتَّوْرَاةُ مَمْلُوءَةٌ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُطَابِقَةِ لِلصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِالْمَعَادِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ. فَإِذَا جَازَ أَنْ نَتَأَوَّلَ الصِّفَاتِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْكِتَابَانِ، فَتَأْوِيلُ الْمَعَادِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا أَوْلَى، وَالثَّانِي مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ بَاطِلٌ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ.

[الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: أَهْلُ التَّجْهِيلِ]:

وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّالِثُ: وَهُمْ أَهْلُ التَّجْهِيلِ: فَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ وَأَتْبَاعِ السَّلَفِ. يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَعَانِيَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَلَا جِبْرِيلُ يَعْرِفُ مَعَانِيَ [تِلْكَ] الْآيَاتِ، وَلَا السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ عَرَفُوا ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ: إِنَّ مَعْنَاهَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ تَكَلَّمَ بِهَذَا ابْتِدَاءً، فَعَلَى قَوْلِهِمْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ.

وَهَؤُلَاءِ يَظُنُّونَ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فَإِنَّهُ وَقَفَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وَهُوَ وَقْفٌ صَحِيحٌ [لَكِنْ] لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَعْنَى الْكَلَامِ وَتَفْسِيرِهِ، وَبَيْنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ تَعَالَى بِعَمَلِهِ، وَظَنُّوا أَنَّ التَّأْوِيلَ [الْمَذْكُورَ] فِي كَلَامِ اللهِ تَعَالَى هُوَ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ.

[مَعْنَى التَّأْوِيلِ]:

فَإِنَّ التَّأْوِيلَ يُرَادُ بِهِ ثَلَاثُ مَعَانٍ:

[التَّأْوِيلُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ]:

فَالتَّأْوِيلُ فِي اصْطِلَاحِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ هُوَ: صَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ.

فَلَا يَكُونُ مَعْنَى اللَّفْظِ الْمُوَافِقُ لِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ تَأْوِيلًا عَلَى اصْطِلَاحِ هَؤُلَاءِ، وَظَنُّوا أَنَّ مُرَادَ اللهِ بِلَفْظِ التَّأْوِيلِ ذَلِكَ، وَأَنَّ لِلنُّصُوصِ تَأْوِيلًا مُخَالِفً لِمَدْلُولِهَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، أَوْ يَعْلَمُهُ الْمُتَأَوِّلُونَ.

ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: تُجْرَى عَلَى ظَاهِرِهَا، فَظَاهِرُهَا مُرَادٌ. مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ لَهَا تَأْوِيلًا بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.

[التَّأْوِيلُ فِي اصْطِلَاحِ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ]:

وَالْمَعْنَى الثَّانِي: [أَنَّ] التَّأْوِيلَ هُوَ تَفْسِيرُ الْكَلَامِ، سَوَاءٌ وَافَقَ ظَاهِرَهُ أَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ، وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ فِي اصْطِلَاحِ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِوَقْفِ مَنْ وَقَفَ مِنَ السَّلَفِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَابْنِ قُتَيْبَةَ وَغَيْرِهِمْ.

وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ بِاعْتِبَارٍ، كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، وَلِهَذَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَهَذَا وَكِلَاهُمَا حَقٌّ.

[التَّأْوِيلُ الْوَارِدُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ]:

وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ: أَنَّ التَّأْوِيلَ: هُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي يَؤُولُ الْكَلَامُ إِلَيْهَا، وَإِنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَهُ، فَتَأْوِيلُ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنِّكَاحِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هُوَ الْحَقَائِقُ الْمَوْجُودَةُ أَنْفُسُهَا، لَا مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ مَعَانِيهَا فِي الْأَذْهَانِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللِّسَانِ، وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ فِي لُغَةِ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا أَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] .

وَهَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ.

[مَا الْمُرَادُ بِتَأْوِيلِ الصِّفَاتِ]:

فَتَأْوِيلُ الصِّفَاتِ هُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي انْفَرَدَ اللهُ بِعِلْمِهَا، وَهُوَ الْكَيْفُ الْمَجْهُولُ الَّذِي قَالَ فِيهِ السَّلَفُ كَمَالِكٍ وَغَيْرِهِ: «الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ» فَالِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ يُعْلَمُ مَعْنَاهُ وَتَفْسِيرُهُ وَيُتَرْجَمُ بِلُغَةٍ أُخْرَى، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ الِاسْتِوَاءِ، فَهُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ فِي تَفْسِيرِهِمْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ.

وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .

وَكَذَلِكَ عِلْمُ السَّاعَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، وَإِنْ كُنَّا نَفْهَمُ مَعَانِيَ مَا خُوطِبْنَا بِهِ، وَنَفْهَمُ مِنَ الْكَلَامِ مَا قُصِدَ إِفْهَامُنَا إِيَّاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، فَأَمَرَ بِتَدَبُّرِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ لَا بِتَدَبُّرِ بَعْضِهِ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: «حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِؤُونَنَا الْقُرْآنَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَتَجَاوَزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا» .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أَسْأَلُهُ عَنْهَا» .

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «مَا ابْتَدَعَ أَحَدٌ بِدْعَةً إِلَّا وَفِي كِتَابِ اللهِ بَيَانُهَا» .

وَقَالَ مَسْرُوقٌ: «مَا قَالَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَعِلْمُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ عِلْمُنَا قَصُرَ عَنْهُ» .

وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى [أُصُولِ] الْمَقَالَاتِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي أَوْجَبَتِ الضَّلَالَ فِي بَابِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَأَنَّ مَنْ جَعَلَ الرَّسُولَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَلَا جِبْرِيلَ جَعَلَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالسَّمْعِيَّاتِ، لَمْ يَجْعَلِ الْقُرْآنَ هُدًى وَلَا بَيَانًا لِلنَّاسِ.

[اللَّوَازِمُ الْفَاسِدَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ التَّجْهِيلِ]:

ثُمَّ هَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ الْعَقْلِيَّاتِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا يَجْعَلُونَ عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ وَأُمَّتِهِ فِي بَابِ مَعْرِفَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا عُلُومًا عَقْلِيَّةً وَلَا سَمْعِيَّةً، وَهُمْ قَدْ شَارَكُوا [فِي هَذَا] الْمَلَاحِدَةَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهُمْ مُخْطِؤُونَ فِيمَا نَسَبُوهُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَإِلَى السَّلَفِ مِنَ

الْجَهْلِ، كَمَا أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْمَلَاحِدَةِ.

[أَقْوَالُ الْأَئِمَّةِ فِي صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى]:

وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ أَلْفَاظِ السَّلَفِ بِأَعْيَانِهَا، وَأَلْفَاظِ مَنْ نَقَلَ مَذْهَبَهُمْ بِحَسَبِ مَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمَوْضِعُ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَذْهَبُهُمْ.

[قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ]:

رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: «كُنَّا وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرُونَ نَقُولُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَنُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ صِفَاتِهِ» .

فَقَدْ حَكَى الْأَوْزَاعِيُّ - وَهُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي عَصْرِ تَابِعِي التَّابِعِينَ، الَّذِينَ هُمْ مَالِكٌ إِمَامُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ، وَاللَّيْثُ إِمَامُ أَهْلِ مِصْرَ، وَالثَّوْرِيُّ إِمَامُ أَهْلِ الْعِرَاقِ - حَكَى شُهْرَةَ الْقَوْلِ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ بِالْإِيمَانِ بِأَنَّ اللهَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَبِصِفَاتِهِ السَّمْعِيَّةِ.

[قَوْلُ مَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ]:

وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي «كِتَابِ السُّنَّةِ» عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: «سُئِلَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ عَنْ تَفْسِيرِ الْأَحَادِيثِ، فَقَالَا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ» .

[قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ]:

وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ، وَالْأَوْزَاعِيَّ عَنِ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الصِّفَاتِ؟ فَقَالُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالُوا: أَمِرَّهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ» .

فَقَوْلُهُمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: «أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ» رَدٌّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ، وَقَوْلُهُمْ: «بِلَا كَيْفٍ» رَدٌّ عَلَى الْمُمَثِّلَةِ. وَالزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ هُمَا أَعْلَمُ التَّابِعِينَ [فِي زَمَانِهِمْ]، وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقُونَ هُمْ أَئِمَّةُ الدُّنْيَا فِي عَصْرِ تَابِعِي التَّابِعِينَ.

وَإِنَّمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هَذَا بَعْدَ ظُهُورِ أَمْرِ جَهْمٍ الْمُنْكِرِ لِكَوْنِ اللهِ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَالنَّافِي لِصِفَاتِهِ، لِيَعْرِفَ النَّاسُ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ.

وَمِنْ طَبَقَتِهِمْ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، [وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَمْثَالُهُمَا] .

رَوَى أَبُوالْقَاسِمِ الْأَزَجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ [إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ] مَنْ يَدْفَعُ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَنًا، الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَغْيِيرُهَا وَلَا النَّظَرُ فِي شَيْءٍ خَالَفَهَا، مَنِ اهْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا فَهُوَ مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَّاهُ اللهُ مَا تَوَلَّى وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا» .

[قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الِاسْتِوَاءِ]:

وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادٍ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ [ثِقَاتٌ] عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: «سُئِلَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: ٥]، كَيْفَ اسْتَوَى؟ قَالَ: «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَمِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وَعَلَيْنَا التَّصْدِيقُ» .

وَهَذَا الْكَلَامُ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ تِلْمِيذِ رَبِيعَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.

[قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي الِاسْتِوَاءِ]:

مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ كَيْفَ اسْتَوَى؟، فَأَطْرَقَ مَالِكٌ بِرَأْسِهِ حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ ثُمَّ قَالَ: «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُمَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُبْتَدِعًا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُخْرَجَ» اهـ.

[مَعْنَى قَوْلِ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ]:

فَقَوْلُ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ: «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ» مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْبَاقِينَ: «أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ»، فَإِنَّمَا نَفَوْا عِلْمَ الْكَيْفِيَّةِ، وَلَمْ يَنْفُوا حَقِيقَةَ الصِّفَةِ.

وَلَوْ كَانَ الْقَوْمُ قَدْ آمَنُوا بِاللَّفْظِ الْمُجَرَّدِ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ لِمَعْنَاهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللهِ لَمَا قَالُوا: «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ»، وَلَمَا قَالُوا: «أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ»، فَإِنَّ الِاسْتِوَاءَ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مَعْلُومًا، بَلْ مَجْهُولًا بِمَنْزِلَةِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى نَفْيِ عِلْمِ الْكَيْفِيَّةِ، إِذَا لَمْ يُفْهَمْ مِنَ اللَّفْظِ مَعْنًى، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى نَفْيِ عِلْمِ الْكَيْفِيَّةِ إِذَا أُثْبِتَتِ الصِّفَاتُ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَنْ يَنْفِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ أَوِ الصِّفَاتِ مُطْلَقًا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: بِلَا كَيْفٍ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ، لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: بِلَا كَيْفٍ، فَلَوْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ نَفْيُ الصِّفَاتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمَا قَالُوا: بِلَا كَيْفٍ.

[مَعْنَى قَوْلِ الْأَئِمَّةِ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ]:

وَأَيْضًا: فَقَوْلُهُمْ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ. يَقْتَضِي إِبْقَاءَ دَلَالَتِهَا عَلَى [مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا جَاءَتْ أَلْفَاظًا دَالَّةً عَلَى مَعَانِي، فَلَوْ كَانَتْ] دَلَالَتُهَا مُنْتَفِيَةً لَكَانَ الْوَاجِبُ [أَنْ يُقَالَ: أَمِرُّوا أَلْفَاظَهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهَا غَيْرُ مُرَادٍ، أَوْ أَمِرُّوا أَلْفَاظَهَا مَعَ] اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ حَقِيقَةً، وَحِينَئِذٍ فَلَا [تَكُونُ قَدْ أُمِرَّتْ] كَمَا جَاءَتْ، وَلَا يُقَالُ حِينَئِذٍ: بِلَا كَيْفٍ، إِذْ نَفْيُ الْكَيْفِيَّةِ عَمَّا لَيْسَ بِثَابِتٍ لَغْوٌ مِنَ الْقَوْلِ.

[قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ]:

وَرَوَى [الْأَثْرَمُ فِي السُّنَّةِ] وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ فِي الْإِبَانَةِ، [وَأَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ وَغَيْرُهُمْ] بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ - وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَدِينَةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ - وَقَدْ سُئِلَ فِيمَا جَحَدَتْ بِهِ الْجَهْمِيَّةُ:

«أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ فَهِمْتُ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فِيمَا تَتَابَعَتِ الْجَهْمِيَّةُ وَمَنْ خَالَفَهَا فِي صِفَةِ الرَّبِّ [الْعَظِيمِ الَّذِي فَاقَتْ عَظَمَتُهُ الْوَصْفَ وَالتَّقْدِيرَ وَكَلَّتِ الْأَلْسُنُ عَنْ] تَفْسِيرِ صِفَتِهِ، وَانْحَسَرَتِ الْعُقُولُ دُونَ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ رَدَّتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغًا فَرَجَعَتْ خَاسِئَةً وَهِيَ حَسِيرَةٌ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِالنَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ فِيمَا خَلَقَ بِالتَّقْدِيرِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ «كَيْفَ»؟ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ، فَأَمَّا الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وَلَمْ يَزَلْ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ، وَكَيْفَ يُعْرَفُ قَدْرُ مَنْ لَمْ يَبْدَ وَمَنْ لَمْ يَمُتْ، وَلَا يَبْلَى، وَكَيْفَ [يَكُونُ] لِصِفَةِ شَيْءٍ مِنْهُ حَدٌّ أَوْ مُنْتَهًى؟ يَعْرِفُهُ عَارِفٌ أَوْ يَحُدُّ قَدْرَهُ وَاصِفٌ عَلَى أَنَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، لَا حَقَّ أَحَقُّ مِنْهُ، وَلَا شَيْءَ، أَبْيَنُ مِنْهُ. الدَّلِيلُ عَلَى عَجْزِ الْعُقُولِ فِي تَحْقِيقِ صِفَتِهِ، عَجْزُهَا عَنْ تَحْقِيقِ صِفَةِ أَصْغَرِ خَلْقِهِ، لَا تَكَادُ تَرَاهُ صِغَرًا يَحُولُ وَيَزُولُ، وَلَا يُرَى لَهُ سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ، لَمَا يَتَقَلَّبُ بِهِ وَيَحْتَالُ مِنْ عَقْلِهِ، أَعْضَلُ بِكَ وَأَخْفَى عَلَيْكَ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، وَخَالِقُهُمْ وَسَيِّدُ السَّادَاتِ، وَرَبُّهُمْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .

اعْرِفْ - رَحِمَكَ اللهُ - غِنَاكَ عَنْ تَكَلُّفِ صِفَةِ مَا لَمْ يَصِفِ الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ بِعَجْزِكَ عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِ مَا وَصَفَ مِنْهَا، إِذَا لَمْ تَعْرِفْ قَدْرَ مَا وَصَفَ فَمَا تَكَلُّفُكَ عِلْمَ مَا لَمْ يَصِفْ، هَلْ تَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ طَاعَتِهِ، أَوْ تَنْزَجِرُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَعْصِيَتِهِ؟

فَأَمَّا الَّذِي جَحَدَ مَا وَصَفَ الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ تَعَمُّقًا وَتَكَلُّفًا، فَقَدِ ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام:٧١] فَصَارَ يَسْتَدِلُّ بِزَعْمِهِ عَلَى جَحْدِ مَا وَصَفَ الرَّبُّ وَسَمَّى مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ [قَالَ]: لَا بُدَّ إِنْ كَانَ لَهُ كَذَا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ كَذَا فَعَمِيَ عَنِ الْبَيِّنِ بِالْخَفِيِّ، وَجَحَدَ مَا سَمَّى الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ بِصَمْتِ الرَّبِّ عَمَّا لَمْ يُسَمِّ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ يُمْلِي لَهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى جَحَدَ قَوْلَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ـ٢٣] فَقَالَ: لَا يَرَاهُ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَجَحَدَ وَاللهِ أَفْضَلَ كَرَامَةِ اللهِ الَّتِي أَكْرَمَ بِهَا أَوْلِيَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ، وَنَضْرَتِهِ إِيَّاهُمْ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]، وَقَدْ قَضَى أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ، فَهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ يَنْظُرُونَ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّمَا جَحَدَ رُؤْيَةَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ الضَّالَّةِ الْمُضِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ إِذَا تَجَلَّى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا مِنْهُ مَا كَانُوا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنِينَ، وَكَانَ لَهُ جَاحِدًا.

وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَارَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَذَلِكَ» .

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَمْتَلِئُ النَّارُ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ» .

وَقَالَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «لَقَدْ ضَحِكَ اللهُ مِمَّا فَعَلْتَ بِضَيْفِكَ الْبَارِحَةَ» .

وَقَالَ فِيمَا بَلَغَنَا: «إِنَّ اللهَ لَيَضْحَكُ مِنْ أَزْلِكُمْ وَقُنُوطِكُمْ وَسُرْعَةِ إِجَابَتِكُمْ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ: إِنَّ رَبَّنَا لَيَضْحَكُ؟ [قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: لَا نَعْدَمُ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا» فِي أَشْبَاهٍ لِهَذَا مِمَّا لَمْ نُحْصِهِ.

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى:١١]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطُّورِ:٤٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، وَقَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَرِ:٦٧] . فَوَاللهِ مَا دَلَّهُمْ عَلَى عِظَمِ مَا وَصَفَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَا تُحِيطُ بِهِ قَبْضَتُهُ إِلَّا صِغَرُ [نَظِيرِهَا مِنْهُمْ عِنْدَهُمْ، إِنَّ ذَلِكَ الَّذِي] أَلْقَى فِي رُوعِهِمْ، وَخَلَقَ عَلَى مَعْرِفَةِ [قُلُوبِهِمْ]، فَمَا وَصَفَ اللهُ مِنْ نَفْسِهِ فَسَمَّاهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ سَمَّيْنَاهُ كَمَا أَسْمَاهُ، وَلَمْ نَتَكَلَّفْ مِنْهُ صِفَةَ مَاسِوَاهُ - لَا هَذَا وَلَا هَذَا - لَا نَجْحَدُ مَا وَصَفَ، وَلَا نَتَكَلَّفُ مَعْرِفَةَ مَا لَمْ يَصِفْ.

اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللهُ - أَنَّ الْعِصْمَةَ فِي الدِّينِ أَنْ تَنْتَهِيَ فِي الدِّينِ حَيْثُ انْتُهِيَ بِكَ وَلَا تُجَاوِزَ مَا حُدَّ لَكَ، فَإِنَّ مِنْ قِوَامِ الدِّينِ مَعْرِفَةَ الْمَعْرُوفِ وَإِنْكَارَ الْمُنْكَرِ، فَمَا بَسَطَتْ عَلَيْهِ الْمَعْرِفَةُ وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ الْأَفْئِدَةُ وَذُكِرَ أَصْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَوَارَثَ عِلْمَهُ الْأُمَّةُ، فَلَا تَخَافَنَّ فِي ذِكْرِهِ وَصِفَتِهِ مِنْ رَبِّكَ مَا وَصَفَهُ مِنْ نَفْسِهِ عَيْبًا، وَلَا تَتَكَلَّفَنَّ لِمَا وَصَفَ لَكَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرًا.

وَمَا أَنْكَرَتْهُ نَفْسُكَ، وَلَمْ تَجِدْ ذِكْرَهُ فِي كِتَابِ رَبِّكَ وَلَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ نَبِيِّكَ - مِنْ ذِكْرِ رَبِّكَ - فَلَا تَتَكَلَّفَنَّ عِلْمَهُ بِعَقْلِكَ، وَلَا تَصِفْهُ بِلِسَانِكَ، وَاصْمُتْ عَنْهُ كَمَا صَمَتَ الرَّبُّ عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ تَكَلُّفَكَ [مَعْرِفَةَ]

مَا لَمْ يَصِفْ مِنْ نَفْسِهِ كَإِنْكَارِكَ مَا وَصَفَ مِنْهَا، فَكَمَا أَعْظَمْتَ مَا جَحَدَهُ الْجَاحِدُونَ مِمَّا وَصَفَ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ أَعْظِمْ [تَكَلُّفَ] مَا وَصَفَ الْوَاصِفُونَ مِمَّا لَمْ يَصِفْ مِنْهَا.

فَقَدْ - وَاللهِ - عَزَّ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْمَعْرُوفَ وَبِمَعْرِفَتِهِمْ يُعْرَفُ، وَيُنْكِرُونَ الْمُنْكَرَ وَبِإِنْكَارِهِمْ يُنْكَرُ، يَسْمَعُونَ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِهِ، وَمَا بَلَغَهُمْ مِثْلُهُ مِنْ نَبِيِّهِ، فَمَا مَرِضَ مِنْ ذِكْرِ هَذَا وَتَسْمِيَتِهِ قَلْبُ مُسْلِمٍ، وَلَا تَكَلَّفَ صِفَةَ قُدْرَةٍ وَلَا تَسْمِيَةَ غَيْرِهِ مِنَ الرَّبِّ مُؤْمِنٌ.

وَمَا ذُكِرَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ سَمَّاهُ مِنْ صِفَةِ رَبِّهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا سَمَّى وَمَا وَصَفَ الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ.

وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ - الْوَاقِفُونَ حَيْثُ انْتَهَى عِلْمُهُمْ، الْوَاصِفُونَ لِرَبِّهِمْ بِمَا وَصَفَ مِنْ نَفْسِهِ، التَّارِكُونَ لِمَا تَرَكَ مِنْ ذِكْرِهَا - لَا يُنْكِرُونَ صِفَةَ مَا سَمَّى مِنْهَا جَحْدًا، وَلَا يَتَكَلَّفُونَ وَصْفَهُ بِمَا لَمْ يُسَمِّ تَعَمُّقًا، لِأَنَّ الْحَقَّ تَرْكُ مَا تَرَكَ وَتَسْمِيَةُ مَا سَمَّى وَمَنْ يَتَّبِعْ ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٥]، وَهَبَ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ حُكْمًا، وَأَلْحَقَنَا بِالصَّالِحِينَ اهـ.

وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ الْإِمَامِ فَتَدَبَّرْهُ، وَانْظُرْ كَيْفَ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ وَنَفَى عِلْمَ الْكَيْفِيَّةِ مُوَافَقَةً لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَكَيْفَ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِهَا كَذَا وَكَذَا كَمَا تَقُولُهُ الْجَهْمِيَّةُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا أَوْ [عَرَضًا فَيَكُونَ] .

[قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كِتَابِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ]:

وَفِي كِتَابِ «الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ» الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، الَّذِي رَوَوْهُ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَلْخِيِّ، قَالَ: «سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ الْفِقَةِ الْأَكْبَرِ؟ فَقَالَ: لَا تُكَفِّرَنَّ أَحَدًا بِذَنْبٍ، وَلَا تَنْفِ أَحَدًا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ. وَلَا [تَتَبَرَّأْ مِنْ] أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا تُوَالِي أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ، وَأَنْ تَرُدَّ أَمْرَ عُثْمَانَ [وَعَلِيٍّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ] .

قَالَ «أَبُو حَنِيفَةَ»: الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ فِي الدِّينِ خَيْرٌ مِنَ الْفِقْهِ فِي الْعِلْمِ، وَلَأَنْ يَفْقَهَ الرَّجُلُ كَيْفَ يَعْبُدُ رَبَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَجْمَعَ الْعِلْمَ الْكَثِيرَ. اهـ.

قَالَ «أَبُو مُطِيعٍ»: قُلْتُ: أَخْبِرْنى عَنْ أَفْضَلِ الْفِقْهِ؟ قَالَ: تَعَلُّمُ الرَّجُلِ الْإِيمَانَ وَالشَّرَائِعَ وَالسُّنَنَ، وَالْحُدُودَ، وَاخْتِلَافَ الْأَئِمَّةِ، وَذَكَرَ مَسَائِلَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسَائِلَ الْقَدَرِ، وَالرَّدَّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ بِكَلَامٍ حَسَنٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.

ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَتْبَعُهُ عَلَى ذَلِكَ أُنَاسٌ، فَيَخْرُجُ عَلَى الْجَمَاعَةِ: هَلْ تَرَى ذَلِكَ؟ .

قَالَ: لَا. قُلْتُ: وَلِمَ؟ وَقَدْ أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَهُوَ فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ؟ . قَالَ: كَذَلِكَ وَلَكِنْ مَا يُفْسِدُونَ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُونَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَاسْتِحْلَالِ الْحَرَامِ.

قَالَ: وَذَكَرَ الْكَلَامَ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ، إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ «أَبُوحَنِيفَةَ» عَمَّنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ: فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥] وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ.

قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ لَا أَدْرِي الْعَرْشُ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: هُوَ كَافِرٌ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِي السَّمَاءِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَأَنَّهُ يُدْعَى مِنْ أَعْلَى لَا مِنْ أَسْفَلَ - وَفِي لَفْظٍ - سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَمَّنْ يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ. قَالَ: قَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥] وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، قَالَ: فَإِنَّهُ يَقُولُ: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ وَلَكِنْ لَا يَدْرِي الْعَرْشُ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ.

قَالَ: إِذَا أَنْكَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَقَدْ كَفَرَ.

[تَكْفِيرُ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَنْ تَوَقَّفَ وَلَمْ يَجْزِمْ هَلِ اللهُ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ]:

فَفِي هَذَا الْكَلَامِ الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ كَفَّرَ الْوَاقِفَ الَّذِي يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ الْجَاحِدُ النَّافِي الَّذِي يَقُولُ: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ [أَوْ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ؟] وَاحْتَجَّ عَلَى كُفْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥] قَالَ: وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ.

وَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ يُبَيِّنُ أَنَّ اللهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، فَوْقَ الْعَرْشِ، وَأَنَّ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللهَ نَفْسَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِتَكْفِيرِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ، وَلَكِنْ تَوَقَّفَ فِي كَوْنِ الْعَرْشِ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَنْكَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ اللهَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَأَنَّهُ يُدْعَى مِنْ أَعْلَى لَا مِنْ أَسْفَلَ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِتَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللهُ فِي السَّمَاءِ، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَأَنَّهُ يُدْعَى مِنْ أَعْلَى لَا مِنْ أَسْفَلَ، وَكُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ الْحُجَّتَيْنِ فِطْرِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ مَفْطُورَةٌ عَلَى [الْإِقْرَارِ] بِأَنَّ اللهَ فِي الْعُلُوِّ، وَعَلَى أَنَّهُ يُدْعَى مِنْ أَعْلَى لَا مِنْ أَسْفَلَ، وَقَدْ جَاءَ اللَّفْظُ الْآخَرُ صَرِيحًا عَنْهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: إِذَا أَنْكَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَقَدْ كَفَرَ.

وَرَوَى هَذَا اللَّفْظَ عَنْهُ بِالْإِسْنَادِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ الْهَرَوِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ «الْفَارُوقِ» .

[قَوْلُ هِشَامِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الرَّازِيِّ]:

وَرَوَى هُوَ أَيْضًا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ الرَّازِيَّ - صَاحِبَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، قَاضِىَ الرَّيِّ - حَبَسَ رَجُلًا فِي التَّجَهُّمِ، فَتَابَ فَجِيءَ بِهِ إِلَى هِشَامٍ لِيُطْلِقَهُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوْبَةِ. فَامْتَحَنَهُ هِشَامٌ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ، وَلَا أَدْرِي مَا بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. فَقَالَ: «رُدُّوهُ إِلَى الْحَبْسِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتُبْ» .

[قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ]:

وَرَوَى أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَلَى الْعَرْشِ بَائِنٌ مِنَ الْخَلْقِ، وَقَدْ [أَحَاطَ] بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، لَا يَشُكُّ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِلَّا جَهْمِيٌّ رَدِيءٌ ضِلِّيلٌ، وَهَالِكٌ مُرْتَابٌ، [يَمْزُجُ] اللهَ بِخَلْقِهِ، وَيَخْلِطُ مِنْهُ الذَّاتَ بِالْأَقْذَارِ وَالْأَنْتَانِ» .

[قَوْلُ ابْنِ الْمَدِينِيِّ]:

وَرَوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ الْمَدِينِىِّ [لَمَّا سُئِلَ: مَا قَوْلُ] أَهْلِ الْجَمَاعَةِ؟ قَالَ: «يُؤْمِنُونَ بِالرُّؤْيَةِ وَالْكَلَامِ، وَأَنَّ اللهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى؛ [فَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى] ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [الْمُجَادَلَةِ:٧]، فَقَالَ: اقْرَأْ مَا قَبْلَهَا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ .

[قَوْلُ الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ]:

وَرَوَى أَيْضًا عَنْ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ قَالَ: «هُوَ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا وَصَفَ فِي كِتَابِهِ، وَعِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ» .

[قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ]:

وَرَوَى عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥] فَقَالَ: «تَفْسِيرُهُ كَمَا تَقْرَأُ، هُوَ عَلَى الْعَرْشِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ» .

[قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ]:

وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ - صَاحِبُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ - فِي «أُصُولِ السُّنَّةِ» بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ - قَالَ: «اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صِفَةِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ: مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ وَلَا وَصْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، فَمَنْ فَسَّرَ الْيَوْمَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ خَرَحَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَصِفُوا وَلَمْ يُفَسِّرُوا، وَلَكِنْ أَفْتَوْا بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ثُمَّ سَكَتُوا، فَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ جَهْمٍ فَقَدْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّهُ قَدْ وَصَفَهُ بِصِفَةِ لَا شَيْءٍ» اهـ.

مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَخَذَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَطَبَقَتِهِمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ حَكَى عَلَى هَذَا الْإِجْمَاعَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ تَصِفُهُ بِالْأُمُورِ السَّلْبِيَّةِ غَالِبًا، أَوْ دَائِمًا.

وَ[قَوْلُهُ: «مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ» أَرَادَ بِهِ تَفْسِيرَ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا تَفْسِيرَ الصِّفَاتِ بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ مِنَ الْإِثْبَاتِ] .

[قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ]:

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ: «هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: «ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ»، «وَأَنَّ جَهَنَّمَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رَبُّكَ قَدَمَهُ فِيهَا»، «وَالْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ»، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي «الرُّؤْيَةِ» هِيَ عِنْدَنَا حَقٌّ حَمَلَهَا الثِّقَاتُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، غَيْرَ أَنَّا إِذَا سُئِلْنَا عَنْ تَفْسِيرِهَا لَا نُفَسِّرُهَا، وَمَا أَدْرَكْنَا أَحَدًا يُفَسِّرُهَا» اهـ.

«أَبُو عُبَيْدٍ» أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ هُمْ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَلَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِالْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَالتَّأْوِيلِ مَا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ، وَقَدْ كَانَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ الْفِتَنُ وَالْأَهْوَاءُ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا أَدْرَكَ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ يُفَسِّرُهَا. [أَيْ تَفْسِيرَ الْجَهْمِيَّةِ] .

[قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ]:

وَرَوَى اللَّالَكَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي أَكْرَهُ الصِّفَةَ - عَنَى صِفَةَ الرَّبِّ - فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: «أَنَا أَشَدُّ النَّاسِ كَرَاهَةً لِذَلِكَ، وَلَكِنْ إِذَا نَطَقَ الْكِتَابُ بِشَيْءٍ قُلْنَا بِهِ، وَإِذَا جَاءَتِ الْآثَارُ بِشَيْءٍ جَسَرْنَا عَلَيْهِ» وَنَحْوَ هَذَا.

أَرَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَنَّا نَكْرَهُ أَنْ نَبْتَدِئَ بِوَصْفِ اللهِ مِنْ ذَاتِ أَنْفُسِنَا حَتَّى يَجِيءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالْآثَارُ.

وَرَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: بِمَاذَا نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: «بِأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا نَقُولُ كَمَا تَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ: أَنَّهُ هَهُنَا فِي الْأَرْضِ»

وَهَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.

[قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ]:

وَرَوَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ - الْإِمَامِ ـ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ وَذَكَرَ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا يُحَاوِلُونَ أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ» .

[قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الضُّبَعِيِّ]:

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ «الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ» عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الضُّبَعِيِّ - إِمَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عِلْمًا وَدِينًا، مِنْ شُيُوخِ أَحْمَدَ - أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْجَهْمِيَّةُ، فَقَالَ: «هُمْ شَرٌّ قَوْلًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَدِ اجْتَمَعَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَأَهْلُ الْأَدْيَانِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اللهَ عَلَى الْعَرْشِ. وَقَالُوا هُمْ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ» .

[قَوْلُ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ]:

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ - إِمَامُ الْأَئِمَّةِ: «مَنْ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ اللهَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَجَبَ أَنْ يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ، لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِنَتْنِ رِيحِهِ أَهْلُ الْقِبْلَةِ، وَلَا أَهْلُ الذِّمَّةِ»، [ذَكَرَهُ عَنْهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ] .

[قَوْلُ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ الْوَاسِطِيِّ]:

وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ الْوَاسِطِيِّ - إِمَامِ أَهْلِ وَاسِطٍ، مِنْ طَبَقَةِ شُيُوخِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - قَالَ: «كَلَّمْتُ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ وَأَصْحَابَ بِشْرٍ، فَرَأَيْتُ آخِرَ كَلَامِهِمْ يَنْتَهِي إِلَى أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ» .

[قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ]:

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ - الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ شَرٌّ مِنْ أَصْحَابِ جَهْمٍ، يَدُورُونَ عَلَى أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ، أَرَى - وَاللهِ - أَنْ لَا يُنَاكَحُوا، وَلَا يُوَرَّثُوا» .

وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ «الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ» عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: «أَصْحَابُ جَهْمٍ يُرِيدُونَ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ، أَرَى أَنْ يُسْتَتَابُوا، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا» .

[قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ]:

وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: «قَدِمَتِ امْرَأَةُ جَهْمٍ فَنَزَلَتِ الدَّبَّاغِينَ، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهَا: اللهُ عَلَى عَرْشِهِ. فَقَالَتْ: مَحْدُودٌ عَلَى مَحْدُودٍ؟ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كَافِرَةٌ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ» .

[قَوْلُ عَاصِمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ]:

وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ - شَيْخِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَطَبَقَتِهِمَا - قَالَ: «نَاظَرْتُ جَهْمِيًّا، فَتَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَنَّ فِي السَّمَاءِ رَبًّا» .

[قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ]:

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ نَافِعٍ الصَّائِغَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: «اللهُ فِي السَّمَاءِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ

مَكَانٍ، لَا يَخْلُو مِنْ عِلْمِهِ مَكَانٌ» .

[قَوْلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ]:

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَقٌّ قَضَاهَا اللهُ فِي سَمَائِهِ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ قُلُوبَ عِبَادِهِ» .

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ تَفْتَخِرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.

[اسْتِتَابَةُ أَبِي يُوسُفَ بِشْرًا]:

وَقِصَّةُ أَبِي يُوسُفَ - صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ - مَشْهُورَةٌ فِي اسْتِتَابَةِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ حَتَّى هَرَبَ مِنْهُ لَمَّا أَنْكَرَ الصِّفَاتِ وَأَظْهَرَ قَوْلَ جَهْمٍ. قَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ.

[قَوْلُ الْإِمَامِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ]:

[وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي زَمَنِينَ - الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ - فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي «أُصُولِ السُّنَّةِ» قَالَ فِيهِ: بَابُ الْإِيمَانِ بِالْعَرْشِ.

[قَوْلُ الْإِمَامِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْعَرْشِ وَالْعُلُوِّ]:

قَالَ: وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْعَرْشَ وَاخْتَصَّهُ بِالْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ فَوْقَ جَمِيعِ مَا خَلَقَ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ:٤]؛ فَسُبْحَانَ مَنْ بَعُدَ وَقَرُبَ بِعِلْمِهِ، فَسَمِعَ النَّجْوَى. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ؛ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالَ: «فِي عَمَاءٍ، مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ» .

قَالَ مُحَمَّدٌ: الْعَمَاءُ: السَّحَابُ الْكَثِيفُ الْمُطْبِقُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَلِيلُ.

وَذَكَرَ آثَارًا أُخَرَ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ الْإِيمَانِ بِالْكُرْسِيِّ.

[قَوْلُهُ فِي الْكُرْسِيِّ]:

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الْكُرْسِيَّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي فِيهِ التَّجَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَفِيهِ «فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ هَبَطَ مِنْ عِلِّيِّينَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، ثُمَّ يَحُفُّ بِالْكُرْسِيِّ مَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالْجَوَاهِرِ، ثُمَّ يَجِيءُ النَّبِيُّونَ فَيَجْلِسُونَ عَلَيْهَا» .

وَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الْمَشْهُورِ: حَدَّثَنِي الْمُعَلَّى بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «إِنَّ الْكُرْسِيَّ الَّذِي وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا يَعْلَمُ قَدْرَ الْعَرْشِ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ» .

وَذَكَرَ حَدِيثَ أَسَدِ بْنِ مُوسَي حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْكُرْسِيِّ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَالْمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» .

ثُمَّ قَالَ: بَابُ الْإِيمَانِ بِالْحُجُبِ.

[قَوْلُهُ فِي الْحُجُبِ]:

قَالَ: وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللهَ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ بِالْحُجُبِ، فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الْكَهْفِ:٥] وَذَكَرَ آثَارًا فِي الْحُجُبِ.

ثُمَّ قَالَ: فِي بَابِ الْإِيمَانِ بِالنُّزُولِ.

[قَوْلُهُ فِي النُّزُولِ]:

قَالَ: وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّ اللهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَيُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحُدُّوا فِيهِ حَدًّا. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا وَهْبٌ عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْمَشَائِخِ - مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَعِيسَى وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٌ - كَانُوا يَقُولُونَ: النُّزُولُ حَقٌّ» .

قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: سَأَلْتُ يُوسُفَ بْنَ عَدِيٍّ عَنِ النُّزُولِ، قَالَ: «نَعَمْ أُؤْمِنُ بِهِ وَلَا أَحُدُّ فِيهِ حَدًّا» . وَسَأَلْتُ عَنْهُ ابْنَ مَعِينٍ فَقَالَ: «أُقِرُّ بِهِ وَلَا أَحُدُّ فِيهِ حَدًّا» .

[ذِكْرُهُ لِبَعْضِ أَدِلَّةِ الْعُلُوِّ]:

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَرْشِهِ فِي السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ، وَهُوَ أَيْضًا بَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللهِ وَفِي مَا غَيْرِ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السَّجْدَةِ:٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ • أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٦ـ١٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِرٍ:١٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٥٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النِّسَاءِ:١٥٨] .

وَذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ اللهُ؟» . قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» .

قَالَ: «وَالْأَحَادِيثُ مِثْلُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَسُبْحَانَ مَنْ عِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاءِ كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» .

[قَوْلُهُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ جُمْلَةً]:

وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ «بَابٌ فِي الْإِيمَانِ بِصِفَاتِ اللهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ» قَالَ: وَاعْلَمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِاللهِ وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ يَرَوْنَ الْجَهْلَ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ عِلْمًا، وَالْعَجْزَ عَنْ مَا لَمْ يَدْعُ إِلَيْهِ إِيمَانًا، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَنْتَهُونَ مِنْ وَصْفِهِ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ إِلَى حَيْثُ انْتَهَى فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ.

وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ ـ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٩]، وَقَالَ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٣٠]، وَقَالَ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ ، وَقَالَ: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطُّورِ:٤٨]، وَقَالَ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه:٩٣]، وَقَالَ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [الْمَائِدَةِ:٦٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزُّمَرِ:٦٧]، وَقَالَ:

﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه:٦٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١٦٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النُّورِ:٣٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٥٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الْحَدِيدِ:٣] وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.

فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَمَا أَخْبَرَعَنْ نَفْسِهِ وَلَهُ وَجْهٌ وَنَفْسٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَيَسْمَعُ وَيَرَى وَيَتَكَلَّمُ، الْأَوَّلُ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ، وَالْآخِرُ الْبَاقِي إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ، وَالظَّاهِرُ الْعَالِي فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَالْبَاطِنُ بَطَنَ عِلْمُهُ بِخَلْقِهِ، فَقَالَ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٩]، حَيٌّ قَيُّومٌ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ.

وَذَكَرَ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ، ثُمَّ قَالَ: فَهَذِهِ صِفَاتُ رَبِّنَا الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، وَوَصَفَهُ بِهَا نَبِيُّهُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا تَحْدِيدٌ وَلَا تَشْبِيهٌ وَلَا تَقْدِيرٌ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى:١١]، لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ فَتَحُدَّهُ كَيْفَ هُوَ، وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ فِي حَقَائِقِ الْإِيمَانِ» اهـ] .

وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَطْوَلُ وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَسَعَ هَذِهِ الْفُتْيَا عُشْرَهُ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ النَّاقِلِينَ لِمَذْهَبِهِمْ.

[قَوْلُ الْإِمَامِ الْخَطَّابِيِّ]:

مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي «الْغُنْيَةِ عَنِ الْكَلَامِ وَأَهْلِهِ» قَالَ: «فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنَ الصِّفَاتِ، وَمَا جَاءَ مِنْهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إِثْبَاتُهَا وَإِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَنَفْيُ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا، وَقَدْ نَفَاهَا قَوْمٌ فَأَبْطَلُوا مَا أَثْبَتَهُ اللهُ، وَحَقَّقَهَا قَوْمٌ مِنَ الْمُثْبِتِينَ، فَخَرَجُوا فِي ذَلِكَ إِلَى ضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّكْيِيفِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ فِي السُّلُوكِ الطَّرِيقَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَدِينُ اللهِ تَعَالَى بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْمُقَصِّرِ عَنْهُ.

وَالْأَصْلُ فِي هَذَا: أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، يُحْتَذَى فِي ذَلِكَ حَذْوُهُ وَأَمْثَالُهُ، فَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ إِثْبَاتَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إِثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ إِثْبَاتُ صِفَاتِهِ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إِثْبَاتُ تَحْدِيدٍ وَتَكْيِيفٍ.

فَإِذَا قُلْنَا: يَدٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَإِنَّمَا هِيَ صِفَاتٌ أَثْبَتَهَا اللهُ لِنَفْسِهِ، وَلَسْنَا نَقُولُ: إِنَّ مَعْنَى الْيَدِ الْقُوَّةُ أَوِ النِّعْمَةُ، وَلَا مَعْنَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ الْعِلْمُ، وَلَا نَقُولُ: إِنَّهَا جَوَارِحُ، وَلَا نُشَبِّهُهَا بِالْأَيْدِي وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ الَّتِي هِيَ جَوَارِحُ وَأَدَوَاتٌ لِلْفِعْلِ، وَنَقُولُ إِنَّمَا وَجَبَ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ وَرَدَ بِهَا، وَوَجَبَ نَفْيُ التَّشْبِيهِ عَنْهُ لِأَنَّ اللهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَعَلَى هَذَا جَرَى قَوْلُ السَّلَفِ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ» .اهـ. هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ.

وَهَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ فِي رِسَالَةٍ لَهُ أَخْبَرَ فِيهَا أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ عَلَى ذَلِكَ.

وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ قَدْ نَقَلَ نَحْوًا مِنْهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا لَا يُحْصَى، مِثْلُ: أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْإِمَامِ يَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ السِّجْزِيِّ شَيْخُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ الْهَرَوِيِّ وَمِثْلُ: أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَأَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيِّ إِمَامِ الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهِمْ.

[قَوْلُ أَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ]:

وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ صَاحِبُ «الْحِلْيَةِ» فِي عَقِيدَةٍ لَهُ فِي أَوَّلِهَا: «طَرِيقَتُنَا طَرِيقُ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، قَالَ: «فَمِمَّا اعْتَقَدُوهُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ثَبَتَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَرْشِ وَاسْتِوَاءِ اللهِ يَقُولُونَ بِهَا وَيُثْبِتُونَهَا مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، وَأَنَّ اللهَ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَالْخَلْقُ بَائِنُونَ مِنْهُ، لَا يَحُلُّ فِيهِمْ وَلَا يَمْتَزِجُ بِهِمْ، وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ فِي سَمَائِهِ دُونَ أَرْضِهِ وَخَلْقِهِ» .

[وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ «مَحَجَّةِ الْوَاثِقِينَ وَمَدْرَجَةِ الْوَامِقِينَ» تَأْلِيفِهِ: «وَأَجْمَعُوا أَنَّ اللهَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، عَالٍ عَلَى عَرْشِهِ مُسْتَوٍ عَلَيْهِ، لَا مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ كَمَا تَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ إِنَّهُ بِكُلِّ مَكَانٍ، خِلَافًا لِمَا نَزَلَ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الْمُلْكِ:١٦]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِرٍ:١٠]، ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥]، لَهُ الْعَرْشُ الْمُسْتَوِي عَلَيْهِ وَالْكُرْسِيُّ الَّذِي وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَتَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٥٥]، وَكُرْسِيُّهُ جِسْمٌ، وَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ عِنْدَ الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ، وَلَيْسَ كُرْسِيُّهُ عِلْمَهُ كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ، بَلْ يُوضَعُ كُرْسِيُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ، كَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَنَّهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا صَفًّا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الْفَجْرِ:٢٢]، وَأَنَّهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ مُذْنِبِي الْمُوَحِّدِينَ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:١٢٩]» اهـ.

[قَوْلُ مَعْمَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيِّ]:

وَقَالَ الْإِمَامُ الْعَارِفُ مَعْمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ - شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ فِي حُدُودِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ فِي بِلَادِهِ - قَالَ: «أَحْبَبْتُ أَنْ أُوصِيَ أَصْحَابِي بِوَصِيَّةٍ مِنَ السُّنَّةِ وَمَوْعِظَةٍ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَأَجْمَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّفِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.

قَالَ فِيهَا: وَأَنَّ اللهَ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِلَا كَيْفٍ، وَلَا تَشْبِيهٍ، وَلَا تَأْوِيلٍ، وَالِاسْتِوَاءُ مَعْقُولٌ وَالْكَيْفُ فِيهِ مَجْهُولٌ، وَأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَالْخَلْقُ مِنْهُ بَائِنُونَ بِلَا حُلُولٍ وَلَا مُمَازَجَةٍ، وَلَا اخْتِلَاطٍ وَلَا مُلَاصَقَةٍ، لِأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ الْبَائِنُ مِنْ خَلْقِهِ، الْوَاحِدُ الْغَنِيُّ عَنِ الْخَلْقِ.

وَأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ سَمِيعٌ، بَصِيرٌ، عَلِيمٌ، خَبِيرٌ، يَتَكَلَّمُ، وَيَرْضَى، وَيَسْخَطُ، وَيَضْحَكُ، وَيَعْجَبُ، وَيَتَجَلَّى لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَاحِكًا، وَيَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ شَاءَ فَيَقُولُ: «هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»، وَنُزُولُ الرَّبِّ إِلَى السَّمَاءِ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، وَلَا تَأْوِيلٍ، فَمَنْ أَنْكَرَ النُّزُولَ أَوْ تَأَوَّلَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ، وَسَائِرُ الصَّفْوَةِ مِنَ الْعَارِفِينَ عَلَى هَذَا» .

[قَوْلُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ]:

[وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ «السُّنَّةِ» حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ - يَعْنِي الْعُبَادِيَّ - حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْعَثِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَهُوَ صَاحِبُ الْفُضَيْلِ - قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: «لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَوَهَّمَ فِي اللهِ كَيْفَ هُوَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَ نَفْسَهُ فَأَبْلَغَ، فَقَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ • اللَّهُ الصَّمَدُ • لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ • وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ] فَلَا صِفَةَ أَبْلَغُ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ.

وَكُلُّ هَذَا: النُّزُولُ، وَالضَّحِكُ، وَهَذِهِ الْمُبَاهَاةُ، وَهَذَا الِاطِّلَاعُ كَمَا يَشَاءُ أَنْ يَنْزِلَ، وَكَمَا يَشَاءُ أَنْ يُبَاهِيَ، وَكَمَا يَشَاءُ أَنْ يَضْحَكَ، وَكَمَا يَشَاءُ أَنْ يَطَّلِعَ. فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَوَهَّمَ كَيْفَ وَكَيْفَ. فَإِذَا قَالَ الْجَهْمِيُّ: أَنَا أَكْفُرُ بِرَبٍّ يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ. فَقُلْ: بَلْ أُؤْمِنُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ» .

وَنَقَلَ هَذَا عَنِ الْفُضَيْلِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ فِي «خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ» .

وَنَقَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِهِ «الْفَارُوقِ» فَقَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَي بْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا أَبِي ثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عَلِىٍّ الْبُخَارِيُّ، وَهَانِئُ بْنُ النَّضْرِ عَنِ الْفُضَيْلِ.

[قَوْلُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْمَكِّيِّ]:

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْمَكِّيِّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ «التَّعَرُّفَ بِأَحْوَالِ الْعُبَّادِ وَالْمُتَعَبِّدِينَ» قَالَ: «مَا يَجِيءُ بِهِ الشَّيْطَانُ لِلتَّائِبِينَ» وَذَكَرَ أَنَّهُ يُوقِعُهُمْ فِي الْقُنُوطِ، ثُمَّ فِي الْغُرُورِ وَطُولِ الْأَمَلِ، ثُمَّ فِي التَّوْحِيدِ، فَقَالَ: مِنْ أَعْظَمِ مَا يُوَسْوِسُ فِي التَّوْحِيدِ بِالتَّشْكِيكِ أَوْ فِي صِفَاتِ الرَّبِّ بِالتَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ، أَوْ بِالْجَحْدِ لَهَا وَالتَّعْطِيلِ. فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْوَسْوَسَةِ: وَاعْلَمْ - رَحِمَكَ اللهُ تَعَالَى - أَنَّ كُلَّ مَا تَوَهَّمَهُ قَلْبُكَ، أَوْ سَنَحَ فِي مَجَارِي فِكْرِكَ، أَوْ خَطَرَ فِي مُعَارَضَاتِ قَلْبِكَ مِنْ حُسْنٍ أَوْ بَهَاءٍ، أَوْ ضِيَاءٍ أَوْ إِشْرَاقٍ، أَوْ جَمَالٍ، أَوْ شَبَحٍ مَائِلٍ، أَوْ شَخْصٍ مُتَمَثِّلٍ: فَاللهُ تَعَالَى بِغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ تَعَالَى أَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَأَكْبَرُ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى:١١]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الْإِخْلَاصِ:٤] أَيْ لَا شَبِيهٌ وَلَا نَظِيرٌ وَلَا مُسَاوٍ وَلَا مِثْلٌ، أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَجَلَّى لِلْجَبَلِ تَدَكْدَكَ لِعِظَمِ هَيْبَتِهِ، وَشَامِخِ سُلْطَانِهِ، فَكَمَا لَا يَتَجَلَّى لِشَيْءٍ إِلَّا انْدَكَّ، كَذَلِكَ لَا تَوَهَّمَهُ أَحَدٌ إِلَّا هَلَكَ، فَرُدَّ بِمَا بَيَّنَ اللهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ نَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ التَّشْبِيهَ وَالْمِثْلَ وَالنَّظِيرَ وَالْكُفُؤَ.

فَإِنِ اعْتَصَمْتَ بِهِ وَامْتَنَعْتَ مِنْهُ أَتَاكَ مِنْ قِبَلِ التَّعْطِيلِ لِصِفَاتِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ لَكَ: إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِكَذَا أَوْ وَصَفْتَهُ، أَوْجَبَ لَهُ التَّشْبِيهَ فَأَكْذِبْهُ، لِأَنَّهُ اللَّعِينُ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَسْتَزِلَّكَ وَيُغْوِيَكَ وَيُدْخِلَكَ فِي صِفَاتِ الْمُلْحِدِينَ الزَّائِغِينَ الْجَاحِدِينَ لِصِفَةِ الرَّبِّ تَعَالَى.

فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لَا كَالْآحَادِ فَرْدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ - إِلَى أَنْ قَالَ ـ: خَلَصَتْ لَهُ الْأَسْمَاءُ السَّنِيَّةُ فَكَانَتْ وَاقِعَةً فِي قَدِيمِ الْأَزَلِ بِصِدْقِ الْحَقَائِقِ، لَمْ يَسْتَحْدِثْ تَعَالَى صِفَةً كَانَ مِنْهَا خَلِيًّا، أَوِ اسْمًا كَانَ مِنْهُ بَرِيًّا تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَكَانَ هَادِيًا سَيَهْدِي، وَخَالِقًا سَيَخْلُقُ، وَرَازِقًا سَيَرْزُقُ، وَغَافِرًا سَيَغْفِرُ، وَفَاعِلًا سَيَفْعَلُ، لَمْ يَحْدُثْ لَهُ الِاسْتِوَاءُ إِلَّا وَقَدْ كَانَ فِي صِفَةِ أَنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ فَهُوَ يُسَمَّى بِهِ فِي جُمْلَةِ فِعْلِهِ كَذَلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَجِي، فَلَمْ يَسْتَحْدِثِ الِاسْمَ بِالْمَجِيءِ، وَتَخَلَّفَ الْفِعْلُ لِوَقْتِ الْمَجِيءِ، فَهُوَ جَاءٍ سَيَجِيءُ، وَيَكُونُ الْمَجِيءُ مِنْهُ مَوْجُودًا بِصِفَةٍ لَا تَلْحَقُهُ الْكَيْفِيَّةُ وَلَا التَّشْبِيهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الرُّبُوبِيَّةِ، فَتَحْسِرُ الْعُقُولُ وَتَنْقَطِعُ النَّفْسُ عَنْ إِرَادَةِ الدُّخُولِ فِي تَحْصِيلِ كَيْفِيَّةِ الْمَعْبُودِ، فَلَا تَذْهَبْ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ لَا مُعَطِّلًا، وَلَا مُشَبِّهًا، وَارْضَ لِلَّهِ بِمَا رَضِيَ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَقِفْ عِنْدَ خَبَرِهِ لِنَفْسِهِ مُسَلِّمًا، مُسْتَسْلِمًا، مُصَدِّقًا؛ بِلَا مُبَاحَثَةِ التَّنْفِيرِ وَلَا مُنَاسَبَةِ التَّنْقِيرِ.

إِلَى أَنْ قَالَ: فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْقَائِلُ: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠] لَا الشَّجَرَةُ، الْجَائِي قَبْلَ أَنْ يَكُونَ جَائِيًا لَا أَمْرُهُ الْمُتَجَلِّي لِأَوْلِيَائِهِ فِي الْمِيعَادِ؛ فَتَبْيَضُّ بِهِ وُجُوهُهُمْ، وَتَفْلُجُ بِهِ عَلَى الْجَاحِدِينَ حُجَّتُهُمْ، الْمُسْتَوِي عَلَى عَرْشِهِ بِعَظَمَةِ جَلَالِهِ فَوْقَ كُلِّ مَكَانٍ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الَّذِى كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ، فَسَمِعَ مُوسَى كَلَامَ اللهِ؛ لِأَنَّهُ قَرَّبَهُ نَجِيًّا، تَقَدَّسَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ مَخْلُوقًا أَوْ مُحْدَثًا أَوْ مَرْبُوبًا، وَالْوَارِثُ لِخَلْقِهِ، السَّمِيعُ لِأَصْوَاتِهِمْ، النَّاظِرُ بِعَيْنِهِ إِلَى أَجْسَادِهِمْ، يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، وَهُمَا غَيْرُ نِعْمَتِهِ خَلَقَ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ - وَهُوَ أَمْرُهُ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ أَنْ يَحُلَّ بِجِسْمٍ، أَوْ يُمَازِجَ بِجِسْمٍ أَوْ يُلَاصِقَ بِهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، الشَّائِي لَهُ الْمَشِيئَةُ، الْعَالِمُ لَهُ الْعِلْمُ، الْبَاسِطُ يَدَيْهِ بِالرَّحْمَةِ، النَّازِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، لِيَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ خَلْقُهُ بِالْعِبَادَةِ، وَلِيَرْغَبُوا إِلَيْهِ بِالْوَسِيلَةِ، الْقَرِيبُ فِي قُرْبِهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، الْبَعِيدُ فِي عُلُوِّهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَلَا يُشَبَّهُ بِالنَّاسِ.

إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الْقَائِلُ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ • أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٦ـ١٧] تَعَالَى وَتَقَدَّسَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ كَمَا فِي السَّمَاءِ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا» . ا. هـ.

[قَوْلُ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ]:

وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَارِثُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى: «فَهْمُ الْقُرْآنِ» قَالَ فِي كَلَامِهِ عَلَى - النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَأَنَّ النَّسْخَ لَا يَجُوزُ فِي الْأَخْبَارِ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَدْحَ اللهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ مِنْهَا شَيْءٌ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِذَا أَخْبَرَ أَنَّ صِفَاتِهِ حَسَنَةٌ عُلْيَا أَنْ يُخْبِرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا دَنِيَّةٌ سُفْلَى، فَيَصِفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِبَعْضِ الْغَيْبِ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْغَيْبِ وَأَنَّهُ لَا يُبْصِرُ مَا قَدْ كَانَ، وَلَا يَسْمَعُ الْأَصْوَاتَ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَا الْكَلَامُ كَانَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ تَحْتَ الْأَرْضِ لَا عَلَى الْعَرْشِ جَلَّ وَعَلَا عَنْ ذَلِكَ.

فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ وَاسْتَيْقَنْتَهُ: عَلِمْتَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّسْخُ وَمَا لَا يَجُوزُ، فَإِنْ تَلَوْتَ آيَةً فِي ظَاهِرِ تِلَاوَتِهَا تَحْسَبُ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِبَعْضِ أَخْبَارِهِ؛ كَقَوْلِهِ عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ﴾ [يونس:٩٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] .

وَقَالَ: قَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ أَنَّ اللهَ عَنَى أَنْ يُنَجِّيَهُ بِبَدَنِهِ مِنَ النَّارِ إِذْ قَدْ آمَنَ عِنْدَ الْغَرَقِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا ذَكَرَ اللهُ قَوْمَ فِرْعَوْنَ يَدْخُلُونَ النَّارَ دُونَهُ، وَقَالَ: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨]، وَقَالَ: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥]، وَلَمْ يَقُلْ بِفِرْعَوْنَ، وَقَالَ: وَهَكَذَا الْكَذِبُ عَلَى اللهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ﴾ [النازعات:٢٥]، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣] فَأَقَرَّ التِّلَاوَةَ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْعِلْمِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَنْ يَسْتَأْنِفَ عِلْمًا بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَنْ يَصْنَعَهُ نَجِدُهُ ضَرُورَةً.

قَالَ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، قَالَ: وَإِنَّمَا قَوْلُهُ ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ حَتَّى نَرَاهُ، فَيَكُونَ مَعْلُومًا مَوْجُودًا، لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ مَعْدُومًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكُونَ، وَيَعْلَمُهُ مَوْجُودًا كَانَ قَدْ كَانَ، فَيَعْلَمُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعْدُومًا مَوْجُودًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا الْمُحَالُ.

وَذَكَرَ كَلَامًا فِي هَذَا فِي الْإِرَادَةِ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُحْدِثَ لَهُ سَمْعًا، وَلَا تَكَلَّفَ لِسَمْعِ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ لِلَّهِ اسْتِمَاعًا حَادِثًا فِي ذَاتِهِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَا يُعْقَلُ مِنَ الْخَلْقِ أَنَّهُ يَحْدُثُ مِنْهُمْ عِلْمُ سَمْعٍ لِمَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ إِذَا سَمِعَ حَدَثَ لَهُ عَقْدُ فَهْمٍ عَمَّا أَدْرَكَتْهُ أُذُنُهُ مِنَ الصَّوْتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥]، لَا يَسْتَحْدِثُ بَصَرًا مُحْدَثًا فِي ذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ الشَّيْءُ فَيَرَاهُ مُكَوَّنًا كَمَا لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ قَبْلَ كَوْنِهِ.

[قَوْلُ الْمُحَاسِبِيِّ فِي الْعُلُوِّ]:

إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، وَقَالَ لِعِيسَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦] .

وَذَكَرَ الْآلِهَةَ أَنْ لَوْ كَانَ آلِهَةٌ لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا إِلَى طَلَبِهِ حَيْثُ هُوَ، فَقَالَ: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٢٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] .

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: فَلَنْ يُنْسَخَ ذَلِكَ أَبَدًا.

كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَـٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، فَلَيْسَ هَذَا بِنَاسِخٍ لِهَذَا، وَلَا هَذَا ضِدٌّ لِذَلِكَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ لَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّ اللهَ أَرَادَ الْكَوْنَ بِذَاتِهِ فَيَكُونُ فِي أَسْفَلِ الْأَشْيَاءِ، أَوْ يَتَنَقَّلُ فِيهَا لِاسْتِفَالِهَا، وَيَتَبَعَّضُ فِيهَا عَلَى أَقْدَارِهَا، وَيَزُولُ عَنْهَا عِنْدَ فَنَائِهَا، جَلَّ وَعَزَّ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ نَزَغَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الضَّلَالِ، فَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي كُلِّ شَيْءٍ بِنَفْسِهِ كَائِنًا، كَمَا هُوَ فِي الْعَرْشِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ثُمَّ أَحَالُوا فِي النَّفْيِ بَعْدَ تَثْبِيتِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ مَا نَفَوْهُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يُثْبِتُ شَيْئًا فِي الْمَعْنَى ثُمَّ نَفَاهُ بِالْقَوْلِ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ نَفْيُهُ بِلِسَانِهِ، وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي كُلِّ شَيْءٍ بِنَفْسِهِ كَائِنًا ثُمَّ نَفَوْا مَعْنَى مَا أَثْبَتُوا، فَقَالُوا: لَا كَالشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد:٣١]، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾ وَ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: حَتَّى يَكُونَ الْمَوْجُودُ فَيَعْلَمَهُ مَوْجُودًا، وَيَسْمَعَهُ مَسْمُوعًا، وَيُبْصِرَهُ مُبْصَرًا لَا عَلَى اسْتِحْدَاثِ عِلْمٍ وَلَا سَمْعٍ وَلَا بَصَرٍ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا﴾: إِذَا جَاءَ وَقْتُ كَوْنِ الْمُرَادِ فِيهِ.

وَأَنَّ قَوْلَهُ ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ﴿إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ فَهَذَا وَغَيْرُهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ هَذَا مُنْقَطِعٌ يُوجِبُ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، فَوْقَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مُنَزَّهٌ عَنِ الدُّخُولِ فِي خَلْقِهِ، لَا يَخْفَي عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، لِأَنَّهُ أَبَانَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ ذَاتَهُ بِنَفْسِهِ فَوْقَ عِبَادِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ يَعْنِي فَوْقَ الْعَرْشِ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ السَّمَاءِ، لِأَنَّ مَنْ قَدْ كَانَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى السَّمَاءِ فِي السَّمَاءِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة:٢] يَعْنِي عَلَى الْأَرْضِ، لَا يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي جَوْفِهَا.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:١٧] يَعْنِي: فَوْقَهَا عَلَيْهَا.

وَقَالَ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ ثُمَّ فَصَلَ فَقَالَ: ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ وَلَمْ يَصِلْ، فَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ مَعْنًى - إِذْ فَصَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ التَّخْوِيفَ بِالْخَسْفِ - إِلَّا أَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ السَّمَاءِ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وَقَالَ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] فَبَيَّنَ عُرُوجَ الْأَمْرِ وَعُرُوجَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ وَصَفَ وَقْتَ صُعُودِهَا بِالِارْتِفَاعِ صَاعِدَةً إِلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، فَقَالَ صُعُودُهَا إِلَيْهِ، وَفَصَلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ﴾ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: اصْعَدْ إِلَى فُلَانٍ فِي لَيْلَةٍ أَوْ يَوْمٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْعُلُوِّ وَأَنَّ صُعُودَكَ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ، فَإِذَا صَعِدُوا إِلَى الْعَرْشِ فَقَدْ صَعِدُوا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْهُ، وَلَمْ يُسَاوُوهُ فِي الِارْتِفَاعِ فِي عُلُوِّهِ، فَإِنَّهُمْ صَعِدُوا مِنَ الْأَرْضِ وَعَرَجُوا بِالْأَمْرِ إِلَى الْعُلُوِّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] وَلَمْ يَقُلْ: عِنْدَهُ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ فَقَالَ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦، ٣٧] فِيمَا قَالَ لِي إِنَّ إِلَهَهُ فَوْقَ السَّمَوَاتِ.

فَبَيَّنَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ ظَنَّ بِمُوسَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا قَالَ، وَعَمَدَ لِطَلَبِهِ حَيْثُ قَالَهُ مِنَ الظَّنِّ بِمُوسَى إِنَّهُ كَاذِبٌ، وَلَوْ أَنَّ مُوسَى قَالَ: إِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ، لَطَلَبَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ بَدَنِهِ، أَوْ حُشِّهِ، فَتَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُجْهِدْ نَفْسَهُ بِبُنْيَانِ الصَّرْحِ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا قَدْ وَصَلَهَا - وَلَمْ يَقْطَعْهَا كَمَا قَطَعَ الْكَلَامَ الَّذِي أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ فَقَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧] فَأَخْبَرَ بِالْعِلْمِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَعَ كُلِّ مُنَاجٍ ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِالْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَخَتَمَ بِالْعِلْمِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَعْلَمُهُمْ حَيْثُ كَانُوا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مُنَاجَاتُهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ فِي أَسْفَلَ وَنَاظِرٌ إِلَيْهِمْ فِي الْعُلُوِّ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَزَلْ أَرَاكُمْ، وَأَعْلَمُ مُنَاجَاتَكُمْ لَكَانَ صَادِقًا - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى أَنْ يُشْبِهَ الْخَلْقَ - فَإِنْ أَبَوْا إِلَّا ظَاهِرَ التِّلَاوَةِ، وَقَالُوا: هَذَا مِنْكُمْ دَعْوَى، خَرَجُوا عَنْ قَوْلِهِمْ فِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ لِأَنَّ مَنْ هُوَ مَعَ الِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ هُوَ مَعَهُمْ لَا فِيهِمْ، وَمَنْ كَانَ مَعَ الشَّيْءِ فَقَدْ خَلَا مِنْهُ جِسْمُهُ وَهَذَا خُرُوجٌ مِنْ قَوْلِهِمْ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] لِأَنَّ مَا قَرُبَ مِنَ الشَّيْءِ لَيْسَ هُوَ فِي الشَّيْءِ، فَفِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ عَلَى دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَبْلِ الْوَرِيدِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَـٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] لَمْ يَقُلْ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ قَطَعَ كَمَا قَالَ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ ثُمَّ قَطَعَ فَقَالَ: ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾، فَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَـٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾ إِلَهُ أَهْلِ السَّمَاءِ وَإِلَهُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي اللُّغَةِ؛ تَقُولُ فُلَانٌ أَمِيرٌ فِي خُرَاسَانَ وَأَمِيرٌ فِي بَلْخَ، وَأَمِيرٌ فِي سَمَرْقَنْدَ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ، وَيَخْفَي عَلَيْهِ مَا وَرَاءَهُ، فَكَيْفَ الْعَالِي فَوْقَ الْأَشْيَاءِ لَا يَخْفَي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ يُدَبِّرُهُ، فَهُوَ إِلَهٌ فِيهِمَا إِذَا كَانَ مُدَبِّرًا لَهُمَا، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ تَعَالَى عَنِ الْأَمْثَالِ. اهـ.

[قَوْلُ الْإِمَامِ ابْنِ خَفِيفٍ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ]:

وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَفِيفٍ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ: «اعْتِقَادُ التَّوْحِيدِ بِإِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ»، قَالَ فِي آخِرِ خُطْبَتِهِ: «فَاتَّفَقَتْ أَقْوَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي تَوْحِيدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَقَضَائِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَشَرْعًا ظَاهِرًا، وَهُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَحَدِيثَ «لَعَنَ اللهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا» وَقَالَ: فَكَانَتْ كَلِمَةُ الصَّحَابَةِ عَلَى اتِّفَاقٍ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِالْأَخْذِ عَنْهُمْ؛ إِذْ لَمْ يَخْتَلِفُوا بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى فِي أَحْكَامِ التَّوْحِيدِ وَأُصُولِ الدِّينِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ لَنُقِلَ إِلَيْنَا كَمَا نُقِلَ سَائِرُ الِاخْتِلَافِ، فَاسْتَقَرَّ صِحَّةُ ذَلِكَ عَنْ خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ حَتَّى أَدَّوْا إِلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَاسْتَقَرَّ صِحَّةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ حَتَّى نَقَلُوا ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ فِي الْأَصْلِ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ، وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ.

ثُمَّ إِنِّي قَائِلٌ - وَبِاللهِ أَقُولُ - إِنَّهُ لَمَّا أَحْدَثُوا فِي أَحْكَامِ التَّوْحِيدِ وَذِكْرِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَلَى خِلَافِ مَنْهَجِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَخَاضَ فِي ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعِلْمِ الْآثَارِ، وَلَمْ يَعْقِلُوا قَوْلَهُمْ بِذِكْرِ الْأَخْبَارِ، وَصَارَ مُعَوَّلُهُمْ عَلَى أَحْكَامِ هَوَاجِسِ النَّفْسِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ سُوءِ الطَّوِيَّةِ وَمَا وَافَقَ عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَالتَّعَلُّقِ مِنْهُمْ بِآيَاتٍ لَمْ يُسْعِدْهُمْ فِيهَا، فَتَأَوَّلُوا عَلَى أَهْوَائِهِمْ، وَصَحَّحُوا بِذَلِكَ مَذَاهِبَهُمْ: احْتَجْتُ إِلَى الْكَشْفِ عَنْ صِفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَمَأْخَذِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْهَاجِ الْأَوَّلِينَ، خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي جُمْلَةِ أَقَاوِيلِهِمُ الَّتِي حَذَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّتَهُ وَمَنَعَ الْمُسْتَجِيبِينَ لَهُ حَتَّى حَذَّرَهُمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقَدَرِ وَغَضَبَهُ.

وَحَدِيثَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ» .

وَحَدِيثَ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» وَأَنَّ النَّاجِيَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ.

ثُمَّ قَالَ: فَلَزِمَ الْأُمَّةَ قَاطِبَةً مَعْرِفَةُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَلَمْ يَكُنِ الْوُصُولُ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ الْمَعْرُوفِينَ بِنَقْلِ الْأَخْبَارِ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ الْمَذَاهِبَ الْمُحْدَثَةَ، فَيَتَّصِلُ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ مِمَّنْ عُرِفُوا بِالْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ، الْمُحَافِظِينَ عَلَى الْأُمَّةِ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ إِثْبَاتِ السُّنَّةِ.

إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَوَّلُ مَا نَبْتَدِئُ بِهِ مَا [أَوْرَدْنَا] هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ أَجْلِهَا، ذِكْرُ أَسْمَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِفَاتِهِ مِمَّا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا بَيَّنَ ﷺ مِنْ صِفَاتِهِ فِي سُنَّتِهِ، وَمَا وَصَفَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفْسَهُ مِمَّا سَنَذْكُرُ قَوْلَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَنَا فِي ذَلِكَ أَنْ نَرُدَّهُ إِلَى أَحْكَامِ عُقُولِنَا بِطَلَبِ الْكَيْفِيَّةِ بِذَلِكَ، وَمِمَّا قَدْ أُمِرْنَا بِالِاسْتِسْلَامِ لَهُ.

إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَرَّفَ إِلَيْنَا بَعْدَ إِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَإِقْرَارِ الْأُلُوهِيَّةِ: أَنْ ذَكَرَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بَعْدَ التَّحْقِيقِ، بِمَا بَدَأَ بِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَكَّدَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ، فَقَبِلُوا مِنْهُ كَقَبُولِهِمْ، لِأَوَائِلِ التَّوْحِيدِ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.

إِلَى أَنْ قَالَ بِإِثْبَاتِ نَفْسِهِ بِالتَّفْصِيلِ مِنَ الْمُجْمَلِ، فَقَالَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وَقَالَ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٣٠] .

وَلِصِحَّةِ ذَلِكَ، وَاسْتِقْرَارِهِ نَاجَاهُ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] .

[إِثْبَاتُ ابْنِ خَفِيفٍ النَّفْسَ لِلَّهِ]:

وَأَكَّدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صِحَّةَ إِثْبَاتِ ذَلِكَ فِي سُنَّتِهِ فَقَالَ: «يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي» .

وَقَالَ ﷺ: «كَتَبَ كِتَابًا بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» .

وَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ رِضَى نَفْسِهِ»، وَقَالَ فِي مُحَاجَّةِ آدَمَ لِمُوسَى: «أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ وَاصْطَنَعَكَ لِنَفْسِهِ؟» .

فَقَدْ صَحَّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ أَنَّهُ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ نَفْسًا، وَأَثْبَتَ لَهُ الرَّسُولُ ذَلِكَ، فَعَلَى مَنْ صَدَّقَ اللهَ وَرَسُولَهُ اعْتِقَادُ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .

[إِثْبَاتُ النُّورِ لِلَّهِ تَعَالَى]:

ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ قَبُولُ كُلِّ مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ مِمَّا قَصَّ اللهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ، وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَوَرَدَتِ السُّنَّةُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ أَنْ قَالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثُمَّ قَالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ [النور:٣٥] وَبِذَلِكَ دَعَاهُ ﷺ: «أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى: «حِجَابُهُ النُّورُ - أَوِ النَّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» وَقَالَ: سُبُحَاتُ وَجْهِهِ:

جَلَالُهُ وَنُورُهُ، نَقَلَهُ عَنِ الْخَلِيلِ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَقَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: نُورُ السَّمَاوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ.

ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ أَنَّهُ حَيٌّ، وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وَالْحَدِيثَ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» .

[إِثْبَاتُ الْوَجْهِ لِلَّهِ]:

قَالَ: وَمِمَّا تَعَرَّفَ اللهُ إِلَى عِبَادِهِ أَنْ وَصَفَ نَفْسَهُ أَنَّ لَهُ وَجْهًا مَوْصُوفًا بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَأَثْبَتَ لِنَفْسِهِ وَجْهًا، وَذَكَرَ الْآيَاتِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى الْمُتَقَدِّمَ، فَقَالَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَوْصَافِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ «لَا يَنَامُ» مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا مَوْصُوفًا بِالْأَنْوَارِ وَأَنَّ لَهُ بَصَرًا كَمَا أَعْلَمَنَا فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ فِي إِثْبَاتِ الْوَجْهِ، وَفِي إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَالْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ.

[إِثْبَاتُ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى]:

ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَرَّفَ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ قَالَ: لَهُ يَدَانِ قَدْ بَسَطَهُمَا بِالرَّحْمَةِ، وَذَكَرَ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ شِعْرَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ: «يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رِجْلَهُ»، وَهِيَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «يَضَعَ عَلَيْهَا قَدَمَهُ» .

ثُمَّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ الْبَطِينُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ الْكُرْسِيَّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَأَنَّ الْعَرْشَ لَا يُقْدَرُ قَدْرُهُ إِلَّا اللهُ» وَذَكَرَ قَوْلَ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ نَفْسِهِ، وَقَوْلَ السُّدِّيِّ، وَقَوْلَ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: «مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ» وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ:

«وَاضِعٌ رِجْلَيْهِ عَلَيْهِ» .

[مَوْقِفُ السَّلَفِ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ]:

ثُمَّ قَالَ: فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ قَدْ رُوِيَتْ عَنْ هَؤُلَاءِ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَافِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَدَاوَلًا فِي الْأَقْوَالِ، وَمَحْفُوظًا فِي الصُّدُورِ، لَا يُنْكِرُ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ نُظَرَائِهِمْ، نَقَلَتْهَا الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ مُدَوَّنَةً فِي كُتُبِهِمْ إِلَى أَنْ حَدَثَ فِي آخِرِ الْأُمَّةِ مَنْ قَلَّلَ اللهُ عَدَدَهُمْ مِمَّنْ حَذَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُكَالَمَتِهِمْ، وَأَمَرَنَا أَلَّا نَعُودَ مَرْضَاهُمْ، وَلَا نُشَيِّعَ جَنَائِزَهُمْ، فَقَصَدَ هَؤُلَاءِ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فَضَرَبُوهَا بِالتَّشْبِيهِ وَعَمَدُوا إِلَى الْأَخْبَارِ، فَعَمِلُوا فِي دَفْعِهَا عَلَى أَحْكَامِ الْمَقَايِيسِ، وَكَفَّرُوا الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَنْكَرُوا عَلَى الصَّحَابَةِ، وَرَدُّوا عَلَى الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمَأْثُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَوَابَهُ لِنَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الصُّورَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ صَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا مُفْرَدًا وَاخْتِلَافَ النَّاسِ فِي تَأْوِيلِهِ.

[قَوْلُ أَهْلِ الْحَقِّ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا أَهْلُ الْبِدَعِ]:

ثُمَّ قَالَ: وَسَنَذْكُرُ أُصُولَ السُّنَّةِ وَمَا وَرَدَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيمَا نَعْتَقِدُهُ فِيمَا خَالَفَنَا فِيهِ أَهْلُ الزَّيْغِ، وَمَا وَافَقَنَا فِيهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مِنَ الْمُثْبِتَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْإِمَامَةِ وَاحْتَجَّ عَلَيْهَا: وَذَكَرَ اتِّفَاقَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى تَقْدِيمِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ.

ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ، هَلْ هِيَ مُقَدَّرَةٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَقَوْلُنَا فِيهَا أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مُقَدَّرَةٌ مَعْلُومَةٌ وَذَكَرَ إِثْبَاتَ الْقَدَرِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَمَسْأَلَةِ «الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ»

وَقَالَ: قَوْلُنَا: إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمْ.

وَقَالَ: أَصْلُ الْإِيمَانِ مَوْهِبَةٌ يَتَوَلَّدُ مِنْهَا أَفْعَالُ الْعِبَادِ، فَيَكُونُ أَصْلُهُ التَّصْدِيقَ وَالْإِقْرَارَ وَالْأَعْمَالَ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ، وَقَالَ: قَوْلُنَا: إِنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.

قَالَ: ثُمَّ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْقُرْآنِ: مَخْلُوقًا أَوْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ، فَقَوْلُنَا وَقَوْلُ أَئِمَّتِنَا: إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ [اللهِ] غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْهُ بَدَأَ قَوْلًا، وَإِلَيْهِ يَعُودُ حُكْمًا.

ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الرُّؤْيَةِ وَقَالَ: قَوْلُنَا قَوْلُ أَئِمَّتِنَا فِيمَا نَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ يُرَى فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَذَكَرَ الْحُجَّةَ.

ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ - رَحِمَكَ اللهُ - أَنِّي ذَكَرْتُ أَحْكَامَ الِاخْتِلَافِ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ تَرْتِيبِ الْمُحَدِّثِينَ فِي كُلِّ الْأَزْمِنَةِ. وَقَدْ بَدَأْتُ أَنْ أَذْكُرَ أَحْكَامَ الْجُمَلِ مِنَ الْعُقُودِ، فَنَقُولُ وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَرْشٌ، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ بِكَمَالِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥] وَ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] وَلَا نَقُولُ: إِنَّهُ فِي الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ عَلَى عَرْشِهِ؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا يَجْرِي عَلَى عِبَادِهِ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَأَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ لِلْبَقَاءِ لَا لِلْفَنَاءِ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عُرِجَ بِنَفْسِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ قَبَضَ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: «هَؤُلَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ إِلَى النَّارِ» .

وَنَعْتَقِدُ أَنَّ لِلرَّسُولِ ﷺ حَوْضًا، وَنَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَذَكَرَ الصِّرَاطَ، وَالْمِيزَانَ، وَالْمَوْتَ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ قُتِلَ بِأَجَلِهِ، وَاسْتَوْفَى رِزْقَهُ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَمِمَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ: «أَلَا هَلْ مِنْ سَائِلٍ» الْحَدِيثَ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ، وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَاتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَأَنَّ الْخُلَّةَ غَيْرُ الْفَقْرِ، لَا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْبِدَعِ.

وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّ مُحَمَّدًا ﷺ بِالرُّؤْيَةِ، وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا.

وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى اخْتَصَّ بِمِفْتَاحِ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ [لقمان:٤٣] وَنَعْتَقِدُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. ثَلَاثًا لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ.

وَنَعْتَقِدُ الصَّبْرَ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ قُرَيْشٍ مَا كَانَ مِنْ جَوْرٍ أَوْ عَدْلٍ، مَا أَقَامَ الصَّلَاةَ مِنَ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، وَالْجِهَادُ مَعَهُمْ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ حَيْثُ يُنَادَى لَهَا وَاجِبٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ أَوْ مَانِعٌ، وَالتَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا فَهُوَ كَافِرٌ، وَالشَّهَادَةُ وَالْبَرَاءَةُ بِدْعَةٌ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ سُنَّةٌ، وَلَا نُنْزِلُ أَحَدًا جَنَّةً وَلَا نَارًا حَتَّى يَكُونَ اللهُ يُنْزِلُهُمْ، وَالْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ فِي الدِّينِ بِدْعَةٌ.

وَنَعْتَقِدُ أَنَّ مَا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ، وَنَتَرَحَّمُ عَلَى عَائِشَةَ وَنَتَرَضَّى عَلَيْهَا.

وَالْقَوْلُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَلْفُوظِ، وَكَذَلِكَ فِي الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى بِدْعَةٌ، وَالْقَوْلُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِدْعَةٌ.

وَاعْلَمْ أَنِّي ذَكَرْتُ اعْتِقَادَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى ظَاهِرِ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُجْمَلًا مِنْ غَيْرِ اسْتِقْصَاءٍ؛ إِذْ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَنْ مَشَايِخِنَا الْمَعْرُوفِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِمَامَةِ وَالدِّيَانَةِ، إِلَّا أَنَّنِي أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَ «عُقُودَ أَصْحَابِنَا الْمُتَصَوِّفَةِ» فِيمَا أَحْدَثَهُ طَائِفَةٌ انْتَسَبُوا إِلَيْهِمْ مِمَّا قَدْ تَخَرَّصُوا مِنَ الْقَوْلِ مِمَّا نَزَّهَ اللهُ الْمَذْهَبَ وَأَهْلَهُ مِنْ ذَلِكَ.

[أَقْوَالُ بَعْضِ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ]:

إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَرَأْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ «التَّبْصِيرَ» كَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى أَهْلِ طَبَرِسْتَانَ فِي اخْتِلَافٍ عِنْدَهُمْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُصَنِّفَ لَهُمْ مَا يَعْتَقِدُهُ وَيَذْهَبُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافَ الْقَائِلِينَ بِرُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى؛ فَذَكَرَ عَنْ طَائِفَةٍ إِثْبَاتَ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَنَسَبَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِلَى الصُّوفِيَّةِ قَاطِبَةً، لَمْ يَخُصَّ طَائِفَةً دُونَ طَائِفَةٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى جَهَالَةٍ مِنْهُ بِأَقْوَالِ الْمُحَصِّلِينَ مِنْهُمْ، وَكَانَ مِمَّنْ نُسِبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْقَوْلُ - بَعْدَ أَنِ ادَّعَى عَلَى الطَّائِفَةِ - ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَحَلِّهِ عِنْدَ الْمُحَصِّلِينَ؛ فَكَيْفَ بِابْنِ أُخْتِهِ.

وَلَيْسَ إِذَا أَحْدَثَ الزَّائِغُ فِي نِحْلَتِهِ قَوْلًا نُسِبَ إِلَى الْجُمْلَةِ، كَذَلِكَ فِي الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ لَيْسَ مَنْ أَحْدَثَ قَوْلًا فِي الْفِقْهِ، أَوْ لَبَّسَ فِيهَا حَدِيثًا يُنْسَبُ ذَلِكَ إِلَى جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ «الصُّوفِيَّةِ» وَعُلُومَهُمْ تَخْتَلِفُ، فَيُطْلِقُونَ أَلْفَاظَهُمْ عَلَى مَوْضُوعَاتٍ لَهُمْ، وَمَرْمُوزَاتٍ وَإِشَارَاتٍ تُجْرَى فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَمَنْ لَمْ يُدَاخِلْهُمْ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَنَازَلَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، رَجَعَ عَنْهُمْ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ إِطْلَاقَهُمْ لَفْظَ الرُّؤْيَةِ بِالتَّقْيِيدِ، فَقَالَ: كَثِيرً مَا يَقُولُونَ: رَأَيْتُ اللهَ، وَذَكَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَوْلَهُ لَمَّا سُئِلَ: هَلْ رَأَيْتَ اللهَ حِينَ عَبَدْتَهُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ اللهَ ثُمَّ عَبَدْتُهُ. فَقَالَ السَّائِلُ: كَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ فَقَالَ: لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِتَحْدِيدِ الْعِيَانِ، وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِتَحْقِيقِ الْإِيقَانِ.

ثُمَّ قَالَ: يُرَى فِي الْآخِرَةِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وَذَكَرَهُ رَسُولُهُ ﷺ، فَهَذَا قَوْلُنَا وَقَوْلُ أَئِمَّتِنَا دُونَ الْجُهَّالِ مِنْ أَهْلِ الْغَبَاوَةِ فِينَا.

وَإِنَّ مِمَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَبْلُغُ مَعَ اللهِ دَرَجَةً يُبِيحُ الْحَقُّ لَهُ مَا حَظَرَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - إِلَّا الْمُضْطَرَّ عَلَى حَالٍ يَلْزَمُهُ إِحْيَاءُ النَّفْسِ - وَإِنْ بَلَغَ الْعَبْدُ مَا بَلَغَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ فَذَلِكَ كُفْرٌ بِاللهِ وَالْقَائِلُ بِذَلِكَ قَائِلٌ بِالْإِلْحَادِ وَهُمُ الْمُنْسَلِخُونَ مِنَ الدِّيَانَةِ.

وَأَنَّ مِمَّا نَعْتَقِدُهُ تَرْكَ إِطْلَاقِ الْعِشْقِ عَلَى اللهِ؛ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِاشْتِقَاقِهِ، وَلِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ، وَقَالَ: أَدْنَى مَا فِيهِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ، وَفِيمَا نَصَّ اللهُ مِنْ ذِكْرِ الْمَحَبَّةِ كِفَايَةٌ.

وَأَنَّ مِمَّا نَعْتَقِدُهُ: أَنَّ اللهَ لَا يَحُلُّ فِي الْمَرْئِيَّاتِ، وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِكَمَالِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، حَيْثُ مَا تُلِيَ وَحُفِظَ وَدُرِسَ.

وَنَعْتَقِدُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَاتَّخَذَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ خَلِيلًا وَحَبِيبًا، وَالْخُلَّةُ لَهُمَا مِنْهُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ: أَنَّ الْخُلَّةَ الْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْخُلَّةُ وَالْمَحَبَّةُ صِفَتَانِ لِلَّهِ هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِمَا، وَلَا تَدْخُلُ أَوْصَافُهُ تَحْتَ التَّكْيِيفِ وَالتَّشْبِيهِ، وَصِفَاتُ الْخَلْقِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْخُلَّةِ جَائِزٌ عَلَيْهِمُ الْكَيْفُ، وَأَمَّا صِفَاتُ اللهِ تَعَالَى فَمَعْلُومَةٌ فِي الْعِلْمِ، وَمَوْجُودَةٌ فِي التَّعْرِيفِ، قَدِ انْتَفَى عَنْهُمَا التَّشْبِيهُ، فَالْإِيمَانُ وَاجِبٌ وَحَسْمُ الْكَيْفِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ سَاقِطٌ.

وَمِمَّا نَعْتَقِدُهُ: أَنَّ اللهَ أَبَاحَ الْمَكَاسِبَ وَالتِّجَارَاتِ وَالصِّنَاعَاتِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللهُ الْغِشَّ وَالظُّلْمَ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ الْمَكَاسِبِ، فَهُوَ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ، إِذْ لَيْسَ الْفَسَادُ وَالظُّلْمُ وَالْغِشُّ مِنَ التِّجَارَاتِ وَالصِّنَاعَاتِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ الْفَسَادَ لَا الْكَسْبَ وَالتِّجَارَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَائِزٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَإِنَّ مِمَّا نَعْتَقِدُهُ: أَنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِأَكْلِ الْحَلَالِ، ثُمَّ يُعْدِمُهُمُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ؛ لِأَنَّ مَا طَالَبَهُمْ بِهِ مَوْجُودٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْمُعْتَقِدُ أَنَّ الْأَرْضَ تَخْلُو مِنَ الْحَلَالِ، وَالنَّاسَ يَتَقَلَّبُونَ فِي الْحَرَامِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ، إِلَّا أَنَّهُ يَقِلُّ فِي مَوْضِعٍ وَيَكْثُرُ فِي مَوْضِعٍ؛ لَا أَنَّهُ مَفْقُودٌ مِنَ الْأَرْضِ.

وَمِمَّا نَعْتَقِدُهُ: أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا مَنْ ظَاهِرُهُ جَمِيلٌ لَا نَتَّهِمُهُ فِي مَكْسَبِهِ وَمَالِهِ وَطَعَامِهِ، جَائِزٌ أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامُهُ، وَالْمُعَامَلَةُ فِي تِجَارَتِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْنَا الْكَشْفُ عَنْ مَالِهِ، فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ جَازَ، إِلَّا مَنْ دَاخَلَ الظَّلَمَةَ.

وَمَنْ لَا يَزِغْ عَنِ الظُّلْمِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ وَمَعَهُ غَيْرُ ذَلِكَ: فَالسُّؤَالُ وَالتَّوَقِّي؛ كَمَا سَأَلَ الصِّدِّيقُ غُلَامَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ سِوَى ذَلِكَ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ تِلْكَ الْأَمْوَالِ فَاخْتَلَطَا، فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَلَالِ وَلَا الْحَرَامِ، إِلَّا أَنَّهُ مُشْتَبِهٌ، فَمَنْ سَأَلَ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ. وَأَجَازَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَسَلْمَانُ، قَالَا: «كُلْ مِنْهُ وَعَلَيْهِ التَّبِعَةُ» وَالنَّاسُ طَبَقَاتٌ، وَالدِّينُ: الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ.

وَأَنَّ مِمَّا نَعْتَقِدُهُ: أَنَّ الْعَبْدَ مَا دَامَ أَحْكَامُ الدَّارِ جَارِيَةً عَلَيْهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ، فَكُلُّ مَنِ ادَّعَى الْأَمْنَ فَهُوَ جَاهِلٌ بِاللهِ، وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ نَفْسُهُ ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾

[الْأَعْرَافِ:٩٩]، وَقَدْ أَفْرَدْتُ كَشْفَ عَوَارِ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ.

وَنَعْتَقِدُ: أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لَا تَسْقُطُ عَنِ الْعَبْدِ مَا عَقَلَ وَعَلِمَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ مُمَيِّزً عَلَى أَحْكَامِ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ، إِذْ لَمْ يَسْقُطْ ذَلِكَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى فَضَاءِ الْحُرِّيَّةِ بِإِسْقَاطِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْخُرُوجِ إِلَى أَحْكَامِ الْأَحَدِيَّةِ الْمَبْدَئِيَّةِ بِعَلَائِقِ الْآخِرِيَّةِ، فَهُوَ كَافِرٌ لَا مَحَالَةَ، إِلَّا مَنِ اعْتَرَاهُ عِلَّةٌ، أَوْ رَأْفَةٌ فَصَارَ مَعْتُوهًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ مُبَرْسَمًا وَقَدِ اخْتَلَطَ فِي عَقْلِهِ، أَوْ لَحِقَهُ غَشْيَةٌ، ارْتَفَعَ عَنْهُ أَحْكَامُ الْعَقْلِ، وَذَهَبَ عَنْهُ التَّمْيِيزُ وَالْمَعْرِفَةُ، فَذَلِكَ خَارِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ مُفَارِقٌ لِلشَّرِيعَةِ.

وَمَنْ زَعَمَ الْإِشْرَافَ عَلَى الْخَلْقِ حَتَّى يَعْلَمَ مَقَامَاتِهِمْ وَمِقْدَارَهُمْ عِنْدَ اللهِ بِغَيْرِ الْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْرِفُ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْرِفُ مَآلَ الْخَلْقِ وَمُنْقَلَبَهُمْ، وَأَنَّهُمْ عَلَى مَاذَا يَمُوتُونَ وَيُخْتَمُ لَهُمْ، بِغَيْرِ الْوَحْيِ مِنْ قَوْلِ اللهِ وَقَوْلِ رَسُولِ ﷺ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ.

وَ«الْفِرَاسَةُ» حَقٌّ عَلَى أُصُولٍ ذَكَرْنَاهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا سَمَّيْنَاهُ فِي شَيْءٍ.

وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ صِفَاتِهِ قَائِمَةٌ بِصِفَاتِهِ - وَيُشِيرُ فِي ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ الْأَيْدِ وَالْعِصْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ - وَأَشَارَ إِلَى صِفَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ الْقَدِيمَةِ، فَهُوَ حُلُولِيٌّ قَائِلٌ بِاللَّاهُوتِيَّةِ وَالِالْتِحَامِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ لَا مَحَالَةَ.

وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَقَدْ ضَاهَى قَوْلَ النَّصَارَى - النَّسْطُورِيَّةِ - فِي الْمَسِيحِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ بِاللهِ الْعَظِيمِ.

وَمَنْ قَالَ: إِنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَالٌّ فِي الْعَبْدِ، وَقَالَ بِالتَّبْعِيضِ عَلَى اللهِ فَقَدْ كَفَرَ؛ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا حَالٍّ فِي مَخْلُوقٍ، وَأَنَّهُ كَيْفَ مَا تُلِيَ وَقُرِئَ وَحُفِظَ، فَهُوَ صِفَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَ الدَّرْسُ مِنَ الْمَدْرُوسِ، وَلَا التِّلَاوَةُ مِنَ الْمَتْلُوِّ، لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ.

وَنَعْتَقِدُ: أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمُلَحَّنَةَ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ.

وَأَنَّ الْقَصَائِدَ بِدْعَةٌ، وَمَجْرَاهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: فَالْحَسَنُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ آلَاءِ اللهِ وَنَعْمَائِهِ، وَإِظْهَارِ نَعْتِ الصَّالِحِينَ وَصِفَةِ الْمُتَّقِينَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَتَرْكُهُ وَالِاشْتِغَالُ بِذِكْرِ اللهِ وَالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ أَوْلَى بِهِ، وَمَا جَرَى عَلَى وَصْفِ الْمَرْئِيَّاتِ، وَنَعْتِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَاسْتِمَاعُ ذَلِكَ عَلَى اللهِ كُفْرٌ وَاسْتِمَاعُ الْغِنَاءِ وَالرُّبْعِيَّاتِ عَلَى اللهِ كُفْرٌ، وَالرَّقْصُ بِالْإِيقَاعِ وَنَعْتُ الرَّقَّاصِينَ عَلَى أَحْكَامِ الدِّينِ فِسْقٌ، وَعَلَى أَحْكَامِ التَّوَاجُدِ وَالنِّغَامِ لَهْوٌ وَلَعِبٌ.

وَحَرَامٌ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ الْقَصَائِدَ وَالرُّبْعِيَّاتِ الْمُلَحَّنَةَ الْجَارِيَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَطْبَاعِ عَلَى أَحْكَامِ الذِّكْرِ، إِلَّا لِمَنْ تَقَدَّمَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ التَّوْحِيدِ، وَمَعْرِفَةُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا يُضَافُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِمَّا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَيَكُونُ اسْتِمَاعُهُ كَمَا قَالَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ١٨] .

وَكُلُّ مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ، وَقَصَدَ اسْتِمَاعَهُ عَلَى اللهِ عَلَى غَيْرِ تَفْصِيلِهِ، فَهُوَ كُفْرٌ لَا مَحَالَةَ، فَكُلُّ مَنْ جَمَعَ الْقَوْلَ وَأَصْغَى بِالْإِضَافَةِ إِلَى اللهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا لِمَنْ عَرَفَ مَا وَصَفْتُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ وَنَعْمَائِهِ، وَمَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا لَيْسَ لِلْمَخْلُوقِ فِيهِ نَعْتٌ وَلَا وَصْفٌ، بَلْ تَرْكُ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْوَطُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا بِدْعَةٌ، وَالْفِتْنَةُ بِهَا غَيْرُ مَأْمُونَةٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَاتِّخَاذُ الْمَجَالِسِ عَلَى الِاسْتِمَاعِ وَالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ بِالرُّبَاعِيَّاتِ بِدْعَةٌ، وَذَلِكَ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْمُطَّلِبِيُّ وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَٰقُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ أَوْلَى مِنَ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَا يُعْرَفُونَ فِي الدِّينِ، وَلَا لَهُمْ قَدَمٌ عِنْدَ الْمُخْلِصِينَ.

وَبَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِبِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ: إِنَّ أَصْحَابَكَ قَدْ أَحْدَثُوا شَيْئًا يُقَالُ لَهُ الْقَصَائِدُ. قَالَ: مِثْلُ إِيشْ؟ قَالَ مِثْلُ قَوْلِهِ:

اصْبِرِي يَا نَفْسُ حَتَّى ... تَسْكُنِي دَارَ الْجَلِيلِ

فَقَالَ: حَسَنٌ، وَأَيْنَ يَكُونُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ذَلِكَ؟

قَالَ: قُلْتُ: بِبَغْدَادَ. فَقَالَ: كَذَبُوا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَا يَسْكُنُ بِبَغْدَادَ مَنْ يَسْمَعُ ذَلِكَ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَمِمَّا نَقُولُ - وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا - أَنَّ الْفَقِيرَ إِذَا احْتَاجَ وَصَبَرَ لَمْ يَتَكَلَّفْ إِلَى وَقْتٍ يَفْتَحُ اللهُ لَهُ كَانَ أَعْلَى، فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّبْرِ كَانَ السُّؤَالُ أَوْلَى بِهِ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ...» الْحَدِيثَ.

وَنَقُولُ: إِنَّ تَرْكَ الْمَكَاسِبِ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا بِشَرَائِطَ مَرْسُومَةٍ مِنَ التَّعَفُّفِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَمَنْ جَعَلَ السُّؤَالَ حِرْفَةً وَهُوَ صَحِيحٌ، فَهُوَ مَذْمُومٌ فِي الْحَقِيقَةِ خَارِجٌ.

وَنَقُولُ: إِنَّ الْمُسْتَمِعَ إِلَى الْغِنَاءِ وَالْمَلَاهِي، فَإِنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ»، وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ، فَهُوَ فِسْقٌ لَا مَحَالَةَ.

وَالَّذِي نَخْتَارُ: قَوْلُ أَئِمَّتِنَا: تَرْكُ الْمِرَاءِ فِي الدِّينِ، وَالْكَلَامِ فِي الْإِيمَانِ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ وَاسِطٌ يُؤَدِّي، وَأَنَّ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَفْضَلُ، فَهُوَ كَافِرٌ بِاللهِ، وَمَنْ قَالَ بِإِسْقَاطِ الْوَسَائِطِ عَلَى الْجُمْلَةِ فَقَدْ كَفَرَ» . اهـ] .

[قَوْلُ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ]:

وَمِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ: الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ الْجِيلِيُّ، قَالَ فِي كِتَابِ «الْغُنْيَةِ»: «أَمَّا مَعْرِفَةُ الصَّانِعِ بِالْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ فَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ وَيَتَيَقَّنَ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَهُوَ بِجِهَةِ الْعُلُوِّ، مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ، مُحْتَوٍ عَلَى الْمُلْكِ، مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِالْأَشْيَاءِ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِرٍ:١٠]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السَّجْدَةِ:٥]، وَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي مَكُلِّ مَكَانٍ؛ بَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥] .

وَذَكَرَ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَيَنْبَغِي إِطْلَاقُ صِفَةِ الِاسْتِوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَأَنَّهُ اسْتِوَاءُ الذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ. قَالَ: وَكَوْنُهُ عَلَى الْعَرْشِ مَذْكُورٌ فِي كُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ بِلَا كَيْفٍ. وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا لَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمَوْضِعُ، وَذَكَرَ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ نَحْوَ هَذَا» .

وَلَوْ ذَكَرْتُ مَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا لَطَالَ [الْكِتَابُ] جِدًّا.

[قَوْلُ الْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ]

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: «رُوِّينَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ قَالُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: «مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ نَقْلِ الثِّقَاتِ، أَوْ جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَهُوَ عِلْمٌ يُدَانُ بِهِ؛ وَمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِيمَا جَاءَ عَنْهُمْ، فَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ» .

وَقَالَ فِي «شَرْحِ الْمُوَطَّأِ»: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ النُّزُولِ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ طُرُقٍ سِوَى هَذِهِ، مِنْ أَخْبَارِ الْعُدُولِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ مِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

وَقَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَهْلِ الْحَقِّ قَوْلُ اللهِ - وَذَكَرَ بَعْضَ الْآيَاتِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَهَذَا أَشْهَرُ وَأَعْرَفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ حِكَايَتِهِ، لِأَنَّهُ اضْطِرَارٌ لَمْ يُوقِفْهُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَا أَنْكَرَهُ [عَلَيْهِمْ] مُسْلِمٌ.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ حُمِلَ عَنْهُمُ التَّأْوِيلُ، قَالُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [الْمُجَادَلَةِ:٧] هُوَ عَلَى الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَمَا خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ مَنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ.

وَقَالَ أَبُوعُمَرَ أَيْضًا: أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْإِيمَانِ بِهَا، وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لَا عَلَى الْمَجَازِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً.

وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ - الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ كُلُّهَا وَالْخَوَارِجُ: فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا، وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ، وَهُمْ عِنْدَ مَنْ أَقَرَّ بِهَا نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ، وَالْحَقُّ فِيمَا قَالَهُ الْقَائِلُونَ: بِمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ اللهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْجَمَاعَةِ» .

[قَوْلُ الْإِمَامِ الْبَيْهَقِيِّ]:

وَفِي عَصْرِهِ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ مَعَ تَوَلِّيهِ لِلْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَذَبِّهِ عَنْهُمْ قَالَ: فِي كِتَابِ «الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ» «بَابُ مَا جَاءَ فِي إِثْبَاتِ الْيَدَيْنِ صِفَتَيْنِ - لَا مِنْ حَيْثُ الْجَارِحَةُ لِوُرُودِ [خَبَرِ] الصَّادِقِ بِهِ» قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وَقَالَ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٤٦] .

وَذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ فِي هَذَا الْبَابِ، مِثْلَ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ، فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: «يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ [اللهُ] بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ» وَمِثْلَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ الْأَلْوَاحَ بِيَدِهِ» وَفِي لَفْظٍ: «وَكَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ»، وَمِثْلَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «وَغَرَسَ كَرَامَةَ أَوْلِيَائِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ بِيَدِهِ»، وَمِثْلَ قَوْلِهِ ﷺ: «تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّاهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَتَكَفَّى أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ» . وَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِثْلَ قَوْلِهِ: «بِيَدِيَ الْأَمْرُ»، «وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ» «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ»، وَ«إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ» وَقَوْلِهِ: «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِي»، وَقَوْلِهِ: «يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟» .

وَقَوْلِهِ: «يَمِينُ اللهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الصَّحِيحِ.

وَذَكَرَ أَيْضًا قَوْلَهُ: «إِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ، قَالَ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ. قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ»، وَحَدِيثَ: «إِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ» إِلَى أَحَادِيثَ أُخَرَ ذَكَرَهَا مِنْ هَذَا النَّوْعِ.

ثُمَّ قَالَ «الْبَيْهَقِيُّ»: أَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُفَسِّرُوا مَا كَتَبْنَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، وَسَائِرِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ يَحْكِي قَوْلَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.

[قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى]:

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِ «إِبْطَالِ التَّأْوِيلِ»: «لَا يَجُوزُ رَدُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَلَا التَّشَاغُلُ بِتَأْوِيلِهَا، وَالْوَاجِبُ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَنَّهَا صِفَاتُ اللهِ، لَا تُشَبَّهُ بِسَائِرِ الْمَوْصُوفِينَ بِهَا مِنَ الْخَلْقِ، وَلَا نَعْتَقِدُ التَّشْبِيهَ فِيهَا، لَكِنْ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ.

وَذَكَرَ بَعْضَ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَوَكِيعٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَأَسْوَدَ بْنِ سَالِمٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ. وَفِي حِكَايَةِ أَلْفَاظِهِمْ طُولٌ.

إِلَى أَنْ قَالَ: «وَيَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِ التَّأْوِيلِ: أَنَّ الصَّحَابَةَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ حَمَلُوهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَأْوِيلِهَا، وَلَا صَرْفِهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، فَلَوْ كَانَ التَّأْوِيلُ سَائِغًا لَكَانُوا إِلَيْهِ أَسْبَقَ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِزَالَةِ التَّشْبِيهِ وَرَفْعِ الشُّبْهَةِ» .

[قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمَقَالَاتِ]:

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ الْمُتَكَلِّمُ، صَاحِبُ الطَّرِيقَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ فِي الْكَلَامِ، فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي «اخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ، وَمَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ» وَذَكَرَ فِرَقَ الرَّوَافِضِ، وَالْخَوَارِجِ، وَالْمُرْجِئَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَغَيْرِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ: «مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ جُمْلَةً: قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ: الْإِقْرَارُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَبِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ، وَمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَا يَرُدُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ، فَرْدٌ صَمَدٌ، لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَحَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥]، وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ بِلَا كَيْفٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وَأَنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ بِلَا كَيْفٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] .

وَأَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى لَا يُقَالُ: إِنَّهَا غَيْرُ اللهِ كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَأَقَرُّوا أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وَأَثْبَتُوا السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَلَمْ يَنْفُوا ذَلِكَ عَنِ اللهِ كَمَا نَفَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَأَثْبَتُوا لِلَّهِ الْقُوَّةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وَذَكَرَ مَذْهَبَهُمْ فِي الْقَدَرِ. إِلَى أَنْ قَالَ: وَيَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالْكَلَامُ فِي اللَّفْظِ وَالْوَقْفِ، مَنْ قَالَ بِاللَّفْظِ وَبِالْوَقْفِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَهُمْ، لَا يُقَالُ: اللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، وَلَا يُقَالُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ.

وَيُقِرُّونَ أَنَّ اللهَ يُرَى بِالْأَبْصَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا يُرَى الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَا يَرَاهُ الْكَافِرُونَ؛ لِأَنَّهُمْ عَنِ اللهِ مَحْجُوبُونَ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] .

وَذَكَرَ قَوْلَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ وَأَشْيَاءَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَيُقِرُّونَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَلَا يَقُولُونَ مَخْلُوقٌ، وَلَا يَشْهَدُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ بِالنَّارِ. إِلَى أَنْ قَالَ: وَيُنْكِرُونَ الْجَدَلَ وَالْمِرَاءَ فِي الدِّينِ وَالْخُصُومَةَ فِيهِ وَالْمُنَاظَرَةَ فِيمَا يَتَنَاظَرُ فِيهِ أَهْلُ الْجَدَلِ، وَيَتَنَازَعُونَ فِيهِ مِنْ دِينِهِمْ، وَيُسَلِّمُونَ لِلرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَلِمَا جَاءَتْ بِهَا الْآثَارُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الثِّقَاتُ عَدْلًا عَنْ عَدْلٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَا يَقُولُونَ: كَيْفَ وَلَا لِمَ؟ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَيُقِرُّونَ أَنَّ اللهَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، وَأَنَّ اللهَ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ يَشَاءُ؛ كَمَا قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] .

إِلَى أَنْ قَالَ: وَيَرَوْنَ مُجَانَبَةَ كُلِّ دَاعٍ إِلَى بِدْعَةٍ، وَالتَّشَاغُلَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَكِتَابَةِ الْآثَارِ، وَالنَّظَرَ فِي الْفِقْهِ، مَعَ الِاسْتِكَانَةِ وَالتَّوَاضُعِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، مَعَ بَذْلِ الْمَعْرُوفِ، وَكَفِّ الْأَذَى، وَتَرْكِ الْغِيبَةِ

وَالنَّمِيمَةِ وَالسِّعَايَةِ، وَتَفَقُّدِ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ. قَالَ: فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا يَأْمُرُونَ بِهِ، وَيَسْتَسْلِمُونَ إِلَيْهِ، وَيَرَوْنَهُ، وَبِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِمْ نَقُولُ وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ، وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّا بِاللهِ وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ» .

وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ أَيْضًا فِي «اخْتِلَافِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِي الْعَرْشِ»:

«قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ: لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا يُشْبِهُ الْأَشْيَاءَ، وَأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥]، وَلَا نَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي الْقَوْلِ؛ [بَلْ] نَقُولُ: اسْتَوَى بِلَا كَيْفٍ، وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وَأَنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ كَمَا قَالَ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وَأَنَّهُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا إِلَّا مَا وَجَدُوهُ فِي الْكِتَابِ وَجَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ اللهَ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى: اسْتَوْلَى وَذَكَرَ مَقَالَاتٍ أُخْرَى.

[قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ فِي كِتَابِهِ الْإِبَانَةِ]:

وَقَالَ أَيْضًا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ «الْإِبَانَةَ فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ» وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ آخِرُ كِتَابٍ صَنَّفَهُ، وَعَلَيْهِ يَعْتَمِدُونَ فِي الذَّبِّ عَنْهُ عِنْدَ مَنْ يَطْعُنُ عَلَيْهِ. فَقَالَ:

«فَصْلٌ فِي إِبَانَةِ قَوْلِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ» .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ أَنْكَرْتُمْ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْجَهْمِيَّةِ، وَالْحَرُورِيَّةِ، وَالرَّافِضَةِ، وَالْمُرْجِئَةِ؛ فَعَرِّفُونَا قَوْلَكُمُ الَّذِي بِهِ تَقُولُونَ، وَدِيَانَتَكُمُ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ.

[تَصْرِيحُ الْأَشْعَرِيِّ الِالْتِزَامَ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ]:

قِيلَ لَهُ: قَوْلُنَا الَّذِي نَقُولُ بِهِ، وَدِيَانَتُنَا الَّتِي نَدِينُ بِهَا: التَّمَسُّكُ بِكَلَامِ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا، وَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَنَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ، وَبِمَا كَانَ يَقُولُ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُ - قَائِلُونَ، وَلِمَا خَالَفَ قَوْلَهُ مُخَالِفُونَ، لِأَنَّهُ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ، وَالرَّئِيسُ الْكَامِلُ؛ الَّذِي أَبَانَ اللهُ بِهِ الْحَقَّ، وَدَفَعَ بِهِ الضَّلَالَةَ، وَأَوْضَحَ بِهِ الْمِنْهَاجَ، وَقَمَعَ بِهِ بِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ، وَزَيْغَ الزَّائِغِينَ، وَشَكَّ الشَّاكِّينَ؛ فَرَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ [إِمَامٍ مُقَدَّمٍ]، [وَجَلِيلٍ مُعَظَّمٍ، وَكَبِيرٍ مُفَهَّمٍ] .

وَجُمْلَةُ قَوْلِنَا: أَنَّا نُقِرُّ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَبِمَا جَاؤُوا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَا نَرُدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ وَأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَرْدٌ صَمَدٌ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.

وَأَنَّ اللهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥]، وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ بِلَا كَيْفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، وَأَنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ بِلَا كَيْفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] .

وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ [أَنَّ] أَسْمَاءَ اللهِ غَيْرُهُ كَانَ ضَالًّا، وَذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرَ فِي الْفِرَقِ، إِلَى أَنْ قَالَ:

وَنَقُولُ: إِنَّ الْإِسْلَامَ أَوْسَعُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ كُلُّ إِسْلَامٍ إِيمَانًا، وَنَدِينُ بِأَنَّ اللهَ يُقَلِّبُ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَضَعُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ، كَمَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَنُسَلِّمُ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ [عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ] الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَاتُ عَدْلًا عَنْ عَدْلٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَنُصَدِّقُ بِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي يُثْبِتُهَا أَهْلُ النَّقْلِ مِنَ النُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَنَّ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: «هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟» وَسَائِرِ مَا نَقَلُوهُ وَأَثْبَتُوهُ، خِلَافًا لِمَا قَالَ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالتَّضْلِيلِ.

وَنُعَوِّلُ فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ عَلَى كِتَابِ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَلَا نَبْتَدِعُ فِي دِينِ اللهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَنَا بِهِ، وَلَا نَقُولُ عَلَى اللهِ مَا لَا نَعْلَمُ، وَنَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] .

وَأَنَّ اللهَ يَقْرُبُ مِنْ عِبَادِهِ كَيْفَ شَاءَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وَكَمَا قَالَ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ • فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ [النجم:٨ـ٩] .

إِلَى أَنْ قَالَ: وَسَنَحْتَجُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِنَا وَمَا بَقِيَ مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ بَابًا بَابًا. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى أَنَّ اللهَ يُرَى، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى مَنْ وَقَفَ فِي الْقُرْآنِ وَقَالَ: لَا أَقُولُ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَرَدَّ عَلَيْهِ.

[قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ فِي الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ]:

ثُمَّ قَالَ: «بَابٌ فِي ذِكْرِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ» .

فَقَالَ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا تَقُولُونَ فِي الِاسْتِوَاءِ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّ اللهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥]، وَقَدْ قَالَ اللهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وَقَالَ: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وَقَالَ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ـ٣٧] كَذَّبَ مُوسَى فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، وَقَالَ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، فَالسَّمَاوَاتُ فَوْقَهَا الْعَرْشُ فَلَمَّا كَانَ الْعَرْشُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ قَالَ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ لِأَنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا عَلَا فَهُوَ سَمَاءٌ، فَالْعَرْشُ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ، وَلَيْسَ إِذَا قَالَ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَرْشَ الَّذِي هُوَ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ السَّمَاوَاتِ فَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح:١٦] فَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْقَمَرَ يَمْلَؤُهُنَّ، وَأَنَّهُ فِيهِنَّ جَمِيعًا.

وَرَأَيْنَا الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِذَا دَعَوْا نَحْوَ السَّمَاءِ، لِأَنَّ اللهَ عَلَى الْعَرْشِ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، فَلَوْلَا أَنَّ اللهَ عَلَى الْعَرْشِ لَمْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ نَحْوَ الْعَرْشِ، كَمَا لَا يَحُطُّونَهَا إِذَا دَعَوْا إِلَى الْأَرْضِ.

[رَدُّ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الِاسْتِوَاءَ بِالِاسْتِيلَاءِ]:

ثُمَّ قَالَ:

فَصْلٌ: وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْجَهْمِيَّةِ، وَالْحَرُورِيَّةِ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥] أَنَّهُ اسْتَوْلَى وَمَلَكَ وَقَهَرَ، وَأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَجَحَدُوا أَنْ يَكُونَ اللهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ، وَذَهَبُوا فِي الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْقُدْرَةِ، فَلَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرُوهُ كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْأَرْضِ السَّابِعَةِ، لِأَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَالْأَرْضُ فَاللهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا وَعَلَى الْحُشُوشِ وَعَلَى كُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ، فَلَوْ كَانَ اللهُ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ - وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَوْلٍ عَلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا - لَكَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ وَعَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى السَّمَاءِ وَعَلَى الْحُشُوشِ وَالْأَقْذَارِ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ اللهَ مُسْتَوٍ عَلَى الْحُشُوشِ وَالْأَخْلِيَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى: الِاسْتِيلَاءِ الَّذِي هُوَ عَامٌّ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ يَخْتَصُّ الْعَرْشَ دُونَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَذَكَرَ دَلَالَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعَقْلِ ثُمَّ قَالَ: «بَابُ الْكَلَامِ فِي الْوَجْهِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْبَصَرِ وَالْيَدَيْنِ» .

[مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ]:

وَذَكَرَ الْآيَاتِ فِي ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَى الْمُتَأَوِّلِينَ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَوْضِعُ لِحِكَايَتِهِ: مِثْلُ قَوْلِهِ: فَإِنْ سُئِلْنَا: أَتَقُولُونَ لِلَّهِ يَدَانِ؟ .

قِيلَ: نَقُولُ ذَلِكَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ بِيَدِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ» وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ الْمَأْثُورِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَخَلَقَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبَى بِيَدِهِ» .

وَلَيْسَ يَجُوزُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَلَا فِي عَادَةِ أَهْلِ الْخِطَابِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: عَمِلْتُ كَذَا بِيَدَيَّ، وَيُرِيدُ بِهَا النِّعْمَةَ، وَإِذَا كَانَ اللهُ إِنَّمَا خَاطَبَ الْعَرَبَ بِلُغَتِهَا، وَمَا يَجْرِي مَفْهُومًا مِنْ كَلَامِهَا، وَمَعْقُولًا فِي خِطَابِهَا، وَكَانَ لَا يَجُوزُ فِي خِطَابِ أَهْلِ اللِّسَانِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: فَعَلْتُ بِيَدَيَّ، وَيَعْنِي بِهِ النِّعْمَةَ، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِيَدَيَّ﴾ النِّعْمَةَ. وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا فِي تَقْرِيرِ هَذَا وَنَحْوِهِ» .

[قَوْلُ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي كِتَابِهِ الْإِبَانَةِ]:

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ «مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ [الْبَاقِلَّانِيُّ] الْمُتَكَلِّمُ»

ـ وَهُوَ أَفْضَلُ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْأَشْعَرِيِّ، لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُهُ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ - قَالَ فِي كِتَابِ «الْإِبَانَةِ» تَصْنِيفِهِ:

«فَإِنْ قَالَ: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ وَجْهًا وَيَدًا؟ قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٢]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فَأَثْبَتَ لِنَفْسِهِ وَجْهًا وَيَدًا.

فَإِنْ قَالَ: فَلِمَ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ وَجْهُهُ وَيَدُهُ جَارِحَةً إِذْ كُنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ وَجْهًا وَيَدًا إِلَّا جَارِحَةً؟ .

قُلْنَا: لَا يَجِبُ هَذَا كَمَا لَا يَجِبُ إِذْ لَمْ نَعْقِلْ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا إِلَّا جِسْمًا أَنْ نَقْضِيَ نَحْنُ وَأَنْتُمْ بِذَلِكَ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ، وَكَمَا لَا يَجِبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَانَ قَائِمًا بِذَاتِهِ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا، لِأَنَّا لَا نَجِدُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ فِي شَاهِدِنَا إِلَّا كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ لَهُمْ، إِنْ قَالُوا: فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وَحَيَاتُهُ وَكَلَامُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَسَائِرُ صِفَاتِهِ عَرَضًا وَاعْتَلُّوا بِالْوُجُودِ.

قَالَ: فَإِنْ قَالَ: تَقُولُونَ: إِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؟

قِيلَ لَهُ: مَعَاذَ اللهِ؛ بَلْ هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه:٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وَقَالَ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] .

قَالَ: وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَكَانَ فِي بَطْنِ الْإِنْسَانِ وَفَمِهِ، وَالْحُشُوشِ، وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِهَا، وَلَوَجَبَ أَنْ يَزِيدَ بِزِيَادَةِ الْأَمْكِنَةِ إِذَا خَلَقَ مِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ، وَيَنْقُصَ بِنُقْصَانِهَا إِذَا بَطَلَ مِنْهَا مَا كَانَ، وَلَصَحَّ أَنْ يُرْغَبَ إِلَيْهِ إِلَى نَحْوِ الْأَرْضِ، وَإِلَى خَلْفِنَا وَإِلَى يَمِينِنَا وَإِلَى شِمَالِنَا، وَهَذَا قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خِلَافِهِ وَتَخْطِئَةِ قَائِلِهِ.

وَقَالَ أَيْضًا فِي هَذَا الْكِتَابِ: صِفَاتُ ذَاتِهِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا، وَهِيَ الْحَيَاةُ، وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ، وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ، وَالْكَلَامُ، وَالْإِرَادَةُ وَالْبَقَاءُ، وَالْوَجْهُ، وَالْعَيْنَانِ، وَالْيَدَانِ، وَالْغَضَبُ، وَالرِّضَا» .

[الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِيهِمَا الْغُنْيَةُ عَنْ كَلَامِ كُلِّ أَحَدٍ]:

وَقَالَ فِي كِتَابِ «التَّمْهِيدِ» كَلَامًا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَكَلَامُهُ كَلَامُ غَيْرِهِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا الْبَابِ مِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ لِمَنْ يَطْلُبُهُ، وَإِنْ كُنَّا مُسْتَغْنِينَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ السَّلَفِ عَنْ كُلِّ كَلَامٍ.

وَمِلَاكُ الْأَمْرِ أَنْ يَهَبَ اللهُ لِلْعَبْدِ حِكْمَةً وَإِيمَانًا بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ عَقْلٌ وَدِينٌ، حَتَّى يَفْهَمَ وَيَدِينَ، ثُمَّ نُورُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُغْنِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ صَارَ مُنْتَسِبًا إِلَى بَعْضِ طَوَائِفِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَمُحْسِنًا لِلظَّنِّ بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَمُتَوَهِّمًا أَنَّهُمْ حَقَّقُوا فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَمْ يُحَقِّقْهُ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ أُتِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعَهَا حَتَّى يُؤْتَى بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِمْ.

[مُخَالَفَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ لِأَسْلَافِهِمْ]:

[مُشَابَهَةُ مَنْ تَعَصَّبَ لِطَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْ مَا مَعَهَا مِنَ الْحَقِّ لِلْيَهُودِ]:

ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا مُخَالِفُونَ لِأَسْلَافِهِمْ غَيْرُ مُتَّبِعِينَ لَهُمْ، فَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِالْهُدَى، الَّذِي يَجِدُونَهُ فِي كَلَامِ أَسْلَافِهِمْ لَرُجِيَ لَهُمْ مَعَ الصِّدْقِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ أَنْ يَزْدَادُوا هُدًى، وَمَنْ كَانَ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ إِلَّا مِنْ طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ لَا يَتَمَسَّكُ بِمَا جَاءَتْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، فَفِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١] .

فَإِنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: لَا نُؤْمِنُ إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْنَا. قَالَ اللهُ لَهُمْ: فَلِمَ قَتَلْتُمُ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: لَا مَا جَاءَتْكُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُكُمْ تَتَّبِعُونَ، [وَلَا لِمَا جَاءَتْكُمْ بِهِ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ تَتَّبِعُونَ] . وَلَكِنْ إِنَّمَا تَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَكُمْ، فَهَذَا حَالُ مَنْ لَمْ يَتَّبِعِ الْحَقَّ، لَا مِنْ طَائِفَتِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، مَعَ كَوْنِهِ يَتَعَصَّبُ لِطَائِفَتِهِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنَ اللهِ وَلَا بَيَانٍ.

[قَوْلُ أَبِي الْمَعَالِي فِي رَدِّ التَّأْوِيلِ]:

وَكَذَلِكَ قَالَ «أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ» فِي كِتَابِ «الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ»:

اخْتَلَفَتْ مَسَالِكُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الظَّوَاهِرِ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ تَأْوِيلَهَا، وَالْتَزَمَ ذَلِكَ فِي آيِ الْكِتَابِ، وَمَا يَصِحُّ مِنَ السُّنَنِ وَذَهَبَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ إِلَى الِانْكِفَافِ عَنِ التَّأْوِيلِ، وَإِجْرَاءِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَوَارِدِهَا، وَتَفْوِيضِ مَعَانِيهَا إِلَى الرَّبِّ.

قَالَ: وَالَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْيًا وَنَدِينُ اللهَ بِهِ عَقْدًا: اتِّبَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَالدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ الْقَاطِعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ حُجَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، وَهُوَ مُسْتَنَدُ مُعْظَمِ الشَّرِيعَةِ.

وَقَدْ دَرَجَ صَحْبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِمَعَانِيهَا وَدَرْكِ مَا فِيهَا - وَهُمْ صَفْوَةُ الْإِسْلَامِ، وَالْمُسْتَقِلُّونَ بِأَعْبَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَكَانُوا لَا يَأْلُونَ جُهْدًا فِي ضَبْطِ قَوَاعِدِ الْمِلَّةِ، وَالتَّوَاصِي بِحِفْظِهَا، وَتَعْلِيمِ النَّاسِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهَا - فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ مُسَوَّغًا أَوْ مَحْتُومًا: لَأَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ اهْتِمَامُهُمْ بِهَا فَوْقَ اهْتِمَامِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَإِذَا انْصَرَمَ عَصْرُهُمْ وَعَصْرُ التَّابِعِينَ عَلَى الْإِضْرَابِ عَنِ التَّأْوِيلِ، كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَجْهَ الْمُتَّبَعَ، فَحَقٌّ عَلَى ذِي الدِّينِ أَنْ يَعْتَقِدَ تَنْزِيهَ اللهِ عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ، وَلَا يَخُوضَ فِي تَأْوِيلِ الْمُشْكِلَاتِ، وَيَكِلَ مَعْنَاهُ إِلَى الرَّبِّ؛ فَلْيُجْرِ آيَةَ الِاسْتِوَاءِ وَالْمَجِيءِ وَقَوْلَهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وَقَوْلَهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وَمَا صَحَّ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ ﷺ كَخَبَرِ النُّزُولِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا» .

[لَيْسَ كُلُّ مَنْ حَكَى الشَّيْخُ قَوْلَهُ هُنَا يَقُولُ بِحَمِيعِ مَا يَقُولُ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ]:

قُلْتُ: وَلْيَعْلَمِ السَّائِلُ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ ذِكْرُ أَلْفَاظِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلُوا مَذْهَبَ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا شَيْئًا مِنْ قَوْلِهِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُ بِجَمِيعِ مَا نَقُولُهُ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ؛ وَلَكِنَّ الْحَقَّ يُقْبَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ؛ وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ فِي كَلَامِهِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ، الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: «اقْبَلُوا الْحَقَّ مِنْ كُلِّ مَنْ جَاءَ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا - أَوْ قَالَ فَاجِرًا - وَاحْذَرُوا زَيْغَةَ الْحَكِيمِ. قَالُوا: كَيْفَ نَعْلَمُ أَنَّ الْكَافِرَ يَقُولُ الْحَقَّ؟ قَالَ: إِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا» أَوْ قَالَ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.

[الْفَتْوَى لَا تَتَّسِعُ لِعَرْضِ الشُّبَهِ وَالْآرَاءِ وَالرَّدِّ عَلَيْهَا]:

فَأَمَّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ، وَإِمَاطَةُ مَا يَعْرِضُ مِنَ الشُّبَهِ، وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ عَلَى وَجْهٍ يَخْلُصُ إِلَى الْقَلْبِ مَا يَبْرُدُ بِهِ مِنَ الْيَقِينِ وَيَقِفُ عَلَى مَوَاقِفِ آرَاءِ الْعِبَادِ فِي هَذِهِ الْمَهَامِهِ، فَمَا تَتَّسِعُ لَهُ هَذِهِ الْفَتْوَى، وَقَدْ كَتَبْتُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا، وَخَاطَبْتُ بِبَعْضِ ذَلِكَ بَعْضَ مَنْ يُجَالِسُنَا، وَرُبَّمَا أَكْتُبُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فِي ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ.

[الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِيهِمَا النُّورُ وَالْهُدَى]:

وَجِمَاعُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ يَحْصُلُ مِنْهُمَا كَمَالُ الْهُدَى وَالنُّورِ لِمَنْ تَدَبَّرَ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وَقَصَدَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ، وَأَعْرَضَ عَنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَالْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَآيَاتِهِ.

[لَا تَعَارُضَ بَيْنَ نُصُوصِ الْمَعِيَّةِ وَبَيْنَ نُصُوصِ الْعُلُوِّ]:

وَلَا يَحْسَبِ [الْحَاسِبُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ] يُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا الْبَتَّةَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَنَّ اللهَ فَوْقَ الْعَرْشِ يُخَالِفُهُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ» وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا غَلَطٌ.

[اللهُ مَعَنَا حَقِيقَةً وَفَوْقَ الْعَرْشِ حَقِيقَةً]:

وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ مَعَنَا حَقِيقَةً، وَهُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ حَقِيقَةً كَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] .

فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ مَعَنَا أَيْنَمَا كُنَّا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ: «وَاللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» .

[كَلِمَةُ مَعَ فِي اللُّغَةِ لَا تَقْتَضِي الْمُمَاسَّةَ أَوِ الْمُحَاذَاةَ]:

وَذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ «مَعَ» فِي اللُّغَةِ إِذَا أُطْلِقَتْ، فَلَيْسَ فِي ظَاهِرِهَا فِي اللُّغَةِ إِلَّا الْمُقَارَنَةُ الْمُطْلَقَةُ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ مُمَاسَّةٍ أَوْ مُحَاذَاةٍ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، فَإِذَا قُيِّدَتْ بِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي دَلَّتْ عَلَى الْمُقَارَنَةِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ يُقَالُ: مَا زِلْنَا نَسِيرُ وَالْقَمَرُ مَعَنَا، أَوِ النَّجْمُ مَعَنَا. وَيُقَالُ: هَذَا الْمَتَاعُ مَعِي لِمُجَامَعَتِهِ لَكَ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ رَأْسِكَ، فَاللهُ مَعَ خَلْقِهِ حَقِيقَةً، وَهُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ حَقِيقَةً.

[مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ: مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ]:

ثُمَّ هَذِهِ الْمَعِيَّةُ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا بِحَسَبِ الْمَوَارِدِ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد:٤] دَلَّ ظَاهِرُ الْخِطَابِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْمَعِيَّةِ وَمُقْتَضَاهَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْكُمْ، شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَمُهَيْمِنٌ عَالِمٌ بِكُمْ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ: «إِنَّهُ مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ»، وَهَذَا ظَاهِرُ الْخِطَابِ وَحَقِيقَتُهُ.

وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَاحِبِهِ فِي الْغَارِ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] كَانَ هَذَا أَيْضًا حَقًّا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَدَلَّتِ الْحَالُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمَعِيَّةِ هُنَا - مَعَ الِاطِّلَاعِ - وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه:٤٦] . هُنَا الْمَعِيَّةُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَحُكْمُهَا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ النَّصْرُ وَالتَّأْيِيدُ.

وَقَدْ يَدْخُلُ عَلَى صَبِيٍّ مَنْ يُخِيفُهُ، فَيَبْكِي، فَيُشْرِفُ عَلَيْهِ أَبُوهُ مِنْ فَوْقِ السَّقْفِ وَيَقُولُ: لَا تَخَفْ، أَنَا مَعَكَ، أَوْ أَنَا حَاضِرٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ، يُنَبِّهُهُ عَلَى الْمَعِيَّةِ الْمُوجِبَةِ بِحُكْمِ الْحَالِ دَفْعَ الْمَكْرُوهِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ مَعْنَى الْمَعِيَّةِ وَبَيْنَ مُقْتَضَاهَا، وَرُبَّمَا صَارَ مُقْتَضَاهَا مِنْ مَعْنَاهَا، فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ.

[اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْمَعِيَّةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ]:

فَلَفْظُ الْمَعِيَّةِ قَدِ اسْتُعْمِلَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي مَوَاضِعَ يَقْتَضِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أُمُورًا لَا يَقْتَضِيهَا فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ، فَإِمَّا أَنْ تَخْتَلِفَ دَلَالَتُهَا بِحَسَبِ الْمَوَاضِعِ، أَوْ تَدُلَّ عَلَى قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ جَمِيعِ مَوَارِدِهَا - وَإِنِ امْتَازَ كُلُّ مَوْضِعٍ بِخَاصِّيَّةٍ - فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَيْسَ مُقْتَضَاهَا أَنْ تَكُونَ ذَاتُ الرَّبِّ مُخْتَلِطَةً بِالْخَلْقِ حَتَّى يُقَالَ: قَدْ صُرِفَتْ عَنْ ظَاهِرِهَا.

[لَفْظُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَاشْتِرَاكُ الْخَلْقِ فِيهِمَا]:

وَنَظِيرُهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ الرُّبُوبِيَّةُ وَالْعُبُودِيَّةُ، فَإِنَّهَا وَإِنِ اشْتَرَكَتْ فِي أَصْلِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالتَّعْبِيدِ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ • رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ـ١٢٢] كَانَتْ رُبُوبِيَّةُ مُوسَى وَهَارُونَ لَهَا اخْتِصَاصٌ زَائِدٌ عَلَى الرُّبُوبِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْخَلْقِ، فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الْكَمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى غَيْرَهُ: فَقَدْ رَبَّهُ وَرَبَّاهُ، وَرُبُوبِيَّتُهُ وَتَرْبِيَتُهُ أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِهِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦] وَ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] .

فَإِنَّ الْعَبْدَ تَارَةً يُعْنَى بِهِ الْمُعَبَّدُ فَيَعُمُّ الْخَلْقَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وَتَارَةً يُعْنَى بِهِ الْعَابِدُ فَيَخُصُّ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ، فَمَنْ كَانَ أَعْبَدَ عِلْمًا وَحَالًا، كَانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أَكْمَلَ، فَكَانَتِ الْإِضَافَةُ فِي حَقِّهِ أَكْمَلَ، مَعَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ.

[لَفْظُ الْمَعِيَّةِ هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَوَاطِئَةِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ

وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يُسَمِّيهَا بَعْضُ النَّاسِ «مُشَكِّكَةً» لِتَشْكِيكِ الْمُسْتَمِعِ فِيهَا، هَلْ هِيَ مِنْ قِبَلِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي اللَّفْظِ فَقَطْ، وَالْمُحَقِّقُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا لَيْسَتْ خَارِجَةً عَنْ جِنْسِ الْمُتَوَاطِئَةِ؛ إِذْ وَاضِعُ اللُّغَةِ إِنَّمَا وَضَعَ اللَّفْظَ بِإِزَاءِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَإِنْ كَانَتْ نَوْعًا مُخْتَصًّا مِنَ الْمُتَوَاطِئَةِ، فَلَا بَأْسَ بِتَخْصِيصِهَا بِلَفْظٍ.

وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَعِيَّةَ تُضَافُ إِلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ - كَإِضَافَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مَثَلًا - وَأَنَّ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الشَّيْءِ لَيْسَ إِلَّا لِلْعَرْشِ، وَأَنَّ اللهَ يُوصَفُ بِالْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلَا يُوصَفُ بِالسُّفُولِ وَلَا بِالتَّحْتِيَّةِ قَطُّ، لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا: عَلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ.

[مَعْنَى أَنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ]:

ثُمَّ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ كَوْنَ اللهِ فِي السَّمَاءِ بِمَعْنَى أَنَّ السَّمَاءَ تُحِيطُ بِهِ وَتَحْوِيهِ فَهُوَ كَاذِبٌ - إِنْ نَقَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ ـ، وَضَالٌّ - إِنِ اعْتَقَدَهُ فِي رَبِّهِ - وَمَا سَمِعْنَا أَحَدًا يَفْهَمُهُ مِنَ اللَّفْظِ، وَلَا رَأَيْنَا أَحَدًا نَقَلَهُ عَنْ أَحَدٍ، وَلَوْ سُئِلَ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ: هَلْ تَفْهَمُونَ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ «أَنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ» أَنَّ السَّمَاءَ تَحْوِيهِ؟ لَبَادَرَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ يَقُولَ: هَذَا شَيْءٌ لَعَلَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِنَا.

وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا فَمِنَ التَّكَلُّفِ أَنْ يُجْعَلَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ شَيْئًا مُحَالًا لَا يَفْهَمُهُ النَّاسُ مِنْهُ، ثُمَّ يُرِيدَ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ بَلْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ وَاحِدٌ، إِذِ السَّمَاءُ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْعُلُوُّ، فَالْمَعْنَى أَنَّ اللهَ فِي الْعُلُوِّ لَا فِي السُّفْلِ، وَقَدْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ كُرْسِيَّهُ سُبْحَانَهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنَّ الْكُرْسِيَّ فِي الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، وَأَنَّ الْعَرْشَ خَلْقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللهِ لَا نِسْبَةَ [لَهُ] إِلَى قُدْرَةِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ بَعْدَ هَذَا أَنَّ خَلْقًا يَحْصُرُهُ وَيَحْوِيهِ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] بِمَعْنَى «عَلَى» وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا وَهَذَا يَعْلَمُهُ مَنْ عَرَفَ حَقَائِقَ مَعَانِي الْحُرُوفِ، وَأَنَّهَا مُتَوَاطِئَةٌ فِي الْغَالِبِ لَا مُشْتَرَكَةٌ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ» الْحَدِيثَ حَقٌّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ قِبَلَ وَجْهِ الْمُصَلِّي، بَلْ هَذَا الْوَصْفُ يَثْبُتُ لِلْمَخْلُوقَاتِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ أَنَّهُ يُنَاجِي السَّمَاءَ وَيُنَاجِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَكَانَتِ السَّمَاءُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَوْقَهُ وَكَانَتْ أَيْضًا قِبَلَ وَجْهِهِ.

وَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَثَلَ بِذَلِكَ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّمْثِيلِ بَيَانُ جَوَازِ هَذَا وَإِمْكَانِهِ لَا تَشْبِيهُ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيَرَى رَبَّهُ مُخْلِيًا بِهِ» . فَقَالَ لَهُ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ وَنَحْنُ جَمِيعٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «سَأُنَبِّئُكَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللهِ، هَذَا الْقَمَرُ كُلُّكُمْ يَرَاهُ مُخْلِيًا بِهِ وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَاللهُ أَكْبَرُ» أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.

وَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ»

فَشَبَّهَ الرُّؤْيَةَ بِالرُّؤْيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَرْئِيُّ مُشَابِهًا لِلْمَرْئِيِّ، فَالْمُؤْمِنُونَ إِذَا رَأَوْا رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَاجَوْهُ كُلٌّ يَرَاهُ فَوْقَهُ قِبَلَ وَجْهِهِ كَمَا يَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَلَا مُنَافَاةَ أَصْلًا.

[هَلْ ظَاهِرُ النُّصُوصِ مُرَادٌ أَوْ غَيْرُ مُرَادٍ]:

وَمَنْ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِاللهِ وَالرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ بِاللهِ يَكُونُ إِقْرَارُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مَا هُمَا عَلَيْهِ أَوْكَدَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يَقُولُ: مَذْهَبُ السَّلَفِ إِقْرَارُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَهَذَا لَفْظٌ مُجْمَلٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ظَاهِرُهَا غَيْرُ مُرَادٍ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالظَّاهِرِ نُعُوتَ الْمَخْلُوقِينَ وَصِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ، مِثْلَ أَنْ يُرَادَ بِكَوْنِ اللهِ «قِبَلَ وَجْهِ الْمُصَلِّي» أَنَّهُ مُسْتَقِرٌّ فِي الْحَائِطِ الَّذِي يُصَلِّي إِلَيْهِ، وَأَنَّ «اللهَ مَعَنَا» ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِلَى جَانِبِنَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ.

وَمَنْ قَالَ: إِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ: أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ، فَقَدْ أَصَابَ فِي الْمَعْنَى، لَكِنْ أَخْطَأَ فِي إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُحَالُ لَيْسَ هُوَ الْأَظْهَرَ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا [الْمَعْنَى] الْمُمْتَنِعُ صَارَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النَّاسِ، فَيَكُونَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ مُصِيبًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، مَعْذُورًا فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ.

فَإِنَّ الظُّهُورَ وَالْبُطُونَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. وَكَانَ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا أَنْ يُبَيِّنَ لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الظَّاهِرَ، حَتَّى يَكُونَ أَعْطَى كَلَامَ اللهِ وَكَلَامَ رَسُولِهِ حَقَّهُ لَفْظًا وَمَعْنًى.

وَإِنْ كَانَ النَّاقِلُ عَنِ السَّلَفِ أَرَادَ - بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ عِنْدَهُمْ - أَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ مِمَّا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا يَخْتَصُّ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ، بَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ لِلَّهِ، أَوْ جَائِزَةٌ عَلَيْهِ جَوَازًا ذِهْنِيًّا، أَوْجَوَازًا خَارِجِيًّا: غَيْرُ مُرَادٍ، فَهَذَا قَدْ أَخْطَأَ فِيمَا نَقَلَهُ عَنِ السَّلَفِ، أَوْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، فَمَا يُمْكِنُ أَحَدٌ قَطُّ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ مَا يَدُلُّ - لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا - أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا أَنَّ اللهَ لَيْسَ لَهُ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَيَدٌ حَقِيقَةً.

[مُخَالَفَةُ طَرِيقَةِ السَّلَفِ لِطَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ]:

وَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا الْمَعْنَى يَنْتَحِلُهُ بَعْضُ مَنْ يَحْكِيهِ عَنِ السَّلَفِ، وَيَقُولُ: إِنَّ طَرِيقَةَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ هِيَ - فِي الْحَقِيقَةِ - طَرِيقَةُ السَّلَفِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَلَكِنَّ السَّلَفَ أَمْسَكُوا عَنْ تَأْوِيلِهَا، وَالْمُتَأَخِّرُونَ رَأَوُا الْمَصْلَحَةَ تَأْوِيلَهَا، لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ: الْفَرْقُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يُعَيِّنُونَ الْمُرَادَ بِالتَّأْوِيلِ، وَأُولَئِكَ لَا يُعَيِّنُونَ لِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ غَيْرُهُ.

[تَصْرِيحُ السَّلَفِ بِعُلُوِّ اللهِ عَلَى عَرْشِهِ]:

وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَذِبٌ صَرِيحٌ عَلَى السَّلَفِ: أَمَّا فِي كَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ فَقَطْعًا، مِثْلُ أَنَّ اللهَ فَوْقَ الْعَرْشِ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ السَّلَفِ الْمَنْقُولَ عَنْهُمْ - الَّذِي لَمْ يُحْكَ هُنَا عُشْرُهُ - عَلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُصَرِّحِينَ بِأَنَّ اللهَ فَوْقَ الْعَرْشِ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُمْ مَا اعْتَقَدُوا خِلَافَ هَذَا قَطُّ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ قَدْ صَرَّحَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

[إِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ]:

وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ، وَمُطَالَعَةِ مَا أَمْكَنَ مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ، مَا رَأَيْتُ كَلَامَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يَدُلُّ - لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَلَا بِالْقَرَائِنِ - عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ بَلِ الَّذِي رَأَيْتُهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِهِمْ يَدُلُّ - إِمَّا نَصًّا، وَإِمَّا ظَاهِرًا - عَلَى تَقْرِيرِ جِنْسِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلَا أَنْقُلُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِثْبَاتَ كُلِّ صِفَةٍ، بَلِ الَّذِي رَأَيْتُهُ أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ جِنْسَهَا فِي الْجُمْلَةِ؛ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ نَفَاهَا، وَإِنَّمَا يَنْفُونَ التَّشْبِيهَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللهَ بِخَلْقِهِ، مَعَ إِنْكَارِهِمْ عَلَى مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ؛ كَقَوْلِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيِّ - شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ـ: «مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَيْسَ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولُهُ تَشْبِيهًا» .

وَكَانُوا إِذَا رَأَوُا الرَّجُلَ قَدْ أَغْرَقَ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ مِنْ غَيْرِ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ قَالُوا: جَهْمِيٌّ

مُعَطِّلٌ؛ وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي كَلَامِهِمْ، فَإِنَّ الْجَهْمِيَّةَ وَالْمُعْتَزِلَةَ إِلَى الْيَوْمِ يُسَمُّونَ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا مِنَ الصِّفَاتِ مُشَبِّهًا - كَذِبًا مِنْهُمْ وَافْتِرَاءً - حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ غَلَا وَرَمَى الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، حَتَّى قَالَ ثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْجَهْمِيَّةِ:

«ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مُشَبِّهَةٌ، مُوسَى حَيْثُ قَالَ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٥]، وَعِيسَى حَيْثُ قَالَ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٦]، وَمُحَمَّدٌ حَيْثُ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا» .

وَحَتَّى أَنَّ جُلَّ الْمُعْتَزِلَةِ تُدْخِلُ عَامَّةَ الْأَئِمَّةِ مِثْلَ: مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ، فِي قِسْمِ الْمُشَبِّهَةِ.

[إِطْلَاقُ أَهْلِ الْبِدَعِ الْأَلْقَابَ الشَّنِيعَةَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ]:

وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ دِرْبَاسٍ الشَّافِعِيُّ جُزْءًا أَسْمَاهُ: «تَنْزِيهُ الشَّرِيعَةِ عَنِ الْأَلْقَابِ الشَّنِيعَةِ» وَذَكَرَ فِيهِ كَلَامَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مَعَانِي هَذِهِ الْأَلْقَابِ، وَذَكَرَ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ يُلَقِّبُ أَهْلَ السُّنَّةِ بِلَقَبٍ افْتَرَاهُ، يَزْعُمُ أَنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى رَأْيِهِ الْفَاسِدِ، كَمَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُلَقِّبُونَ النَّبِيَّ ﷺ بِأَلْقَابٍ افْتَرَوْهَا.

فَالرَّوَافِضُ تُسَمِّيهِمْ نَوَاصِبَ، وَالْقَدَرِيَّةُ يُسَمُّونَهُمْ مُجْبِرَةً، وَالْمُرْجِئَةُ يُسَمُّونَهُمْ شُكَّاكًا، وَالْجَهْمِيَّةُ تُسَمِّيهِمْ مُشَبِّهَةً، وَأَهْلُ الْكَلَامِ يُسَمُّونَهُمْ حَشْوِيَّةً وَنَوَابِتَ، وَغُثَاءً، وَغُثْرًا، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي النَّبِيَّ ﷺ تَارَةً مَجْنُونًا، وَتَارَةً شَاعِرًا، وَتَارَةً كَاهِنًا، وَتَارَةً مُفْتَرِيًا.

قَالُوا: فَهَذِهِ عَلَامَةُ الْإِرْثِ الصَّحِيحِ وَالْمُتَابَعَةِ التَّامَّةِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ هِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ اعْتِقَادًا وَاقْتِصَادًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا؛ فَكَمَا أَنَّ الْمُنْحَرِفِينَ عَنْهُ يُسَمُّونَهُ بِأَسْمَاءٍ مَذْمُومَةٍ مَكْذُوبَةٍ - وَإِنِ اعْتَقَدُوا صِدْقَهَا بِنَاءً عَلَى عَقِيدَتِهِمُ الْفَاسِدَةِ - فَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ لَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ الَّذِينَ هُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، بَاطِنًا وَظَاهِرًا.

وَأَمَّا الَّذِينَ وَافَقُوا بِبَوَاطِنِهِمْ وَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الظَّوَاهِرِ، وَالَّذِينَ وَافَقُوهُ بِظَوَاهِرِهِمْ وَعَجَزُوا عَنْ تَحْقِيقِ الْبَوَاطِنِ، أَوِ الَّذِينَ وَافَقُوهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ: لَا بُدَّ لِلْمُنْحَرِفِينَ عَنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَعْتَقِدُوا فِيهَا نَقْصًا [يَذُمُّونَهُمْ بِهِ]، وَيُسَمُّونَهُمْ بِأَسْمَاءٍ مَكْذُوبَةٍ - وَإِنِ اعْتَقَدُوا صِدْقَهَا - كَقَوْلِ الرَّافِضِيِّ: مَنْ لَمْ يُبْغِضْ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَدْ أَبْغَضَ عَلِيًّا، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِعَلِيٍّ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَجْعَلُ مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ نَاصِبِيًّا، بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ الْبَاطِلَةِ، الَّتِي اعْتَقَدُوهَا صَحِيحَةً، أَوْ عَانَدُوا فِيهَا وَهُوَ الْغَالِبُ.

وَكَقَوْلِ الْقَدَرِيِّ: مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ أَرَادَ الْكَائِنَاتِ وَخَلَقَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ، فَقَدْ سَلَبَ الْعِبَادَ الْقُدْرَةَ وَالِاخْتِيَارَ وَجَعَلَهُمْ مَجْبُورِينَ كَالْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا إِرَادَةَ لَهَا وَلَا قُدْرَةَ.

وَكَقَوْلِ الْجَهْمِيِّ: مَنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ فَوْقَ الْعَرْشِ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مَحْصُورٌ، وَأَنَّهُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ وَأَنَّهُ مُشَابِهٌ لِخَلْقِهِ.

وَكَقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ: مَنْ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ، وَهُوَ مُشَبِّهٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ، وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ إِلَّا بِجَوْهَرٍ مُتَحَيِّزٍ، وَكُلُّ مُتَحَيِّزٍ فَجِسْمٌ مُرَكَّبٌ، أَوْ جَوْهَرٌ فَرْدٌ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ مُشَبِّهٌ، لِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ.

وَمَنْ حَكَى عَنِ النَّاسِ «الْمَقَالَاتِ» وَسَمَّاهُمْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمَكْذُوبَةِ بِنَاءً عَلَى عَقِيدَتِهِمُ الَّتِي هُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ فِيهَا، فَهُوَ وَرَبُّهُ. وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِ بِالْمِرْصَادِ، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.

[أَقْسَامُ النَّاسِ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ]:

وَجِمَاعُ الْأَمْرِ: أَنَّ الْأَقْسَامَ الْمُمْكِنَةَ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا سِتَّةُ أَقْسَامٍ، كُلُّ قِسْمٍ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.

«قِسْمَانِ» يَقُولَانِ: تُجْرَى عَلَى ظَوَاهِرِهَا.

«وَقِسْمَانِ» يَقُولَانِ: هِيَ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهَا.

«وَقِسْمَانِ» يَسْكُتُونَ.

أَمَّا الْأَوَّلَانِ: فَقِسْمَانِ:

[مَنْ يَقُولُ تُجْرَى عَلَى ظَاهِرِهَا: ١ـ أَهْلُ السُّنَّةِ. ٢ـ الْمُشَبِّهَةُ]:

أَحَدُهُمَا: مَنْ يُجْرِيهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَيَجْعَلُ ظَاهِرَهَا مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَهَؤُلَاءِ الْمُشَبِّهَةُ، وَمَذْهَبُهُمْ بَاطِلٌ، أَنْكَرَهُ السَّلَفُ، وَإِلَيْهِمْ تَوَجَّهَ الرَّدُّ بِالْحَقِّ.

وَالثَّانِي: مَنْ يُجْرِيهَا عَلَى ظَاهِرِهَا اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللهِ، كَمَا يُجْرِى ظَاهِرَ اسْمِ «الْعَلِيمِ، وَالْقَدِيرِ، وَالرَّبِّ، وَالْإِلَهِ، وَالْمَوْجُودِ، وَالذَّاتِ» وَنَحْوِ ذَلِكَ، عَلَى ظَاهِرِهَا اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللهِ، فَإِنَّ ظَوَاهِرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ: إِمَّا جَوْهَرٌ مُحْدَثٌ، وَإِمَّا عَرَضٌ قَائِمٌ بِهِ.

فَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَلَامُ وَالْمَشِيئَةُ وَالرَّحْمَةُ وَالرِّضَا، وَالْغَضَبُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ: فِي حَقِّ الْعَبْدِ أَعْرَاضٌ.

وَالْوَجْهُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ فِي حَقِّهِ أَجْسَامٌ.

فَإِذَا كَانَ اللهُ مَوْصُوفًا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ بِأَنَّ لَهُ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَكَلَامًا وَمَشِيئَةً - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَرَضًا، يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ - جَازَ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ اللهِ وَيَدَاهُ لَيْسَتْ أَجْسَامًا يَجُوزُ عَلَيْهَا مَا يَجُوزُ عَلَى صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.

[الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ]:

وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي حَكَاهُ «الْخَطَّابِيُّ» وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ جُمْهُورِهِمْ، وَكَلَامُ الْبَاقِينَ لَا يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ، فَإِنَّ الصِّفَاتِ كَالذَّاتِ، فَكَمَا أَنَّ ذَاتَ اللهِ ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَصِفَاتُهُ ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ.

فَمَنْ قَالَ: لَا أَعْقِلُ عِلْمًا وَيَدًا إِلَّا مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ وَالْيَدِ الْمَعْهُودَيْنِ.

قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ تَعْقِلُ ذَاتًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ؟ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ صِفَاتِ كُلِّ مَوْصُوفٍ تُنَاسِبُ ذَاتَهُ وَتُلَائِمُ حَقِيقَتَهُ، فَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ - الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ - إِلَّا مَا يُنَاسِبُ الْمَخْلُوقَ فَقَدْ ضَلَّ فِي عَقْلِهِ وَدِينِهِ.

[مَنْ سَأَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الصِّفَاتِ سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الذَّاتِ]:

وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا قَالَ لَكَ الْجَهْمِيُّ: كَيْفَ اسْتَوَى، وَكَيْفَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَيْفَ يَدَاهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ؟

فَقُلْ لَهُ: كَيْفَ هُوَ فِي نَفْسِهِ؟ .

فَإِذَا قَالَ لَكَ: لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا هُوَ، وَكُنْهُ الْبَارِي غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْبَشَرِ.

فَقُلْ لَهُ: فَالْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الصِّفَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ الْمَوْصُوفِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَعْلَمَ بِكَيْفِيَّةِ صِفَةٍ لِمَوْصُوفٍ، وَلَمْ تَعْلَمْ كَيْفِيَّتَهُ، وَإِنَّمَا تَعْلَمُ الذَّاتَ وَالصِّفَاتِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي [يَنْبَغِي لَهُ، بَلْ هَذِهِ] الْمَخْلُوقَاتُ فِي الْجَنَّةِ قَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ مِمَّا الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاءُ» .

[لَا يَلْزَمُ مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَسْمَاءِ الْعِلْمُ بِالْكَيْفِيَّةِ]:

وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ: أَنَّهُ لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .

فَإِذَا كَانَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ وَهُوَ خَلْقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللهِ كَذَلِكَ، فَمَا الظَّنُّ بِالْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَهَذِهِ الرُّوحُ الَّتِي فِي بَنِي آدَمَ قَدْ عَلِمَ الْعَاقِلُ اضْطِرَابَ النَّاسِ فِيهَا، وَإِمْسَاكَ النُّصُوصِ عَنْ بَيَانِ كَيْفِيَّتِهَا، أَفَلَا يَعْتَبِرُ الْعَاقِلُ بِهَا عَنِ الْكَلَامِ فِي كَيْفِيَّةِ اللهِ تَعَالَى؟ مَعَ أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الرُّوحَ فِي الْبَدَنِ، وَأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَعْرُجُ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنَّهَا تُسَلُّ مِنْهُ وَقْتَ النَّزْعِ كَمَا نَطَقَتْ بِذَلِكَ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ، لَا نُغَايِى فِي تَجْرِيدِهَا غُلُوَّ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ؛ حَيْثُ نَفَوْا عَنْهَا الصُّعُودَ وَالنُّزُولَ، وَالِاتِّصَالَ بِالْبَدَنِ وَالِانْفِصَالَ عَنْهُ، وَتَخَبَّطُوا فِيهَا حَيْثُ رَأَوْهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْبَدَنِ وَصِفَاتِهِ، فَعَدَمُ مُمَاثَلَتِهَا لِلْبَدَنِ لَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ الصِّفَاتُ ثَابِتَةً لَهَا بِحَسَبِهَا، إِلَّا أَنْ يُفَسِّرُوا كَلَامَهُمْ بِمَا يُوَافِقُ النُّصُوصَ، فَيَكُونُونَ قَدْ أَخْطَؤُوا فِي اللَّفْظِ، وَأَنَّى لَهُمْ بِذَلِكَ؟ . (*)

[مَنْ يَقُولُ تُجْرَى عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهَا]:

وَأَمَّا «الْقِسْمَانِ» اللَّذَانِ يَنْفِيَانِ ظَاهِرَهَا؛ أَعْنِي الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَيْسَ لَهَا فِي الْبَاطِنِ مَدْلُولٌ هُوَ صِفَةُ اللهِ تَعَالَى قَطُّ، وَأَنَّ اللهَ لَا صِفَةَ لَهُ ثُبُوتِيَّةٌ، بَلْ صِفَاتُهُ إِمَّا سَلْبِيَّةٌ وَإِمَّا إِضَافِيَّةٌ وَإِمَّا مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، أَوْ يُثْبِتُونَ بَعْضَ الصِّفَاتِ - السَّبْعَةَ، أَوِ الثَّمَانِيَةَ أَوِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ - أَوْ يُثْبِتُونَ الْأَحْوَالَ دُونَ الصِّفَاتِ.

كَمَا عُرِفَ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُتَكَلِّمِينَ. فَهَؤُلَاءِ قِسْمَانِ:

«قِسْمٌ» يَتَأَوَّلُونَهَا وَيُعَيِّنُونَ الْمُرَادَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى، أَوْ بِمَعْنَى عُلُوِّ الْمَكَانَةِ وَالْقَدْرِ، أَوْ بِمَعْنَى ظُهُورِ نُورِهِ لِلْعَرْشِ، أَوْ بِمَعْنَى انْتِهَاءِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الْمُتَكَلِّفِينَ.

وَ«قِسْمٌ» يَقُولُونَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ بِهَا، لَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِثْبَاتَ صِفَةٍ خَارِجَةٍ عَمَّا عَلِمْنَا.

وَأَمَّا «الْقِسْمَانِ» الْوَاقِفَانِ:

[مَنْ يُفَوِّضُ الْمَعْنَى وَلَا يَقُولُ ظَاهِرُهَا مُرَادٌ أَوْ غَيْرُ مُرَادٍ]:

«فَقِسْمٌ» يَقُولُونَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهَا الْأَلْيَقَ بِجَلَالِ اللهِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرَادُ صِفَةَ اللهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.

وَقَوْمٌ يُمْسِكُونَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ، وَلَا يَزِيدُونَ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ، مُعْرِضِينَ بِقُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ.

فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ السِّتَّةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ عَنْ قِسْمٍ مِنْهَا.

[الطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا]:

الصَّوَابُ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا، الْقَطْعُ بِالطَّرِيقَةِ الثَّابِتَةِ كَالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَتُعْلَمُ طَرِيقَةُ الصَّوَابِ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ، دَلَالَةً لَا تَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَفِي بَعْضِهَا قَدْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ مَعَ احْتِمَالِ النَّقِيضِ، وَتَرَدُّدُ الْمُؤْمِنِ فِي ذَلِكَ هُوَ بِحَسَبِ مَا يُؤْتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ.

[الْمَخْرَجُ لِمَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ]:

وَمَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ غَيْرُهُ فَلْيَدْعُ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: كَانَ يُكَبِّرُ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ.

فَإِذَا افْتَقَرَ الْعَبْدُ إِلَى اللهِ وَدَعَاهُ، وَأَدْمَنَ النَّظَرَ فِي كَلَامِ اللهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: انْفَتَحَ لَهُ طَرِيقُ الْهُدَى.

[سَبَبُ ضَلَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا الْبَابِ]:

ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ خَبَرَ نِهَايَاتِ إِقْدَامِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَرَفَ غَالِبَ مَا يَزْعُمُونَهُ بُرْهَانًا وَهُوَ شُبْهَةٌ، رَأَى أَنَّ غَالِبَ مَا يَعْتَمِدُونَهُ يَؤُولُ إِلَى دَعْوَى لَا حَقِيقَةَ لَهَا، أَوْ شُبْهَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ قِيَاسٍ فَاسِدٍ، أَوْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ لَا تَصْلُحُ إِلَّاجُزْئِيَّةً، أَوْ دَعْوَى إِجْمَاعٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، أَوِ التَّمَسُّكِ فِي الْمَذْهَبِ وَالدَّلِيلِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ.

ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ إِذَا رُكِّبَ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ طَوِيلَةٍ غَرِيبَةٍ عَمَّنْ لَمْ يَعْرِفِ اصْطِلَاحَهُمْ، أَوْهَمَتِ الْغِرَّ مَا يُوهِمُهُ السَّرَابُ لِلْعَطْشَانِ، ازْدَادَ إِيمَانًا وَعِلْمًا بِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنَّ الضِّدَّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِالْبَاطِلِ أَعْلَمَ كَانَ لِلْحَقِّ أَشَدَّ تَعْظِيمًا، وَبِقَدْرِهِ أَعْرَفَ.

[حَالُ الْمُتَوَسِّطِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ]:

فَأَمَّا الْمُتَوَسِّطُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَيُخَافُ عَلَيْهِ مَا لَا يُخَافُ عَلَى مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وَعَلَى مَنْ قَدْ أَنْهَاهُ نِهَايَتَهُ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هُوَ فِي عَافِيَةٍ، وَمَنْ أَنْهَاهُ فَقَدْ عَرَفَ الْغَايَةَ، فَمَا بَقِيَ يَخَافُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ عَطْشَانُ إِلَيْهِ قَبِلَهُ، وَأَمَّا الْمُتَوَسِّطُ فَمُتَوَهِّمٌ بِمَا تَلَقَّاهُ مِنَ الْمَقَالَاتِ الْمَأْخُوذَةِ تَقْلِيدًا لِمُعَظِّمِهِ وَتَهْوِيلًا.

وَقَدْ قَالَ النَّاسُ: أَكْثَرُ مَا يُفْسِدُ الدُّنْيَا: نِصْفُ مُتَكَلِّمٍ، وَنِصْفُ مُتَفَقِّهٍ، وَنِصْفُ مُتَطَبِّبٍ، وَنِصْفُ نَحْوِيٍّ، هَذَا يُفْسِدُ الْأَدْيَانَ، وَهَذَا يُفْسِدُ الْبُلْدَانَ، وَهَذَا يُفْسِدُ الْأَبْدَانَ، وَهَذَا يُفْسِدُ اللِّسَانَ.

[الْمُتَكَلِّمُونَ فِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ]:

وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ هُمْ فِي الْغَالِبِ فِي ﴿قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ • يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٨ـ٩] يَعْلَمُ الذَّكِيُّ مِنْهُمُ الْعَاقِلُ: أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ فِيمَا يَقُولُهُ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَأَنَّ حُجَّتَهُ لَيْسَتْ بَيِّنَةً، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قِيلَ فِيهَا:

حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا ... حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ

[النَّظَرُ إِلَى أَهْلِ الْكَلَامِ بِعَيْنِ الشَّرْعِ وَبِعَيْنِ الْقَدَرِ]:

وَيَعْلَمُ الْعَلِيمُ أَنَّهُمْ مِنْ وَجْهٍ مُسْتَحِقُّونَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: «حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَيُقَالَ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ» .

وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْقَدَرِ - وَالْحَيْرَةُ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلَيْهِمْ، وَالشَّيْطَانُ مُسْتَحْوِذٌ عَلَيْهِمْ - رَحِمْتَهُمْ وَرَفَقْتَ عَلَيْهِمْ، أُوتُوا ذَكَاءً وَمَا أُوتُوا زَكَاءً، وَأُعْطُوا فُهُومًا وَمَا أُعْطُوا عُلُومًا وَأُعْطُوا سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً ﴿فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] .

وَمَنْ كَانَ عَلِيمًا بِهَذِهِ الْأُمُورِ: تَبَيَّنَ لَهُ بِذَلِكَ حِذْقُ السَّلَفِ وَعِلْمُهُمْ وَخِبْرَتُهُمْ، حَيْثُ حَذَّرُوا [عَنِ الْكَلَامِ وَنَهَوْا عَنْهُ، وَذَمُّوا] أَهْلَهُ وَعَابُوهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ مَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَمْ يَزْدَدْ إِلَّا بُعْدًا.

فَنَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، آمِينَ.

* تَمَّتِ الْحَمَوِيَّةُ *