كتب مشكولة

فِتْنَةُ التَّكْفِيرِ

لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الْأَلْبَانِيِّ، مَعَ تَعْلِيقَاتِ الشَّيْخَيْنِ ابْنِ بَازٍ وَابْنِ عُثَيْمِينَ، يَلِيهَا فَتَاوَى حَوْلَ التَّكْفِيرِ وَالْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ

تحميل PDF المصدر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ٩٧ صفحة

الْمُقَدِّمَةُ

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»(١).

وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّمَا رَجُلٍ كَفَّرَ رَجُلًا فَأَحَدُهُمَا كَافِرٌ»(٢).

وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ ﷺ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: يَا كَافِرُ، فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قِيلَ لَهُ كَافِرًا فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِلَّا رَجَعَ إِلَيْهِ مَا قَالَ»(٣).

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِفُسُوقٍ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ»(٤).

(١) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٦١٠٣) وَ(٦١٠٤).

(٢)، (٣) أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ: (٢/ ٤٤، ٤٧، ٦٠، ١٠٥). قَالَ أَحْمَدُ شَاكِرٍ فِي تَحْقِيقِ الْمُسْنَدِ: (٢٠٣٥، ٥٠٧٧، ٥٢٥٩، ٥٨٢٤): إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.

(٤) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٦٠٤٥).

فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ تُحَذِّرُ مِنْ إِطْلَاقِ التَّكْفِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِ إِلَّا إِذَا وَقَعَ فِيمَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، لِأَنَّ مَنْ تَأَكَّدَ دُخُولُهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَفْسِيقُهُ أَوْ تَكْفِيرُهُ أَوْ لَعْنُهُ وَإِخْرَاجُهُ مِنَ الدِّينِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَلِلْقُضَاةِ، وَوُلَاةِ الْأُمُورِ؛ فَهُمُ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَلَى فُلَانٍ بِأَنَّهُ كَافِرٌ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَدِلَّةِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخَطِيرَةِ.

لَقَدِ انْتَشَرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ وَاللَّعْنِ وَالتَّفْسِيقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِدُونِ ضَوَابِطَ شَرْعِيَّةٍ وَبِدُونِ فِقْهٍ وَتَثَبُّتٍ، وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ أَمْرٌ خَطِيرٌ جِدًّا، فَلَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ فِي خَطَأٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّ ذَلِكَ، فَإِنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ؛ فَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَلَا يُقَالُ بِأَنَّهُ كَافِرٌ؛ بَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ عَاصٍ وَفَاسِقٌ، فَإِنْ قَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ أَوِ الزِّنَى أَوِ السَّرِقَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ حَلَالٌ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا اللهُ، وَاعْتَرَضَ عَلَى تَحْرِيمِ اللهِ لَهَا؛ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ يَكُونُ كَافِرًا كُفْرًا أَكْبَرَ.

وَلِخُطُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعِظَمِ شَأْنِهَا فَقَدْ تَصَدَّى لَهَا الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، بِبَيَانِ وَتَوْضِيحِ شُرُوطِهَا وَمَوَانِعِهَا، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَثِيرًا فِي دُرُوسِهِمْ وَمُحَاضَرَاتِهِمْ وَفَتَاوَاهُمْ، فَضِيلَةُ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ الْمُحَدِّثِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الْأَلْبَانِيِّ، فَقَدْ وُجِّهَ لِفَضِيلَتِهِ سُؤَالٌ حَوْلَ مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ فَأَجَابَ عَلَيْهَا جَوَابًا شَافِيًا كَافِيًا أَزَالَ عَنْهَا اللَّبْسَ وَالْغُمُوضَ وَأَوْضَحَ فِيهَا طَرِيقَ الصَّوَابِ، وَسَلَكَ فِيهَا سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ.

وَقَدْ نُشِرَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي بَعْضِ الْمَجَلَّاتِ وَالْجَرَائِدِ الْعَرَبِيَّةِ(١)، وَنَظَرًا لِأَهَمِّيَّةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَقَدْ قَامَ سَمَاحَةُ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ بِالتَّعْلِيقِ عَلَيْهَا مُؤَيِّدًا الْعَلَّامَةَ الْأَلْبَانِيَّ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.

كَمَا قَامَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُهِمَّةِ فِي أَحَدِ دُرُوسِهِ بِالْجَامِعِ الْكَبِيرِ فِي مَدِينَةِ عُنَيْزَةَ بِمِنْطَقَةِ الْقَصِيمِ.

وَلِأَهَمِّيَّةِ هَذَا الْمَوْضُوعِ، فَقَدْ قُمْتُ بِجَمْعِ وَتَرْتِيبِ كَلِمَةِ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ مُثْبِتًا عَلَيْهَا تَعْلِيقَاتِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ(٢)، ثُمَّ فِي خِتَامِ الْكَلِمَةِ أَضَفْتُ تَعْلِيقَ سَمَاحَةِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ بَازٍ(٣).

ثُمَّ أَضَفْتُ إِلَى ذَلِكَ مَسَائِلَ مُهِمَّةً تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْضُوعِ، وَمِنْ ذَلِكَ:

الْحُكْمُ بِالتَّكْفِيرِ وَتَكْفِيرُ الْحُكَّامِ/ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ.

التَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ وَالْمُعَيَّنُ وَشُرُوطُ التَّكْفِيرِ.

مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ.

(١) نُشِرَتْ كَلِمَةُ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ فِي الْمَجَلَّةِ السَّلَفِيَّةِ، الْعَدَدُ الْأَوَّلُ، ١٤١٥هـ. كَمَا نُشِرَتْ أَيْضًا فِي جَرِيدَةِ الْمُسْلِمُونَ الْعَدَدِ (٥٥٦)، بِتَارِيخِ ٥/ ٥/ ١٤١٦هـ الْمُوَافِقِ ٢٩/ ٩/ ١٩٩٥م.

(٢) تَعْلِيقُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ كَانَ مُسَجَّلًا عَلَى شَرِيطِ تَسْجِيلٍ وَقَدْ قُمْتُ بِنَسْخِهِ، وَأَثْبَتُّهُ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى كَلِمَةِ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ.

(٣) تَعْلِيقُ سَمَاحَةِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ بَازٍ نُشِرَ فِي مَجَلَّةِ الدَّعْوَةِ الْعَدَدِ (١٥١١)، بِتَارِيخِ ١١/ ٥/ ١٤١٦هـ الْمُوَافِقِ ٥/ ١٠/ ١٩٩٥م. كَمَا نُشِرَ أَيْضًا فِي جَرِيدَةِ الْمُسْلِمُونَ الْعَدَدِ (٥٥٧) وَتَارِيخِ ١٢/ ٥/ ١٤١٦هـ الْمُوَافِقِ ٦/ ١٠/ ١٩٩٥م.

الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، أَقْسَامُهُ وَأَحْكَامُهُ/ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ.

وَأَخِيرًا:

أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْعَمَلَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِنَا، وَأَنْ يَجْزِيَ عُلَمَاءَنَا وَمَشَايِخَنَا عَنَّا وَعَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَأَنْ يَنْصُرَ بِهِمْ هَذَا الدِّينَ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

كَتَبَهُ

أَبُو أَنَسٍ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَبُو لَوْزٍ

يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ٩/٢/١٤١٧هـ

الْمُوَافِقُ ٢٥/٦/١٩٩٦م

الرِّيَاضُ - حَيُّ الْخَالِدِيَّةِ

فِتْنَةُ التَّكْفِيرِ

لِلْعَلَّامَةِ مُحَدِّثِ الْعَصْرِ

مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الْأَلْبَانِيِّ

مَعَ تَعْلِيقَاتِ

سَمَاحَةِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بَازٍ

الْمُفْتِي الْعَامِّ لِلْمَمْلَكَةِ

وَفَضِيلَةِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ

عُضْوِ هَيْئَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ

وَتَأْيِيدِهِمَا لِلْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ

فِتْنَةُ التَّكْفِيرِ

لِلشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ الْمُحَدِّثِ

مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الْأَلْبَانِيِّ

هَذَا سُؤَالٌ مُوَجَّهٌ لِلشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ هَذَا نَصُّهُ (١) :

فَضِيلَةَ الشَّيْخِ : لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا احْتَوَتْهُ السَّاحَةُ الْأَفْغَانِيَّةُ ـ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ـ مِنَ الْجَمَاعَاتِ وَالْفِرَقِ الضَّالَّةِ الَّتِي كَثُرَتْ فِي ذَلِكَ الْحِينِ فِي صُفُوفِهَا، وَالَّتِي اسْتَطَاعَتْ ـ وَلِلْأَسَفِ ـ أَنْ تَبُثَّ أَفْكَارَهَا الْخَارِجَةَ عَنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي شَبَابِنَا السَّلَفِيِّ الَّذِي كَانَ يُجَاهِدُ فِي ( أَفْغَانِسْتَانَ ) ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَفْكَارِ تَكْفِيرُ الْحُكَّامِ ! ! وَإِحْيَاءُ السُّنَنِ الْمَهْجُورَةِ كَالِاغْتِيَالَاتِ ـ كَمَا يَدَّعُونَ ـ .

وَالْآنَ وَبَعْدَ رُجُوعِ الشَّبَابِ السَّلَفِيِّ إِلَى بِلَادِهِمْ بَعْدَ ( الْجِهَادِ ) ، قَامَ بَعْضُهُمْ بِبَثِّ هَذِهِ الْآرَاءِ وَالشُّبَهِ بَيْنَ الشَّبَابِ فِي مُجْتَمَعَاتِهِمْ ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَحَدِ الْإِخْوَانِ مُنَاقَشَةٌ طَوِيلَةٌ فِي مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ ، وَلِرَدَاءَةِ التَّسْجِيلِ لِهَذِهِ الْمُنَاقَشَةِ نَوَدُّ مِنْ فَضِيلَتِكُمُ الْبَيَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَجَزَاكُمُ اللهُ خَيْراً ؟

(١) سُجِّلَ هَذَا الْحِوَارُ عَلَى الشَّرِيطِ السَّبْعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ ، وَالَّذِي تَمَّ تَسْجِيلُهُ بِتَارِيخِ ١٢/ ٥/ ١٤١٣هـ ، الْمُوَافِقِ ٧/ ١١/ ١٩٩٣م . ثُمَّ فُرِّغَ عَلَى وَرَقٍ ، وَرَاجَعَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ مُحَمَّدُ عِيدٍ الْعَبَّاسِيُّ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى . وَهُوَ مَطْبُوعٌ ضِمْنَ كِتَابِ فَتَاوَى الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ وَمُقَارَنَتِهَا بِفَتَاوَى الْعُلَمَاءِ، إِعْدَادُ عُكَّاشَةَ عَبْدِ الْمَنَّانِ صَفْحَة : ٢٣٨ ـ ٢٥٣ ، وَقَدْ نَشَرَتْهُ الْمَجَلَّةُ السَّلَفِيَّةُ الْعَدَدُ الْأَوَّلُ ١٤١٥هـ . كَمَا نَشَرَتْهُ أَيْضاً جَرِيدَةُ الْمُسْلِمُونَ الْعَدَدُ (٥٥٦) وَتَارِيخِ ٥/ ٥/ ١٤١٦هـ الْمُوَافِقِ ٢٩/ ٩/ ١٩٩٥م .

وَنَظَراً لِأَهَمِّيَّةِ الْمَوْضُوعِ فَقَدْ عَلَّقَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ بِتَعْلِيقَاتٍ قَيِّمَةٍ عَلَى جَوَابِ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، وَقَدْ أَيَّدَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ الْعَلَّامَةَ الْأَلْبَانِيَّ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ وَمَسْأَلَةِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، فَجَزَا اللهُ الشَّيْخَيْنِ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَنَفَعَ بِعِلْمِهِمَا وَنَصَرَ بِهِمَا هَذَا الدِّينَ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .

فَأَجَابَ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى لِلصَّوَابِ قَائِلاً :

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .

أَمَّا بَعْدُ :

فَالْحَقِيقَةُ أَنَّ مَسْأَلَةَ التَّكْفِيرِ لَيْسَ فَقَطْ لِلْحُكَّامِ ؛ بَلْ وَلِلْمَحْكُومِينَ أَيْضاً ، هِيَ فِتْنَةٌ قَدِيمَةٌ تَبَنَّتْهَا فِرْقَةٌ مِنَ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْقَدِيمَةِ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ (بِالْخَوَارِجِ) .

وَالْخَوَارِجُ طَوَائِفُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفِرَقِ ، وَمِنْهَا فِرْقَةٌ لَا تَزَالُ مَوْجُودَةً الْآنَ بِاسْمٍ آخَرَ وَهُوَ : (الْإِبَاضِيَّةُ) .

وَهَؤُلَاءِ (الْإِبَاضِيَّةُ) كَانُوا إِلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ مُنْطَوِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ أَيُّ نَشَاطٍ دَعَوِيٍّ كَمَا يُقَالُ الْيَوْمَ ، وَلَكِنْ مُنْذُ بِضْعِ سِنِينَ بَدَأُوا يَنْشَطُونَ وَيَنْشُرُونَ بَعْضَ الرَّسَائِلِ وَبَعْضَ الْعَقَائِدِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ عَقَائِدِ الْخَوَارِجِ الْقُدَامَى ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَتَسَتَّرُونَ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الشِّيعَةِ ، أَلَا وَهِيَ التَّقِيَّةُ .

فَهُمْ يَقُولُونَ : نَحْنُ لَسْنَا بِالْخَوَارِجِ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جَمِيعاً أَنَّ الِاسْمَ لَا يُغَيِّرُ مِنْ حَقَائِقِ الْمُسَمَّيَاتِ إِطْلَاقاً ، وَهَؤُلَاءِ يَلْتَقُونَ فِي جُمْلَةِ مَا يَلْتَقُونَ مَعَ الْخَوَارِجِ فِي تَكْفِيرِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ ؛ فَالْآنَ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ الَّذِينَ يَلْتَقُونَ مَعَ دَعْوَةِ الْحَقِّ فِي اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ الْأَسَفِ الشَّدِيدِ يَقَعُونَ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ جَدِيدٍ وَبِاسْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .

وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ فِي فَهْمِي وَنَقْدِي :

أَحَدُهُمَا هُوَ : ضَحَالَةُ الْعِلْمِ وَقِلَّةُ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ .

وَالْأَمْرُ الْآخَرُ ـ وَهُوَ مُهِمٌّ جِدّاً ـ : أَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَقَّهُوا بِالْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَالَّتِي هِيَ أَسَاسُ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الصَّحِيحَةِ ، الَّتِي يُعْتَبَرُ كُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْهَا مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ عَنِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي أَثْنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ ؛ بَلْ وَالَّتِي ذَكَرَهَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْهَا يَكُونُ قَدْ شَاقَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ، أَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١) . فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لِأَمْرٍ وَاضِحٍ جِدّاً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ : ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ .... نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ ...﴾ وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ اتِّبَاعَ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ .

إِذاً فَاتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ عَدَمُ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرٌ هَامٌّ جِدّاً إِيجَاباً وَسَلْباً ، فَمَنِ اتَّبَعَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ : فَهُوَ النَّاجِي عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَمَنْ خَالَفَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .

مِنْ هُنَا ضَلَّتْ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ جِدّاً قَدِيماً وَحَدِيثاً ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا رَكِبُوا عُقُولَهُمْ ، بَلِ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ بَنَوْا عَلَى ذَلِكَ نَتَائِجَ خَطِيرَةً جِدّاً ، وَخَرَجُوا بِهَا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُنَا الصَّالِحُ .

(١) سُورَةُ النِّسَاءِ ، الْآيَةُ : ١١٥ .

وَهَذِهِ الْفِقْرَةُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَكَّدَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَأْكِيداً بَالِغاً فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ صَحِيحٍ ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أُشِيرُ إِلَيْهَا الْآنَ وَسَأَذْكُرُ بَعْضاً مِنْهَا مِمَّا تُسَاعِدُنِي عَلَيْهِ ذَاكِرَتِي لَيْسَتْ مَجْهُولَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَضْلاً عَنْ خَاصَّتِهِمْ ، لَكِنَّ الْمَجْهُولَ فِيهَا هُوَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ضَرُورَةِ الْتِزَامِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَهَذِهِ النُّقْطَةُ يَسْهُو عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ الْخَاصَّةِ ، فَضْلاً عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِجَمَاعَةِ (التَّكْفِيرِ) .

وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَكُونُونَ فِي قَرَارَةِ أَنْفُسِهِمْ صَالِحِينَ وَمُخْلِصِينَ ، وَلَكِنَّ هَذَا وَحْدَهُ غَيْرُ كَافٍ لِيَكُونَ صَاحِبُهُ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ النَّاجِينَ الْمُفْلِحِينَ .

إِذْ لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ :

● بَيْنَ الْإِخْلَاصِ فِي النِّيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .

● وَبَيْنَ حُسْنِ الِاتِّبَاعِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ .

فَلَا يَكْفِي إِذاً أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ مُخْلِصاً وَجَادّاً فِيمَا هُوَ فِي صَدَدِهِ مِنَ الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِمَا ؛ بَلْ لَا بُدَّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنْهَجُهُ مَنْهَجاً سَوِيّاً سَلِيماً .

* فَمِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمَعْرُوفَةِ ـ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا آنِفاً ـ حَدِيثُ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِينَ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً » قَالُوا : مَنْ هِيَ يَارَسُولَ اللهِ؟ قَالَ : « الْجَمَاعَةُ »(١) ، وَفِي رِوَايَةٍ : « مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي » (٢) .

فَنَجِدُ أَنَّ جَوَابَ النَّبِيِّ ﷺ يَلْتَقِي تَمَاماً مَعَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) .

فَأَوَّلُ مَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ : هُمْ أَصْحَابُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .

فَلَمْ يَكْتَفِ الرَّسُولُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : « مَا أَنَا عَلَيْهِ »، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ كَافِياً فِي الْوَاقِعِ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي يَفْهَمُ حَقّاً الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ؛ وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَتَحْقِيقٍ عَمَلِيٍّ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَقِّهِ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) . فَمِنْ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ أَوْضَحَ لَهُمْ أَنَّ عَلَامَةَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ : أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَعَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ .

(١) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِرَقْمِ (٣٩٩٢) . وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ : (١/ ٣٢). وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ : (١٨/ ٧٠)، وَاللَّالَكَائِيُّ فِي شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ : (١/ ١٠١). وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ (١/ ٤٧). كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ . . . الْحَدِيثَ . قَالَ الْأَلْبَانِيُّ فِي تَحْقِيقِ السُّنَّةِ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ : إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مَعْرُوفُونَ ، غَيْرَ عَبَّادِ بْنِ يُوسُفَ وَهُوَ ثِقَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ . وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ (٢٠٤) .

وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِرَقْمِ (٤٥٩٧) . وَأَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ (٤/ ١٠٢) . وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (١/ ١٢٨) . وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ (١/ ٧) وَغَيْرُهُمْ . مِنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَرَازِيُّ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ . . . الْحَدِيثَ . وَهَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ سِوَى أَزْهَرَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُوَ صَدُوقٌ .

(٢) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِرَقْمِ (٢٦٤١) . وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ( ١/ ٢١٨). وَاللَّالَكَائِيُّ فِي شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ : (١/ ٩٩). وَالْآجُرِّيُّ فِي الشَّرِيعَةِ : (٥/ ١٦) . وَالْمَرْوَزِيُّ فِي السُّنَّةِ : (١٨)، وَابْنُ وَضَّاحٍ فِي الْبِدَعِ وَالنَّهْيِ عَنْهَا : (٨٥) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَلِلْحَدِيثِ شَوَاهِدُ تَرْفَعُهُ لِمَرْتَبَةِ الْحَسَنِ . قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عِيدٍ الْعَبَّاسِيُّ حَفِظَهُ اللهُ : وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ضَعْفٌ وَلَكِنْ يَشْهَدُ لِمَعْنَاهَا نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ . (الْمَجَلَّةُ السَّلَفِيَّةُ الْعَدَدُ الْأَوَّلُ ١٤١٥هـ) . .

(٣) سُورَةُ النِّسَاءِ ، الْآيَةُ : ١١٥ .

فَإِذاً لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْوَسَائِلِ الَّتِي لَابُدَّ مِنْهَا ، مَثَلاً : مَعْرِفَةُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .

بَلْ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلِّ ذَلِكَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، لِأَنَّهُمْ ـ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ آثَارِهِمْ وَمِنْ سِيرَتِهِمْ ـ أَنَّهُمْ كَانُوا أَخْلَصَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْعِبَادَةِ ، وَأَفْقَهَ مِنَّا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِهَا .

* وَيُشْبِهُ هَذَا الْحَدِيثَ تَمَاماً حَدِيثُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، الَّذِي ذُكِرَ فِي السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، حَيْثُ قَالَ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، فَقُلْنَا : كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا يَا رَسُولَ اللهِ ! قَالَ : « أُوصِيكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَإِنْ وَلِيَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافاً كَثِيراً ، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ » (٢) .

وَالشَّاهِدُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، هُوَ الشَّاهِدُ مِنْ جَوَابِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ السُّؤَالِ السَّابِقِ ، حَيْثُ حَضَّ أُمَّتَهُ فِي أَشْخَاصِ أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِسُنَّتِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ بَلْ قَالَ : « وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي » .

(١) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، الْآيَةُ : ١٢٨ .

(٢) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِرَقْمِ (٤٦٠٧) . وَالتِّرْمِذِيُّ بِرَقْمِ (٢٦٧٦) . وَابْنُ مَاجَهْ بِرَقْمِ (٤٤) . وَالدَّارِمِيُّ : (١/ ٤٤، ٤٥). وَأَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ : (٤/ ١٢٦) . وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي الْإِرْوَاءِ (٢٥٢١) .

إِذاً لَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَنْ نُدَنْدِنَ دَائِماً وَأَبَداً ـ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَفْهَمَ عَقِيدَتَنَا ، وَأَنْ نَفْهَمَ عِبَادَتَنَا ، وَأَنْ نَفْهَمَ أَخْلَاقَنَا وَسُلُوكَنَا ـ ، لَا بُدَّ لَنَا أَنْ نَعُودَ إِلَى سَلَفِنَا الصَّالِحِ لِفَهْمِ كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ ، الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا لِلْمُسْلِمِ ، لِيَتَحَقَّقَ فِيهِ أَنَّهُ مِنَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ .

وَمِنْ هُنَا ضَلَّتْ طَوَائِفُ قَدِيمَةٌ وَحَدِيثَةٌ حِينَمَا لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الْآيَةِ السَّابِقَةِ ، وَإِلَى حَدِيثِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، فَكَانَ أَمْراً طَبِيعِيًّا جِدًّا أَنْ يَنْحَرِفُوا كَمَا انْحَرَفَ مَنْ سَبَقَهُمْ عَنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ قَدِيماً وَحَدِيثاً .

فَإِنَّ أَصْلَ التَّكْفِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، الْآيَةُ الَّتِي يُدَنْدِنُونَ حَوْلَهَا أَلَا وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (١)، وَنَعْلَمُ جَمِيعاً أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَدْ تَكَرَّرَتْ وَجَاءَتْ خَاتِمَتُهَا بِأَلْفَاظٍ ثَلَاثَةٍ : ﴿فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، ﴿فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(٢) ، ﴿فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾(٣) .

فَمِنْ جَهْلِ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ مِنْهَا : ﴿ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ : أَنَّهُمْ لَمْ يُلِمُّوا عَلَى الْأَقَلِّ بِبَعْضِ النُّصُوصِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ لَفْظَةِ الْكُفْرِ ، فَأَخَذُوهَا عَلَى أَنَّهَا تَعْنِي الْخُرُوجَ مِنَ الدِّينِ ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي الْكُفْرِ ، وَبَيْنَ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَصْحَابِ الْمِلَلِ الْأُخْرَى الْخَارِجَةِ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ .

بَيْنَمَا لَفْظَةُ الْكُفْرِ فِي لُغَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تَعْنِي هَذَا الَّذِي يُدَنْدِنُونَ حَوْلَهُ ، وَيُسَلِّطُونَ هَذَا الْفَهْمَ الْخَاطِىءَ عَلَى كَثِيرِينَ وَهُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ ، فَشَأْنُ لَفْظَةِ الْكُفْرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ شَأْنُ اللَّفْظَيْنِ الْآخَرَيْنِ ـ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ ـ ، فَكَمَا أَنَّ مَنْ وُصِفَ أَنَّهُ ظَالِمٌ أَوْ فَاسِقٌ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ عَنْ دِينِهِ فَكَذَلِكَ مَنْ وُصِفَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ .

(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٤ .

(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٥ .

(٣) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٧ .

وَهَذَا التَّنَوُّعُ فِي مَعْنَى اللَّفْظِ الْوَاحِدِ هُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ ثُمَّ الشَّرْعُ الَّذِي جَاءَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ؛ لُغَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ .

فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَصَدَّى لِإِصْدَارِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ؛ سَوَاءً كَانُوا حُكَّاماً أَوْ مَحْكُومِينَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ .

وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا يُمْكِنُ فَهْمُهُمَا ـ وَكَذَلِكَ مَا ضُمَّ إِلَيْهِمَا ـ إِلَّا بِطَرِيقِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَآدَابِهَا ، مَعْرِفَةً خَاصَّةً ، وَإِنْ كَانَ لَدَى طَالِبِ الْعِلْمِ نَقْصٌ فِي مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ ، فَإِنَّ مِمَّا يُسَاعِدُهُ فِي اسْتِدْرَاكِ ذَلِكَ الرُّجُوعَ إِلَى فَهْمِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، خَاصَّةً إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْخَيْرِيَّةِ .

نَعُودُ الْآنَ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١): فَمَا الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ فِيهَا ؟ هَلْ هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الْمِلَّةِ ؟ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟

هُنَا الدِّقَّةُ فِي فَهْمِ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَإِنَّهَا قَدْ تَعْنِي الْكُفْرَ الْعَمَلِيَّ وَهُوَ الْخُرُوجُ بِأَعْمَالِهِمْ عَنْ بَعْضِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ ، وَيُسَاعِدُنَا فِي هَذَا الْفَهْمِ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ، أَلَا وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ اعْتَرَفَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعاً ـ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ ـ عَلَى أَنَّهُ إِمَامٌ فِي التَّفْسِيرِ ، وَكَأَنَّهُ طَرَقَ سَمْعَهُ يَوْمَئِذٍ مَا نَسْمَعُهُ الْيَوْمَ تَمَاماً أَنَّ هُنَاكَ أُنَاساً يَفْهَمُونَ الْآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا دُونَ تَفْصِيلٍ ، فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : «لَيْسَ الْكُفْرَ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ ، إِنَّهُ لَيْسَ كُفْراً يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ » (١) .

(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٤ .

وَلَعَلَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْخَوَارِجَ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، ثُمَّ كَانَ مِنْ عَوَاقِبِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ سَفَكُوا دِمَاءَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَفَعَلُوا فِيهِمْ مَا لَمْ يَفْعَلُوا بِالْمُشْرِكِينَ . فَقَالَ : لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوا أَوْ كَمَا ظَنُّوا وَإِنَّمَا هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .

هَذَا الْجَوَابُ الْمُخْتَصَرُ الْوَاضِحُ مِنْ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ سِوَاهُ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي أَلْمَحْتُ إِلَيْهَا آنِفاً فِي مَطْلَعِ كَلِمَتِي هَذِهِ (٢) .

(١) قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عِيدٍ الْعَبَّاسِيُّ : رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (٢/ ٢١٢) . وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ ، وَنَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ ٢/ ٦١ عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ الْجُمْلَةَ الْأُولَى مِنْهُ ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ .

(٢) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى كَلِمَةِ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ :

الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ احْتَجَّ بِهَذَا الْأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ ، وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ مَا فِيهِ ، لَكِنَّهُمْ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ ، لِصِدْقِ حَقِيقَتِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : « سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»* . وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ قِتَالَهُ لَا يُخْرِجُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْمِلَّةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَا يُرْضِي هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ بِالتَّكْفِيرِ ، صَارُوا يَقُولُونَ : هَذَا الْأَثَرُ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَلَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَيُقَالُ لَهُمْ** : كَيْفَ لَا يَصِحُّ وَقَدْ تَلَقَّاهُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْكُمْ وَأَعْرَفُ بِالْحَدِيثِ ، وَتَقُولُونَ لَا نَقْبَلُ ؟!!

ثُمَّ هَبْ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُلْتُمْ : إِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَلَدَيْنَا نُصُوصٌ أُخْرَى تَدُلُّ =

* أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٤٨) . وَمُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٦٤) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

سُورَةُ الْحُجُرَاتِ ، الْآيَةُ : ١٠ . عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ قَدْ يُطْلَقُ وَلَا يُرَادُ بِهِ الْكُفْرُ الْمُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : « اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ** » * . وَهَذِهِ لَا تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ بِلَا إِشْكَالٍ .

إِنَّ كَلِمَةَ الْكُفْرِ ذُكِرَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُفَسَّرَ عَلَى أَنَّهَا تُسَاوِي الْخُرُوجَ مِنَ الْمِلَّةِ . وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً الْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : « سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ »(١) . فَالْكُفْرُ هُنَا هُوَ الْمَعْصِيَةُ ، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ ، لَكِنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ (٢) تَفَنَّنَ فِي التَّعْبِيرِ بِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ ، فَقَالَ : « سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ » .

وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى ، فَهَلْ يُمْكِنُ لَنَا أَنْ نُفَسِّرَ الْفِقْرَةَ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ـ «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ » ـ بِالْفِسْقِ الْمَذْكُورِ فِي اللَّفْظِ الثَّالِثِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (١) .

لَكِنْ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ ـ أَيِ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ ـ قِلَّةُ الْبِضَاعَةِ مِنَ الْعِلْمِ ، وَقِلَّةُ فَهْمِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَامَّةِ ، هِيَ الَّتِي تُوجِبُ هَذَا الضَّلَالَ . ثُمَّ شَيْءٌ آخَرُ نُضِيفُهُ إِلَى ذَلِكَ وَهُوَ : سُوءُ الْإِرَادَةِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ سُوءَ الْفَهْمِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ يُرِيدُ شَيْئاً ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَقِلَ فَهْمُهُ إِلَى مَا يُرِيدُ ، ثُمَّ يُحَرِّفَ النُّصُوصَ عَلَى ذَلِكَ ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : (اسْتَدِلَّ ثُمَّ اعْتَقِدْ )، لَا تَعْتَقِدْ ثُمَّ تَسْتَدِلَّ فَتَضِلَّ .

فَالْمُهِمُّ أَنَّ الْأَسْبَابَ ثَلَاثَةٌ :

١ ـ قِلَّةُ الْبِضَاعَةِ مِنَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ .

٢ ـ قِلَّةُ الْفِقْهِ فِي الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ .

٣ ـ سُوءُ الْفَهْمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى سُوءِ الْإِرَادَةِ .

(١) سَبَقَ تَخْرِيجُهُ صَفْحَةَ : ١٩ .

(٢) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ حَفِظَهُ اللهُ :

إِذَا قِيلَ : أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ يَعْنِي : الْعَرَبَ . يَقُولُونَ إِنَّ الضَّادَ لَا تُوجَدُ فِي أَيِّ لُغَةٍ أُخْرَى إِلَّا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ .

* أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٦٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

الْجَوَابُ : قَدْ يَكُونُ فِسْقاً أَيْضاً مُرَادِفاً لِلْكُفْرِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْفِسْقُ مُرَادِفاً لِلْكُفْرِ الَّذِي لَا يَعْنِي الْخُرُوجَ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَإِنَّمَا يَعْنِي مَا قَالَهُ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .

وَهَذَا الْحَدِيثُ (٢) يُؤَكِّدُ أَنَّ الْكُفْرَ قَدْ يَكُونُ بِهَذَا الْمَعْنَى ، لِمَاذَا ؟

لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الْآيَةَ الْمَعْرُوفَةَ : ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ (٣) .

إِذْ قَدْ ذَكَرَ هُنَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ الْفِرْقَةَ الْبَاغِيَةَ الَّتِي تُقَاتِلُ الْفِرْقَةَ الْمُحِقَّةَ الْمُؤْمِنَةَ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا حَكَمَ عَلَيْهَا بِالْكُفْرِ ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ يَقُولُ : « قِتَالُهُ كُفْرٌ » .

إِذاً فَقِتَالُهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ .

فَقِتَالُ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ بَغْيٌ وَاعْتِدَاءٌ ، وَفِسْقٌ وَكُفْرٌ ، وَلَكِنَّ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْكُفْرَ قَدْ يَكُونُ كُفْراً عَمَلِيًّا ، وَقَدْ يَكُونُ كُفْراً اعْتِقَادِيًّا ، مِنْ هُنَا جَاءَ هَذَا التَّفْصِيلُ الدَّقِيقُ الَّذِي تَوَلَّى بَيَانَهُ وَشَرْحَهُ الْإِمَامُ بِحَقٍّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ ، وَتَوَلَّى ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ تِلْمِيذُهُ الْبَارُّ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ ، حَيْثُ لَهُمَا الْفَضْلُ فِي الدَّنْدَنَةِ عَلَى تَقْسِيمِ الْكُفْرِ إِلَى ذَلِكَ التَّقْسِيمِ ، الَّذِي رَفَعَ رَايَتَهُ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الْجَامِعَةِ الْمُوجَزَةِ ، فَابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ وَتِلْمِيذُهُ وَصَاحِبُهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ يُدَنْدِنَانِ دَائِماً حَوْلَ ضَرُورَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْكُفْرِ الِاعْتِقَادِيِّ وَالْكُفْرِ الْعَمَلِيِّ ، وَإِلَّا وَقَعَ الْمُسْلِمُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي فِي فِتْنَةِ الْخُرُوجِ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْخَوَارِجُ قَدِيماً وَبَعْضُ أَذْنَابِهِمْ حَدِيثاً .

(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٧ .

(٢) أَيْ : الْحَدِيثُ السَّابِقُ ذِكْرُهُ وَهُوَ : « سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ » .

(٣) سُورَةُ الْحُجُرَاتِ ، الْآيَةُ : ٩ .

فَإِذاً قَوْلُهُ ﷺ « فَقِتَالُهُ كُفْرٌ » لَا يَعْنِي الْخُرُوجَ عَنِ الْمِلَّةِ .

وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، لَوْ جَمَعَهَا الْمُتَتَبِّعُ لَخَرَجَ مِنْهَا بِرِسَالَةٍ نَافِعَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، فِيهَا حُجَّةٌ دَامِغَةٌ عَلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقِفُونَ عِنْدَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ ، وَيَلْتَزِمُونَ بِتَفْسِيرِهَا بِالْكُفْرِ الِاعْتِقَادِيِّ .

فَحَسْبُنَا الْآنَ هَذَا الْحَدِيثُ ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ قِتَالَ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ هُوَ كُفْرٌ ، بِمَعْنَى الْكُفْرِ الْعَمَلِيِّ وَلَيْسَ الْكُفْرَ الِاعْتِقَادِيَّ .

فَإِذَا عُدْنَا إِلَى ( جَمَاعَةِ التَّكْفِيرِ )، وَإِطْلَاقِهِمُ الْكُفْرَ عَلَى الْحُكَّامِ ، وَعَلَى مَنْ يَعِيشُونَ تَحْتَ رَايَتِهِمْ بِالْأَوْلَى ، الَّذِينَ يَعِيشُونَ تَحْتَ إِمْرَتِهِمْ وَتَوْظِيفِهِمْ . فَوِجْهَةُ نَظَرِهِمْ هِيَ أَنَّ هَؤُلَاءِ ارْتَكَبُوا الْمَعَاصِيَ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ .

وَمِنْ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الَّتِي يُذَكِّرُنِي بِهَا السَّائِلُ آنِفاً ، أَنَّنِي سَمِعْتُ مِنْ بَعْضِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ ( جَمَاعَةِ التَّكْفِيرِ ) ثُمَّ هَدَاهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :

قُلْنَا لَهُمْ: هَا أَنْتُمْ كَفَّرْتُمْ بَعْضَ الْحُكَّامِ ، فَمَا بَالُكُمْ مَثَلاً تُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمَسَاجِدِ ، وَخُطَبَاءَ الْمَسَاجِدِ ، وَمُؤَذِّنِي الْمَسَاجِدِ ، وَخَدَمَةَ الْمَسَاجِدِ ؟ وَمَا بَالُكُمْ تُكَفِّرُونَ أَسَاتِذَةَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ فِي الْمَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ مَثَلاً ؟

قَالُوا : لِأَنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِحُكْمِ هَؤُلَاءِ الْحُكَّامِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ .

فَأَقُولُ : إِذَا كَانَ هَذَا الرِّضَى رِضًى قَلْبِيًّا بِالْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، فَحِينَئِذٍ إِذْ يَنْقَلِبُ الْكُفْرُ الْعَمَلِيُّ إِلَى كُفْرٍ اعْتِقَادِيٍّ . فَأَيُّ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ هُوَ الْحُكْمُ اللَّائِقُ بِتَبَنِّيهِ فِي هَذَا الْعَصْرِ ، وَأَنَّهُ لَا يَلِيقُ تَبَنِّيهِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمَنْصُوصِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا يَكُونُ كُفْرُهُ كُفْرًا اعْتِقَادِيًّا وَلَيْسَ كُفْرًا عَمَلِيًّا ، وَمَنْ رَضِيَ مِثْلَهُ أَيْضًا فَيَلْحَقُ بِهِ .

فَأَنْتُمْ أَوَّلًا لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْكُمُوا عَلَى كُلِّ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِالْقَوَانِينِ الْغَرْبِيَّةِ الْكَافِرَةِ أَوْ بِكَثِيرٍ مِنْهَا ، أَنَّهُ لَوْ سُئِلَ لَأَجَابَ : بِأَنَّ الْحُكْمَ بِهَذِهِ الْقَوَانِينِ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّالِحُ فِي هَذَا الْعَصْرِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ ، لَوْ سُئِلُوا : لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَقُولُوا : بِأَنَّهُمْ يُجِيبُونَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ الْيَوْمَ لَا يَلِيقُ ، وَإِلَّا لَصَارُوا كُفَّارًا دُونَ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ .

فَإِذَا نَزَلْنَا إِلَى الْمَحْكُومِينَ وَفِيهِمُ الْعُلَمَاءُ وَفِيهِمُ الصَّالِحُونَ . . . وَإِلَخْ ، فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ بِمُجَرَّدِ أَنْ تَرَوْهُمْ يَعِيشُونَ تَحْتَ حُكْمٍ يَشْمَلُهُمْ كَمَا يَشْمَلُكُمْ أَنْتُمْ تَمَامًا ؟ لَكِنَّكُمْ تُعْلِنُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُفَّارٌ بِمَعْنَى مُرْتَدِّينَ ، وَالْحُكْمُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ هُوَ الْوَاجِبُ ، وَأَنَّ مُخَالَفَةَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ عَلَى هَذَا الْعَامِلِ بِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ عَنْ دِينِهِ ! .

وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُنَاقَشَاتِ الَّتِي تُوَضِّحُ خَطَأَهُمْ وَضَلَالَهُمْ :

قُلْنَا لَهُمْ : مَتَى يُحْكَمُ عَلَى الْمُسْلِمِ الَّذِي يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، وَقَدْ يُصَلِّي كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا ، مَتَى يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ ؟

أَيَكْفِي مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ ؟ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعْلِنَ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ بِلِسَانِ مَقَالِهِ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ عَنِ الدِّينِ ؟ ! .

كَانُوا كَمَا يُقَالُ : لَا يُحِيرُونَ جَوَابًا ، فَأُضْطَرُّ إِلَى أَنْ أَضْرِبَ لَهُمُ الْمَثَلَ التَّالِيَ :

أَقُولُ : قَاضٍ يَحْكُمُ بِالشَّرْعِ ، هَكَذَا عَادَتُهُ وَنِظَامُهُ ، لَكِنَّهُ فِي حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ زَلَّتْ بِهِ الْقَدَمُ فَحَكَمَ بِخِلَافِ الشَّرْعِ ، أَيْ أَعْطَى الْحَقَّ لِلظَّالِمِ وَحَرَمَهُ الْمَظْلُومَ ، هَلْ هَذَا حُكْمٌ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ أَوْ لَا ؟

حُكْمٌ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، هَلْ تَقُولُونَ بِأَنَّهُ كُفْرٌ وَرِدَّةٌ ؟

قَالُوا : لَا .

قُلْنَا : لِمَ ؟

قَالُوا : لِأَنَّ هَذَا صَدَرَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً .

قُلْنَا : حَسَنٌ . صَدَرَ نَفْسُ الْحُكْمِ مَرَّةً ثَانِيَةً ، أَوْ حُكْمٌ آخَرُ لَكِنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ أَيْضًا فَهَلْ يَكْفُرُ ؟

أَخَذْتُ أُكَرِّرُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، مَتَى تَقُولُ : إِنَّهُ كَفَرَ ؟ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضَعَ حَدًّا بِتَعْدَادِ أَحْكَامِهِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الشَّرْعَ .

تَسْتَطِيعُ عَكْسَ ذَلِكَ تَمَامًا ، إِذَا عَلِمْتَ مِنْهُ أَنَّهُ فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ اسْتَحْسَنَ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَاسْتَقْبَحَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ ، أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ . وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ ، لَوْ رَأَيْتَ مِنْهُ عَشَرَاتِ الْحُكُومَاتِ ، فِي قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ خَالَفَ فِيهَا الشَّرْعَ ، وَإِذَا سَأَلْتَهُ لِمَاذَا حَكَمْتَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟

فَرَدَّ وَقَالَ : خِفْتُ وَخَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ، أَوِ ارْتَشَيْتُ مَثَلًا ، وَهَذَا أَسْوَأُ مِنَ الْأَوَّلِ بِكَثِيرٍ . . . إِلَخْ ، فَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ بِكُفْرِهِ ، حَتَّى يُعْرِبَ عَمَّا فِي قَلْبِهِ بِأَنَّهُ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَحِينَئِذٍ فَقَطْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ أَنَّهُ كَافِرٌ كُفْرَ رِدَّةٍ .

وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ الْآنَ : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أَنَّ الْكُفْرَ كَالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ ، يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ :

كُفْرٌ وَفِسْقٌ وَظُلْمٌ يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى الِاسْتِحْلَالِ الْقَلْبِيِّ ، وَخِلَافُ ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى الِاسْتِحْلَالِ الْعَمَلِيِّ .

فَكُلُّ الْعُصَاةِ وَبِخَاصَّةٍ مَا فَشَا فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنِ اسْتِحْلَالٍ عَمَلِيٍّ لِلرِّبَا وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا ، كُلُّ هَذَا كُفْرٌ عَمَلِيٌّ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نُكَفِّرَ الْعُصَاةَ لِمُجَرَّدِ ارْتِكَابِهِمْ مَعْصِيَةً وَاسْتِحْلَالِهِمْ إِيَّاهَا عَمَلِيًّا ، إِلَّا إِذَا بَدَا لَنَا مِنْهُمْ مَا يَكْشِفُ لَنَا عَمَّا فِي قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ عَقِيدَةً ؛ فَإِذَا عَرَفْنَا أَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ الْقَلْبِيَّةِ ، حَكَمْنَا حِينَئِذٍ أَنَّهُمْ كَفَرُوا كُفْرَ رِدَّةٍ .

أَمَّا إِذَا لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى الْحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ ؛ لِأَنَّنَا نَخْشَى أَنْ نَقَعَ فِي وَعِيدِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ : يَا كَافِرُ ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا »(١) .

وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا ، نُذَكِّرُ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ بِقِصَّةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ(٢) الَّذِي قَاتَلَ أَحَدَ الْمُشْرِكِينَ ، فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُ أَنَّهُ صَارَ تَحْتَ ضَرْبَةِ سَيْفِ الْمُسْلِمِ الصَّحَابِيِّ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، فَمَا بَالَاهَا الصَّحَابِيُّ فَقَتَلَهُ ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ ، فَاعْتَذَرَ الصَّحَابِيُّ بِأَنَّهُ مَا قَالَهَا إِلَّا خَوْفًا مِنَ الْقَتْلِ ، وَكَانَ جَوَابُهُ ﷺ : « هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ ؟ ! »(٣) .

إِذًا الْكُفْرُ الِاعْتِقَادِيُّ لَيْسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالْعَمَلِ ، لَهُ عَلَاقَةٌ بِالْقَلْبِ ، وَنَحْنُ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعْلَمَ مَا فِي قَلْبِ الْفَاسِقِ وَالْفَاجِرِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَالْمُرَابِي . . . إِلَخْ ، إِلَّا إِذَا عَبَّرَ عَمَّا فِي قَلْبِهِ بِلِسَانِهِ ، أَمَّا عَمَلُهُ فَيُنْبِئُ أَنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ مُخَالَفَةً عَمَلِيَّةً .

فَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّكَ خَالَفْتَ ، وَإِنَّكَ فَسَقْتَ وَفَجَرْتَ ، لَكِنْ لَا نَقُولُ : إِنَّكَ كَفَرْتَ وَارْتَدَدْتَ عَنْ دِينِكَ ، حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ يَكُونُ لَنَا عُذْرٌ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْحُكْمِ بِرِدَّتِهِ ، وَبِالتَّالِي يَأْتِي الْحُكْمُ الْمَعْرُوفُ فِي الْإِسْلَامِ أَلَا وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ »(١) .

(١) سَبَقَ تَخْرِيجُهُ صَفْحَةَ : ٥ .

(٢) وَهُوَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

(٣) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٤٢٦٩) . وَمُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٩٦) . مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ جُهَيْنَةَ يُقَالُ لَهُمْ : الْحُرُقَاتُ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَذَهَبْتُ أَطْعُنُهُ ، فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، فَطَعَنْتُهُ ، فَقَتَلْتُهُ ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : « قَتَلْتَهُ وَقَدْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ؟! » قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ! إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَعَوُّذًا ، قَالَ : « هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ » . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَقَالَ : « يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ؟ » قُلْتُ : كَانَ مُتَعَوِّذًا ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ » .

ثُمَّ كُنْتُ وَلَا أَزَالُ أَقُولُ - لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ تَكْفِيرِ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ - :

هَبُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ كُفَّارٌ كُفْرَ رِدَّةٍ ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ حَاكِمٌ أَعْلَى عَلَيْهِمْ وَاكْتَشَفَ مِنْهُمْ أَنَّ كُفْرَهُمْ كُفْرُ رِدَّةٍ ، لَوَجَبَ عَلَى ذَلِكَ الْحَاكِمِ أَنْ يُطَبِّقَ فِيهِمُ الْحَدَّ .

الْآنَ مَا تَسْتَفِيدُونَ أَنْتُمْ مِنَ النَّاحِيَةِ الْعَمَلِيَّةِ إِذَا سَلَّمْنَا جَدَلًا أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ الْحُكَّامِ هُمْ كُفَّارٌ كُفْرَ رِدَّةٍ ؟ ! مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ تَعْمَلُوا ؟

هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ احْتَلُّوا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، وَنَحْنُ هُنَا مَعَ الْأَسَفِ ابْتُلِينَا بِاحْتِلَالِ الْيَهُودِ لِفِلَسْطِينَ .

فَمَاذَا نَسْتَطِيعُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ أَنْ نَعْمَلَ مَعَ هَؤُلَاءِ حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْتُمْ مَعَ الْحُكَّامِ الَّذِينَ تَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ(٢)؟ !

(١) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٣٠١٧) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

(٢) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ حَفِظَهُ اللهُ :

هَذَا الْكَلَامُ جَيِّدٌ ، يَعْنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَلَى وُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ مَاذَا يَسْتَفِيدُونَ إِذَا حَكَمُوا بِكُفْرِهِمْ ؟ أَيَسْتَطِيعُونَ إِزَالَتَهُمْ؟ الْجَوَابُ : لَا يَسْتَطِيعُونَ . وَإِذَا كَانَ الْيَهُودُ قَدِ احْتَلُّوا فِلَسْطِينَ مِنْ عَامِ ١٩٤٨م ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَتِ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ كُلُّهَا عَرَبُهَا وَعَجَمُهَا أَنْ يُزِيحُوهَا عَنْ مَكَانِهَا ، فَكَيْفَ نَذْهَبُ وَنُسَلِّطُ أَلْسِنَتَنَا عَلَى وُلَاةٍ يَحْكُمُونَنَا ؟ وَنَعْلَمُ أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ إِزَالَتَهُمْ ، وَأَنَّهُ سَوْفَ تُرَاقُ دِمَاءٌ وَتُسْتَبَاحُ أَمْوَالٌ ، وَرُبَّمَا أَعْرَاضٌ أَيْضًا ، وَلَنْ نَصِلَ إِلَى نَتِيجَةٍ .

إِذًا مَا الْفَائِدَةُ؟ حَتَّى لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ يَعْتَقِدُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ أَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْحُكَّامِ مَنْ هُوَ كَافِرٌ كُفْرًا مُخْرِجًا عَنِ الْمِلَّةِ ، فَمَا الْفَائِدَةُ مِنْ إِعْلَانِهِ وَإِشَاعَتِهِ إِلَّا إِثَارَةُ الْفِتَنِ؟ كَلَامُ الشَّيْخِ هَذَا - أَيِ الْأَلْبَانِيِّ - جَيِّدٌ جِدًّا .

هَلَّا تَرَكْتُمْ هَذِهِ النَّاحِيَةَ جَانِبًا ، وَبَدَأْتُمْ بِتَأْسِيسِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي عَلَى أَسَاسِهَا تَقُومُ قَائِمَةُ الْحُكُومَةِ الْمُسْلِمَةِ ، وَذَلِكَ بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي رَبَّى أَصْحَابَهُ عَلَيْهَا ، وَنَشَّأَهُمْ عَلَى نِظَامِهَا وَأَسَاسِهَا .

وَذَلِكَ مَا نُعَبِّرُ عَنْهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ ، بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ مُسْلِمَةٍ تَعْمَلُ بِحَقٍّ لِإِعَادَةِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ ، لَيْسَ فَقَطْ عَلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ ، بَلْ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا ، تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾(١) . وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ سَتَتَحَقَّقُ فِيمَا بَعْدُ .

وَلَكِنَّا قَدْ نُخَالِفُهُ فِي مَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِمْ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدُوا حِلَّ ذَلِكَ ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ . لِأَنَّنَا نَقُولُ : مَنِ اعْتَقَدَ حِلَّ ذَلِكَ - حَتَّى لَوْ حَكَمَ بِحُكْمِ اللهِ ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِ اللهِ أَوْلَى - فَهُوَ كَافِرٌ كُفْرَ عَقِيدَةٍ .

لَكِنْ كَلَامُنَا عَلَى الْعَمَلِ ، وَفِي ظَنِّي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُطَبِّقَ قَانُونًا مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ يَحْكُمُ فِيهِ بِعِبَادِ اللهِ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَحِلُّهُ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ قَانُونِ الشَّرْعِ ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ . وَإِلَّا فَمَا الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَدْ يَكُونُ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ خَوْفٌ مِنْ أُنَاسٍ آخَرِينَ أَقْوَى مِنْهُ إِذَا لَمْ يُطَبِّقْهُ ، فَيَكُونُ هُنَا مُدَاهِنًا لَهُمْ ، فَحِينَئِذٍ نَقُولُ هَذَا كَافِرٌ ، كَالْمُدَاهِنِ فِي بَقِيَّةِ الْمَعَاصِي .

فَأَهَمُّ شَيْءٍ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ مَسْأَلَةُ التَّكْفِيرِ الَّذِي يُنْتِجُ الْعَمَلَ ، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُشْكِلُ .

نَعَمْ ، لَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ وَقُوَّةٌ يَسْتَطِيعُ بِهَا أَنْ يُصَفِّيَ كُلَّ حَاكِمٍ كَافِرٍ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، لَكَانَ هَذَا نُرَحِّبُ بِهِ ، وَنِعْمَ مَا يَكُونُ ، وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَلَيْسَتْ بِهَيِّنَةٍ !!

(١) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، الْآيَةُ : ٣٣ . وَسُورَةُ الصَّفِّ ، الْآيَةُ : ٩ .

فَلِكَيْ يَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ تَحْقِيقِ هَذَا النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ هَلْ يَكُونُ الطَّرِيقُ بِإِعْلَانِ ثَوْرَةٍ عَلَى هَؤُلَاءِ الْحُكَّامِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ كُفْرَهُمْ كُفْرُ رِدَّةٍ ؟ ثُمَّ مَعَ ظَنِّهِمْ هَذَا ـ وَهُوَ ظَنٌّ خَاطِئٌ ـ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا .

مَا هُوَ الْمَنْهَجُ ؟ مَا هُوَ الطَّرِيقُ ؟

لَا شَكَّ أَنَّ الطَّرِيقَ هُوَ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدَنْدِنُ حَوْلَهُ ، وَيُذَكِّرُ أَصْحَابَهُ بِهِ فِي كُلِّ خُطْبَةٍ : « وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ » (١) .

فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً ، وَبِخَاصَّةٍ مِنْهُمْ مَنْ يَهْتَمُّ بِإِعَادَةِ الْحُكْمِ الْإِسْلَامِيِّ ، أَنْ يَبْدَأَ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ مَا نُكَنِّي نَحْنُ عَنْهُ بِكَلِمَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ :

( التَّصْفِيَةُ ، وَالتَّرْبِيَةُ ) .

ذَلِكَ لِأَنَّنَا نَحْنُ نَعْلَمُ حَقِيقَةً يَغْفُلُ عَنْهَا أَوْ يَتَغَافَلُ عَنْهَا فِي الْأَصَحِّ أُولَئِكَ الْغُلَاةُ ، الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا إِعْلَانُ تَكْفِيرِ الْحُكَّامِ ، ثُمَّ لَا شَيْءَ .

وَسَيَظَلُّونَ يُعْلِنُونَ تَكْفِيرَ الْحُكَّامِ ، ثُمَّ لَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِلَّا الْفِتَنُ .

وَالْوَاقِعُ فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي تَعْلَمُونَهَا ، بَدْءًا مِنْ فِتْنَةِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ إِلَى فِتْنَةِ مِصْرَ وَقَتْلِ السَّادَاتِ ، وَذَهَابِ دِمَاءِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَبْرِيَاءِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ ، ثُمَّ أَخِيرًا فِي سُورِيَا ، ثُمَّ الْآنَ فِي مِصْرَ وَالْجَزَائِرِ مَعَ الْأَسَفِ . . . . إِلَى آخِرِهِ (١) .

(١) جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِرَقْمِ ( ٨٦٧ ) مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ . وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ خُطْبَةِ الْحَاجَةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْدَأُ بِهَا خُطْبَتَهُ . وَلِلْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ رِسَالَةٌ قَيِّمَةٌ فِي ذَلِكَ خَرَّجَ طُرُقَهَا وَتَحَدَّثَ عَنْ فِقْهِهَا .

كُلُّ هَذَا بِسَبَبِ أَنَّهُمْ خَالَفُوا نُصُوصًا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَهَمُّهَا : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢) .

إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُقِيمَ حُكْمَ اللهِ فِي الْأَرْضِ ، هَلْ نَبْدَأُ بِقِتَالِ الْحُكَّامِ وَنَحْنُ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُقَاتِلَهُمْ ؟ أَمْ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؟ .

لَا شَكَّ أَنَّ الْجَوَابَ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .

بِمَاذَا بَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟

تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَدَأَ الدَّعْوَةَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ الَّذِينَ كَانَ يَظُنُّ فِيهِمُ الِاسْتِعْدَادَ لِتَقَبُّلِ الْحَقِّ ، ثُمَّ اسْتَجَابَ لَهُ مَنِ اسْتَجَابَ ـ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ـ ، ثُمَّ التَّعْذِيبُ وَالشِّدَّةُ الَّتِي أَصَابَتِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَكَّةَ ، ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْهِجْرَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ إِلَى آخِرِ مَا هُنَالِكَ ، حَتَّى وَطَّدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْإِسْلَامَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ ، وَبَدَأَتْ هُنَاكَ الْمُنَاوَشَاتُ ، وَبَدَأَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ مِنْ جِهَةٍ ، ثُمَّ الْيَهُودِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهَكَذَا .

(١) قَالَ رَئِيسُ التَّحْرِيرِ : لَمْ نَرَ مِنْ نَتَائِجِ أَعْمَالِهِمُ الطَّائِشَةِ ، وَالَّتِي بَدَأَتْ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً ، إِلَّا الْفِتَنَ الْعَمْيَاءَ ، وَتَقَهْقُرَ الدَّعْوَةِ ، وَتَشْوِيهَ الْإِسْلَامِ ، وَالتَّضْيِيقَ عَلَى أَهْلِهِ ، عِلْمًا بِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَائِمَةٌ عَلَى أُسْلُوبِ الْعِصَابَاتِ الْكَافِرَةِ ، وَعَلَى قَوَاعِدِهَا ، وَقَدْ بَدَأَتْ فِي مِصْرَ ، وَتَكَرَّرَتْ فِي سُورِيَا وَالْجَزَائِرِ ، وَسَتَتَكَرَّرُ فِي كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، طَالَمَا الْمُسْتَفِيدُ مِنْهَا أَعْدَاءُ الْمِلَّةِ لِتَمْكِينِ سُبُلِ الْغَرْبِ فِي الْحُكْمِ وَنَزْعِ هَيْبَةِ الْإِسْلَامِ . فَلَا نَدْرِي كَيْفَ يُمْكِنُهُمْ نَصْرُ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ سَبِيلِهِ ؟ وَهُمُ اتَّخَذُوا طُرُقَ الِاغْتِيَالَاتِ وَالْمُظَاهَرَاتِ ، وَصِدَامَ الْأَنْظِمَةِ ، وَتَرَكُوا تَعْلِيمَ النَّاسِ وَالْخَيْرَ وَتَرْبِيَتَهُمْ عَلَى تَعَالِيمِ دِينِهِمْ . فَلَمْ يَتَعَدَّ دَوْرُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ آلَةَ صَيْدٍ ، لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا لِتَهْيِيجِ النَّاسِ ضِدَّ الْحُكَّامِ ، لِضَرْبِ الْمُسْلِمِينَ وَزَجِّ الْأَبْرِيَاءِ الْأَبْرَارِ فِي السُّجُونِ ، فَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . ( رَئِيسُ تَحْرِيرِ الْمَجَلَّةِ السَّلَفِيَّةِ ، مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ آلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) .

(٢) سُورَةُ الْأَحْزَابِ ، الْآيَةُ : ٢١ .

إِذًا لَا بُدَّ أَنْ نَبْدَأَ نَحْنُ بِتَعْلِيمِ النَّاسِ الْإِسْلَامَ ، كَمَا بَدَأَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، لَكِنْ نَحْنُ الْآنَ لَا نَقْتَصِرُ عَلَى التَّعْلِيمِ ، لِأَنَّهُ دَخَلَ الْإِسْلَامَ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَمَا لَا يَمُتُّ إِلَيْهِ بِصِلَةٍ ، بَلْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَا كَانَ سَبَبًا فِي تَهَدُّمِ الصَّرْحِ الْإِسْلَامِيِّ . فَلِذَلِكَ كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الدُّعَاةِ :

أَوَّلًا : أَنْ يَبْدَأُوا بِتَصْفِيَةِ هَذَا الْإِسْلَامِ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ (١) .

وَالشَّيْءُ الثَّانِي : أَنْ يَقْتَرِنَ مَعَ هَذِهِ التَّصْفِيَةِ تَرْبِيَةُ الشَّبَابِ الْمُسْلِمِ النَّاشِئِ عَلَى هَذَا الْإِسْلَامِ الْمُصَفَّى .

(١) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ حَفِظَهُ اللهُ :

الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ ـ أَيِ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ ـ أَنْ يُصَفَّى الْإِسْلَامُ أَوَّلًا ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ الْآنَ فِيهِ شَوَائِبُ ، شَوَائِبُ فِي الْعَقِيدَةِ ، شَوَائِبُ فِي الْأَخْلَاقِ ، شَوَائِبُ فِي الْمُعَامَلَاتِ ، شَوَائِبُ فِي الْعِبَادَاتِ ، كُلُّ الْأَرْبَعَةِ .

فِي الْعَقِيدَةِ : هَذَا أَشْعَرِيٌّ ، هَذَا مُعْتَزِلِيٌّ ، هَذَا كَذَا ، هَذَا كَذَا .

فِي الْعِبَادَاتِ : هَذَا صُوفِيٌّ ، هَذَا قَادِرِيٌّ ، هَذَا تِيجَانِيٌّ . . . . إِلَخْ .

فِي الْمُعَامَلَاتِ : هَذَا يُحَلِّلُ الرِّبَا الِاسْتِثْمَارِيَّ ، وَهَذَا يُحَرِّمُهُ ، وَهَذَا يُبِيحُ الْمَيْسِرَ ، وَهَذَا يُحَرِّمُهُ .

فَتَجِدُ أَنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ تَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى تَصْفِيَةٍ ، لَكِنْ مَنْ يُصَفِّيهَا ؟؟!! إِذَا كَانَ عُلَمَاؤُهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ يَتَنَازَعُونَ ، فَأَيْنَ التَّصْفِيَةُ ؟!!

وَلِذَلِكَ أَرَى أَنَّ التَّنَابُزَ بِالْأَلْقَابِ بَيْنَ الْفِئَاتِ الْمُتَعَلِّمَةِ ، الَّتِي تُرِيدُ الْخَيْرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، أَرَى أَنَّهُ مِمَّا يُشَتِّتُ الشَّمْلَ وَيُفَرِّقُ الْكَلِمَةَ ، وَلَا يَحْصُلُ الِاجْتِمَاعُ أَبَدًا . وَالْوَاجِبُ أَنَّ مَنْ أَخْطَأَ يُكَلَّمُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَيُبَيَّنُ لَهُ ، فَإِنِ اهْتَدَى فَهَذَا الْمَطْلُوبُ ، وَإِلَّا فَيُبَيَّنُ الْخَطَأُ ، وَلَا يُقَالُ إِنَّ فُلَانًا أَخْطَأَ وَهُوَ مُبْتَدِعٌ ، وَفُلَانًا أَخْطَأَ ، وَهُوَ ضَالٌّ ، وَلَكِنْ نُبَيِّنُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا ضَلَالٌ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ مَثَلًا .

وَنَحْنُ إِذَا دَرَسْنَا الْجَمَاعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةَ الْقَائِمَةَ الْآنَ ، مُنْذُ نَحْوِ قَرَابَةِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ ، لَوَجَدْنَا كَثِيرًا مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا شَيْئًا ، رَغْمَ صِيَاحِهِمْ وَرَغْمَ ضَجِيجِهِمْ بِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَهَا حُكُومَةً إِسْلَامِيَّةً ، وَسَفَكُوا دِمَاءَ أَبْرِيَاءَ كَثِيرَةً بِهَذِهِ الْحُجَّةِ ، دُونَ أَنْ يَسْتَفِيدُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا .

فَلَا نَزَالُ نَسْمَعُ مِنْهُمُ الْعَقَائِدَ الْمُخَالِفَةَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَالْأَعْمَالَ الْمُنَافِيَةَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .

وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ نَقُولُ : هُنَاكَ كَلِمَةٌ لِأَحَدِ الدُّعَاةِ (١) ، كُنْتُ أَتَمَنَّى مِنْ أَتْبَاعِهِ أَنْ يَلْتَزِمُوهَا وَأَنْ يُحَقِّقُوهَا ، وَهِيَ : أَقِيمُوا دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ فِي قُلُوبِكُمْ تَقُمْ لَكُمْ عَلَى أَرْضِكُمْ (٢) .

لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا صَحَّحَ عَقِيدَتَهُ بِنَاءً عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ سَتَصْلُحُ عِبَادَتُهُ وَسَتَصْلُحُ أَخْلَاقُهُ وَسُلُوكُهُ . . إِلَخْ .

لَكِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ ـ مَعَ الْأَسَفِ ـ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا هَؤُلَاءِ النَّاسُ ، فَظَلُّوا يَصِيحُونَ بِإِقَامَةِ الدَّوْلَةِ الْمُسْلِمَةِ دُونَ جَدْوَى ، وَصَدَقَ فِيهِمْ قَوْلُ ذَلِكَ الشَّاعِرِ :

تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا

إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ

لَعَلَّ فِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ كِفَايَةً ، جَوَابًا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ .

(١) وَهُوَ الْأُسْتَاذُ حَسَنٌ الْهُضَيْبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ .

(٢) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ : هَذِهِ الْكَلِمَةُ جَيِّدَةٌ ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ .

تَعْلِيقُ سَمَاحَةِ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ

عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ أَمَّا بَعْدُ (١) :

فَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى الْجَوَابِ الْمُفِيدِ الْقَيِّمِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ صَاحِبُ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ نَاصِرُ الدِّينِ الْأَلْبَانِيُّ وَفَّقَهُ اللهُ ، الْمَنْشُورِ فِي صَحِيفَةِ «الْمُسْلِمُونَ» ، الَّذِي أَجَابَ بِهِ فَضِيلَتُهُ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ : «تَكْفِيرِ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ» .

فَأَلْفَيْتُهَا كَلِمَةً قَيِّمَةً أَصَابَ فِيهَا الْحَقَّ ، وَسَلَكَ فِيهَا سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَوْضَحَ وَفَّقَهُ اللهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُكَفِّرَ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ مِنْ دُونِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ، وَاحْتَجَّ بِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ .

وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي جَوَابِهِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) ، وَ ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) ، وَ : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) هُوَ الصَّوَابُ ، وَقَدْ أَوْضَحَ وَفَّقَهُ اللهُ أَنَّ الْكُفْرَ كُفْرَانِ : أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ ، كَمَا أَنَّ الظُّلْمَ ظُلْمَانِ ، وَهَكَذَا الْفِسْقُ فِسْقَانِ : أَكْبَرُ أَصْغَرُ .

(١) هَذَا تَعْلِيقٌ لِسَمَاحَةِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ عَلَى كَلِمَةِ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ السَّابِقَةِ ، وَقَدْ أَيَّدَهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ وَمَسْأَلَةِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَالتَّفْصِيلِ فِيهَا . وَقَدْ نُشِرَ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي مَجَلَّةِ الدَّعْوَةِ الْعَدَدِ ( ١٥١١ ) بِتَارِيخِ ١١/ ٥/ ١٤١٦هـ الْمُوَافِقِ ٥/ ١٠/ ١٩٩٥م . كَمَا نَشَرَتْهُ أَيْضًا جَرِيدَةُ الْمُسْلِمُونَ ، الْعَدَدُ ( ٥٥٧ ) وَتَارِيخِ ١٢/ ٥/ ١٤١٦هـ ، الْمُوَافِقِ ٦/ ١٠/ ١٩٩٥م .

(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٤ .

فَمَنِ اسْتَحَلَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، أَوِ الزِّنَى ، أَوِ الرِّبَا ، أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا فَقَدْ كَفَرَ كُفْرًا أَكْبَرَ ، وَظَلَمَ ظُلْمًا أَكْبَرَ ، وَفَسَقَ فِسْقًا أَكْبَرَ . وَمَنْ فَعَلَهَا بِدُونِ اسْتِحْلَالٍ كَانَ كُفْرُهُ كُفْرًا أَصْغَرَ ، وَظُلْمُهُ ظُلْمًا أَصْغَرَ ، وَهَكَذَا فِسْقُهُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : « سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ » (٣) أَرَادَ بِهَذَا ﷺ الْفِسْقَ الْأَصْغَرَ ، وَالْكُفْرَ الْأَصْغَرَ ، وَأَطْلَقَ الْعِبَارَةَ تَنْفِيرًا مِنْ هَذَا الْعَمَلِ الْمُنْكَرِ .

وَهَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ : « اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ » أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (٤) . وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (٥) . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ .

(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٥ .

(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٧ .

(٣) سَبَقَ تَخْرِيجُهُ ، صَفْحَةُ : ١٩ .

(٤) سَبَقَ تَخْرِيجُهُ ، صَفْحَةُ : ٢٠ .

(٥) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٧٠٨٠) . وَمُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٦٥) مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٧٠٧٧) وَمُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٦٦) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٧٠٧٨) مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٧٠٧٩) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا .

فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَلَا سِيَّمَا أَهْلِ الْعِلْمِ التَّثَبُّتُ فِي الْأُمُورِ ، وَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى ضَوْءِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَطَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ ، وَالْحَذَرُ مِنَ السَّبِيلِ الْوَخِيمِ الَّذِي سَلَكَهُ الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ لِإِطْلَاقِ الْأَحْكَامِ وَعَدَمِ التَّفْصِيلِ .

وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَعْتَنُوا بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِالتَّفْصِيلِ ، وَإِيضَاحِ الْإِسْلَامِ لِلنَّاسِ بِأَدِلَّتِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ ، وَالتَّوَاصِي وَالنُّصْحِ فِي ذَلِكَ مَعَ التَّرْهِيبِ مِنْ كُلِّ مَا يُخَالِفُ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ .

وَبِذَلِكَ يَكُونُونَ قَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَسْلَكَ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَصَحَابَتِهِ الْمَرْضِيِّينَ فِي إِيضَاحِ سَبِيلِ الْحَقِّ، وَالْإِرْشَادِ إِلَيْهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِمَّا يُخَالِفُهُ عَمَلاً بِقَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (١) . وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (٢) . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) .

وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : « مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ » (٤) . وَقَوْلِهِ ﷺ : « مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً » أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (١) . وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَي الْيَهُودِ فِي خَيْبَرَ : « ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ ، فَوَاللهِ لَئِنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ » مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ (٢) .

(١) سُورَةُ فُصِّلَتْ ، الْآيَةُ : ٣٣ .

(٢) سُورَةُ يُوسُفَ ، الْآيَةُ : ١٠٨ .

(٣) سُورَةُ النَّحْلِ، الْآيَةُ : ١٢٥ .

(٤) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِرَقْمِ (١٨٩٣) . مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

وَقَدْ مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يَدْعُو النَّاسَ الِي تَوْحِيدِ اللهِ ، وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ بِالنُّصْحِ وَالْحِكْمَةِ وَالصَّبْرِ وَالْأُسْلُوبِ الْحَسَنِ، حَتَّى هَدَى اللهُ عَلَى يَدَيْهِ وَعَلَى يَدِ أَصْحَابِهِ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَاسْتَمَرَّ فِي دَعْوَتِهِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ، بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَالصَّبْرِ وَالْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، حَتَّى شَرَعَ اللهُ لَهُ الْجِهَادَ بِالسَّيْفِ لِلْكُفَّارِ ، فَقَامَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَكْمَلَ قِيَامٍ، فَأَيَّدَهُمُ اللهُ وَنَصَرَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمُ الْعَاقِبَةَ الْحَمِيدَةَ .

وَهَكَذَا يَكُونُ النَّصْرُ وَحُسْنُ الْعَاقِبَةِ لِمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَاللهُ الْمَسْؤُولُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَسَائِرَ إِخْوَانِنَا فِي اللهِ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا وَجَمِيعَ إِخْوَانِنَا الدُّعَاةِ إِلَى اللهِ الْبَصِيرَةَ النَّافِذَةَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ ، وَالصَّبْرَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى نَلْقَاهُ سُبْحَانَهُ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .

(١) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٢٦٧٤) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

(٢) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٢٩٤٢) . وَمُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٢٤٠٦) مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

تَعْلِيقٌ مُجْمَلٌ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ

مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ

وَبَعْدَ أَنْ قَرَأْنَا (١) كَلِمَةَ الشَّيْخَيْنِ ـ أَيِ الْأَلْبَانِيِّ وَابْنِ بَازٍ ـ فَقَدْ فَهِمْنَا مِنْ كَلَامِهِمَا أَنَّ الْكُفْرَ لِمَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَمُخَالَفَةٌ فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِلَّهُ ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ خَوْفاً أَوْ عَجْزاً، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ (٢) مُنَزَّلَةً عَلَى أَحْوَالٍ ثَلَاثٍ :

١ ـ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ مُسْتَبْدِلاً بِهِ دِينَ اللهِ ، فَهَذَا كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مُشَرِّعاً مَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ .

٢ ـ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ لِهَوًى فِي نَفْسِهِ ، أَوْ خَوْفاً عَلَيْهَا ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَكْفُرُ ، لَكِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى الْفِسْقِ .

٣ ـ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عُدْوَاناً وَظُلْماً ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى بِوَضْعِ الْقَوَانِينِ ، لَكِنْ يَتَأَتَّى فِي حُكْمٍ خَاصٍّ ، فَحَكَمَ عَلَى إِنْسَانٍ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ لِيَنْتَقِمَ مِنْهُ ، فَهَذَا يُقَالُ إِنَّهُ : ظَالِمٌ .

(١) بَعْدَ أَنْ قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ جَوَابُ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ السَّابِقُ فِي مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ وَالْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَالتَّعْلِيقُ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ . فَقَدْ قُرِئَ عَلَيْهِ أَيْضاً تَعْلِيقُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ بَازٍ عَلَى الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ السَّابِقُ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَّقَ حَفِظَهُ اللهُ بِتَعْلِيقٍ مُجْمَلٍ نَافِعٍ عَلَى الْكَلِمَتَيْنِ خُلَاصَةً لِمَا سَبَقَ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ .

(٢) أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَاتُ : ٤٤ ، ٤٥ ، ٤٧ ] .

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا أَوْصَافٌ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ كُلَّ كَافِرٍ ظَالِمٌ ، وَكُلَّ كَافِرٍ فَاسِقٌ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ (٢) . وَهَذَا الْفِسْقُ الْأَكْبَرُ .

وَمَهْمَا كَانَ الْأَمْرُ ، فَكَمَا أَشَارَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ وَفَّقَهُ اللهُ ، وَرَحِمَهُ أَيْضاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْظُرُ مَاذَا تَكُونُ النَّتِيجَةُ ؟ لَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ نَظَرِيَّةً، لَكِنَّ الْمُهِمَّ التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ مَا هِيَ النَّتِيجَةُ ؟

(١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ ، الْآيَةُ : ٢٥٤ .

(٢) سُورَةُ السَّجْدَةِ ، الْآيَةُ : ٢٠ .

ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ

وَشُرُوطُهُ

● الْحُكْمُ بِالتَّكْفِيرِ / الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ .

● تَكْفِيرُ الْحُكَّامِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ/ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عثمين .

● التَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ وَالْمُعَيَّنُ وَشُرُوطُ التَّكْفِيرِ .

● مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ.

الْحُكْمُ بِالتَّكْفِيرِ

سُئِلَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ :

● ظَهَرَ فِي الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ التَّسَاهُلُ فِي أَمْرٍ خَطِيرٍ، وَهُوَ التَّكْفِيرُ . فَمَا نَصِيحَتُكُمْ فِي ذَلِكَ ؟ (١) .

مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّكْفِيرِ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْئَيْنِ مُهِمَّيْنِ :

الْأَوَّلُ : دَلَالَةُ النَّصِّ عَلَى أَنَّ هَذَا كُفْرٌ ، وَكُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ ؛ لِأَنَّ فِي النُّصُوصِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ مُخْرِجٍ عَنِ الْمِلَّةِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ كُفْرٌ ، أَوْ هَذَا التَّرْكَ كُفْرٌ كُفْراً مُخْرِجاً عَنِ الْمِلَّةِ .

الثَّانِي : تَطْبِيقُ هَذَا النَّصِّ عَلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْلُ الَّذِي دَلَّ النَّصُّ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ فَعَلَ الْمُكَفِّرَ يَكُونُ كَافِراً ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ .

أَمَّا الْكِتَابُ :

فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) .

(١) نُشِرَ هَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ فِي جَرِيدَةِ الْمُسْلِمُونَ الْعَدَدِ (٥٩٣) بِتَارِيخِ ٢٨/ ١/ ١٤١٧هـ الْمُوَافِقِ ١٤/ ٦/ ١٩٩٦م .

(٢) سُورَةُ النَّحْلِ ، الْآيَةُ : ١٠٦ .

فَإِذَا أُكْرِهَ الْإِنْسَانُ عَلَى الْكُفْرِ قَوْلاً كَانَ أَوْ فِعْلاً فَفَعَلَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ ، مَعَ أَنَّ الْفِعْلَ كُفْرٌ .

مِثَالُ ذَلِكَ : إِنْسَانٌ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ لِصَنَمٍ فَسَجَدَ ، فَالسُّجُودُ لِلصَّنَمِ كُفْرٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، لَكِنَّهُ مُكْرَهٌ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ، يُؤْمِنُ بِأَنَّ هَذَا الصَّنَمَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ، وَأَنَّ السُّجُودَ لَهُ كُفْرٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .

وَإِنْسَانٌ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَقُولَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ ، فَيَقُولُ : أَنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، أَيَكْفُرُ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ؟ الْجَوَابُ : لَا يَكْفُرُ .

وَأَمَّا السُّنَّةُ :

فَقَدْ تَحَدَّثَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَحِ اللهِ تَعَالَى بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللهَ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ نَاقَتَهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا وَاضْطَجَعَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِنَاقَتِهِ قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ (١) ، وَهَلْ هُوَ كَافِرٌ ؟ الْجَوَابُ : لَا .

كَذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ مُسْرِفاً عَلَى نَفْسِهِ وَخَافَ مِنْ عُقُوبَةِ اللهِ قَالَ لِأَهْلِهِ : إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي وَاسْحَقُونِي وَذَرُّونِي فِي الْيَمِّ ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَعَذَّبَنِي عَذَاباً لَا يُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ ، فَفَعَلُوا ـ فَجَمَعَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ـ ثُمَّ سَأَلَهُ ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفاً مِنَ اللهِ ـ ظَنَّ أَنَّ اللهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ (٢) ، مَعَ أَنَّ الشَّكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ كُفْرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَصِفَ اللهَ بِالْعَجْزِ ، وَلَكِنْ خَوْفاً مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَظَنَّ أَنَّ هَذَا الْفِرَارَ مِنَ اللهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْجُوَ بِهِ مِنْ عِقَابِهِ .

(١) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٢٧٤٧) . مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

إِذاً يَا إِخْوَانِي لَا بُدَّ مِنْ أَمْرَيْنِ هَامَّيْنِ فِي التَّكْفِيرِ :

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ : دَلَالَةُ النُّصُوصِ عَلَى أَنَّ هَذَا كُفْرٌ وَكُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ .

الثَّانِي : انْطِبَاقُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ هُنَاكَ مَوَانِعُ تَمْنَعُ مِنَ التَّكْفِيرِ ؛ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ أَوِ الْفِعْلُ كُفْراً ، وَالْمَوَانِعُ مَعْرُوفَةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .

فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الشَّرْطَانِ ، فَمَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ صَارَ هُوَ الْكَافِرَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ ، أَوْ قَالَ يَا عَدُوَّ اللهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَيْهِ فَيَكُونُ هُوَ الْكَافِرَ ، وَهُوَ عَدُوُّ اللهِ (١) .

فَإِذَا قَالَ إِنْسَانٌ : كَيْفَ يَكُونُ هُوَ كَافِرٌ ، وَهُوَ إِنَّمَا كَفَّرَ هَذَا الرَّجُلَ غَيْرَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟

قُلْنَا : إِنَّهُ كَفَرَ ؛ حَيْثُ اتَّخَذَ نَفْسَهُ مُشَرِّعاً مَعَ اللهِ ، وَحَكَمَ عَلَى هَذَا بِالْكُفْرِ ، وَاللهُ تَعَالَى لَمْ يُكَفِّرْهُ ، فَجَعَلَ نَفْسَهُ نِدّاً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّكْفِيرِ ، هَذَا مِنْ جِهَةٍ ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى : قَدْ يُطْبَعُ عَلَى قَلْبِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ ، وَتَكُونُ نِهَايَتُهُ أَنْ يَكْفُرَ بِاللهِ كُفْراً صَرِيحاً وَاضِحاً ، فَالْمَسْأَلَةُ خَطِيرَةٌ جِدّاً .

(١) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٦٤٨٠) . وَمُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٢٧٥٦) . مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

(٢) انْظُرْ بَعْضَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الْكِتَابِ .

فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُكَفِّرَ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ اللهُ وَرَسُولُهُ .

كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُحَرِّمَ شَيْئاً لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ وَرَسُولُهُ .

وَلَا أَنْ نُبِيحَ شَيْئاً لَمْ يُبِحْهُ اللهُ وَرَسُولُهُ .

وَلَا نُوجِبَ شَيْئاً لَمْ يُوجِبْهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.

تَكْفِيرُ الْحُكَّامِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ

ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ يَكُونُ أَشَدَّ خَطَراً إِذَا نُسِبَ التَّكْفِيرُ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَوُلَاةُ الْأُمُورِ هُمُ الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (١) ، وَأُولُو الْأَمْرِ كَمَا قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ هُمْ : الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ يَتَوَلَّوْنَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ فِي بَيَانِ الشَّرِيعَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا ، وَالْأُمَرَاءُ يَتَوَلَّوْنَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَنْفِيذِ الشَّرِيعَةِ وَإِلْزَامِ النَّاسِ بِهَا .

فَإِذَا وَقَعَ التَّكْفِيرُ لِهَؤُلَاءِ فَلَيْسَ جِنَايَةً عَلَيْهِمْ لِأَشْخَاصِهِمْ ، إِذْ هَذَا لَا يَضُرُّ بِأَشْخَاصِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنْفُسَهُمْ وَلَا يَهُمُّهُمُ الْقَوْلُ ، وَقَدْ قِيلَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ، قِيلَ لِلْأَنْبِيَاءِ ـ مَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ـ : ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (٢) .

وَتَكْفِيرُ وُلَاةِ الْأُمُورِ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ :

مَفْسَدَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَمَفْسَدَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ .

أَمَّا الْمَفْسَدَةُ الشَّرْعِيَّةُ : فَهِيَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الْكُفْرُ لَنْ يَنْتَفِعَ النَّاسُ بِعِلْمِهِمْ ، وَعَلَى الْأَقَلِّ أَنْ يَحْصُلَ التَّشْكِيكُ أَوِ الشَّكُّ فِي أُمُورِهِمْ ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَفَّرَ الْعُلَمَاءَ يَكُونُ هَادِماً لِلشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ تُتَلَقَّى مِنَ الْعُلَمَاءِ ؛ وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَماً وَلَا دِينَاراً ، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ مِنْ مِيرَاثِهِمْ (١) .

(١) سُورَةُ النِّسَاءِ ، الْآيَةُ : ٥٩ .

(٢) سُورَةُ الذَّارِيَاتِ ، الْآيَةُ : ٥٢ .

أَمَّا تَكْفِيرُ الْأُمَرَاءِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً اجْتِمَاعِيَّةً عَظِيمَةً : وَهِيَ الْفَوْضَى وَالْحُرُوبُ الْأَهْلِيَّةُ ، الَّتِي لَا يَعْلَمُ مَدَى نِهَايَتِهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلِذَلِكَ فَيَجِبُ الْحَذَرُ مِنْ مِثْلِ هَذَا ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ أَحَداً يُطْلِقُ هَذَا الْقَوْلَ أَنْ يَنْصَحَهُ وَيُخَوِّفَهُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيَقُولَ لَهُ : إِذَا كُنْتَ تَرَى أَنَّ شَيْئاً مِنَ الْأَفْعَالِ كُفْرٌ مِنْ عَالِمٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَّصِلَ بِهِ وَأَنْ تُنَاقِشَهُ فِي الْمَوْضُوعِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْأَمْرُ (٢) .

(١) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِرَقْمِ (٣٦٤١) . وَالتِّرْمِذِيُّ بِرَقْمِ (٢٦٨٢) . وَابْنُ مَاجَهْ بِرَقْمِ (٢٢٣) . مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

(٢) جُزْءٌ مِنْ جَوَابٍ عَلَى سُؤَالٍ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثَيْمِينَ نُشِرَ فِي جَرِيدَةِ الْمُسْلِمُونَ ، الْعَدَدِ (٥٩٣) وَتَارِيخِ ٢٨/ ١/ ١٤١٧هـ الْمُوَافِقِ ١٤/ ٦/ ١٩٩٦م .

التَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ وَالْمُعَيَّنُ

وَشُرُوطُ التَّكْفِيرِ

إِنَّ مَسْأَلَةَ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ ، فَإِنَّكَ تَجِدُ أَحَدَهُمْ يَقُولُ عَنْ فُلَانٍ أَنَّهُ كَافِرٌ أَوْ فَاجِرٌ أَوْ مَلْعُونٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، بِدُونِ ضَوَابِطَ وَبِدُونِ تَثَبُّتٍ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ بَيَّنَّا خُطُورَةَ تَكْفِيرِ أَوْ لَعْنِ الْمُسْلِمِ وَإِطْلَاقِ الْكُفْرِ أَوِ اللَّعْنِ عَلَيْهِ بِدُونِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ يُوجِبُ كُفْرَهُ .

وَمَعَ خُطُورَةِ الْمَسْأَلَةِ وَعِظَمِ شَأْنِهَا نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَ فَنَقُولُ :

هَلْ يَجُوزُ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِ الْمُعَيَّنِ ؟ وَهَلْ لِذَلِكَ ضَوَابِطُ وَشُرُوطٌ أَمْ لَا ؟

يَقُولُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (١) :

نَعَمْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُطْلِقَ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ ، إِذَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ أَسْبَابُ الْكُفْرِ ، فَلَوْ رَأَيْنَا رَجُلاً يُنْكِرُ الرِّسَالَةَ ، أَوْ رَجُلاً يُبِيحُ التَّحَاكُمَ إِلَى الطَّاغُوتِ ، أَوْ رَجُلاً يُبِيحُ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَيَقُولُ : إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ حُكْمِ اللهِ ، بَعْدَ أَنْ تَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّنَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ .

فَإِذَا وُجِدَتْ أَسْبَابُ الْكُفْرِ وَتَحَقَّقَتْ شُرُوطُهُ ، وَانْتَفَتِ الْمَوَانِعُ ، فَإِنَّنَا نُكَفِّرُ الشَّخْصَ بِعَيْنِهِ ، وَنُلْزِمُهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْقَتْلِ . أ. هـ .

(١) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ : ١/ ١٢٤ ، ١٢٥ .

وَيَقُولُ فَضِيلَتُهُ أَيْضاً (١) :

« إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ فِي حَقِّهِ جَازَ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ ، وَلَوْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ مَا انْطَبَقَ وَصْفُ الرِّدَّةِ عَلَى أَحَدٍ . . إِلَخْ » أ. هـ .

وَيَقُولُ فَضِيلَتُهُ أَيْضًا (٢) :

لِلْحُكْمِ بِتَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ شَرْطَانِ :

أَحَدُهُمَا : أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ مِمَّا يُكَفِّرُ .

الثَّانِي : انْطِبَاقُ الْحُكْمِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ عَالِماً بِذَلِكَ قَاصِداً لَهُ . فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً لَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ . . . إِلَخْ أ . هـ .

وَفِي سُؤَالٍ مُوَجَّهٍ لِلَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ لِلْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْإِفْتَاءِ(٣) هَذَا نَصُّهُ :

هَلْ مِنْ حَقِّ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَقُولُوا عَلَى شَخْصٍ مَا : إِنَّهُ كَافِرٌ وَيَتَّهِمُوهُ بِالْكُفْرِ؟

فَأَجَابَتْ :

« ... وَتَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ إِذَا أَنْكَرَ مَعْلُوماً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ؛ كَالصَّلَاةِ أَوِ الزَّكَاةِ أَوِ الصَّوْمِ بَعْدَ الْإِبْلَاغِ وَاجِبٌ ، وَيُنْصَحُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ قَتْلُهُ كُفْراً ، وَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ تَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ عِنْدَمَا يُوجَدُ مِنْهُ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ ، مَا أُقِيمَ حَدٌّ عَلَى مُرْتَدٍّ عَنِ الْإِسْلَامِ » .

(١) الْمَصْدَرُ السَّابِقُ : ١ / ١٢٥ .

(٢) الْمَصْدَرُ السَّابِقُ : ١ / ١٢٥ ، ١٢٦ .

(٣) اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ لِلْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ ، السُّؤَالُ الثَّانِي مِنَ الْفَتْوَى رَقْمِ (٦١٠٩) عَبْدُ اللهِ بْنُ قَعُودٍ ( عُضْوٌ ) عَبْدُ اللهِ بْنُ غُدَيَّانَ ( عُضْوٌ ) ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي ( نَائِبُ الرَّئِيسِ ) ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ (الرَّئِيسُ) .

وَيَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ (١) :

« إِنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْراً فَيُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ صَاحِبِهِ ، وَيُقَالُ : مَنْ قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ ، لَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي قَالَهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا ، وَهَذَا كَمَا فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (٢) .

فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ نُصُوصِ الْوَعِيدِ حَقٌّ ، وَلَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ لَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْوَعِيدِ ، فَلَا يُشْهَدُ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِالنَّارِ ، لِجَوَازِ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ الْوَعِيدُ ، لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ ثُبُوتِ مَانِعٍ ، فَقَدْ لَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ بَلَغَهُ ، وَقَدْ يَتُوبُ مِنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمِ ، وَقَدْ يُبْتَلَى بِمَصَائِبَ تُكَفِّرُ عَنْهُ ، وَقَدْ يَشْفَعُ فِيهِ شَفِيعٌ مُطَاعٌ .

وَقَالَ أَيْضاً : وَهَكَذَا الْأَقْوَالُ الَّتِي يَكْفُرُ قَائِلُهَا ، قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَمْ تَبْلُغْهُ النُّصُوصُ الْمُوجِبَةُ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ ، قَالَ : وَقَدْ تَكُونُ بَلَغَتْهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فَهْمِهَا ، وَقَدْ تَكُونُ عَرَضَتْ لَهُ شُبُهَاتٌ يَعْذِرُهُ اللهُ . قَالَ : وَمَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْمُعَيَّنِ » أ . هـ .

وَيَقُولُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ (٣) :

« أَقُولُ : مَعَ هَذِهِ الدَّلَالَاتِ كُلِّهَا نَحْنُ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَفِّرَ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ دُعَاةٌ أَكْفَاءٌ يُبَلِّغُونَ الْجَمَاهِيرَ دَعْوَةَ التَّوْحِيدِ خَالِصَةً لَا شِرْكَ فِيهَا ، لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُسَيْطِرُونَ ، إِنَّمَا هُنَاكَ أَفْرَادٌ قَلِيلُونَ جِدًّا فَأَصْوَاتُهُمْ ضَائِعَةٌ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ ، إِلَّا بِأَفْرَادٍ يَتَّصِلُونَ بِهِمْ فِي مُنَاسَبَاتٍ خَاصَّةٍ أَوْ عَامَّةٍ ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ شَامِلَةً .

(١) مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى ، ٣٥/ ١٦٥ .

(٢) سُورَةُ النِّسَاءِ ، الْآيَةُ : ١٠ .

(٣) مِنْ شَرِيطِ تَسْجِيلٍ ، وَهُوَ مَطْبُوعٌ ضِمْنَ كِتَابِ : سَعَةُ رَحْمَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِعْدَادُ سَيِّدِ بْنِ سَعْدِ الدِّينِ الْغُبَاشِيِّ ، صَفْحَةُ : ٧٧ـ٧٩ .

هَذِهِ عَقِيدَتُنَا ، لَوْ وَقَعَ الْفَرْدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا ، لَوْ وَقَعَ فِي الْكُفْرِ نَحْنُ لَا نُكَفِّرُهُ ، لَكِنْ إِذَا عَلِمْنَا ذَلِكَ نُبَيِّنُ لَهُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْكُفْرُ ، وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ . أ . هـ .

إِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ : أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ مُسْلِماً بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْكَبَائِرِ دُونَ الشِّرْكِ ، مِثْلُ : قَتْلِ النَّفْسِ ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَالزِّنَا ، وَالسَّرِقَةِ ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ، وَأَكْلِ الرِّبَا ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَلَكِنْ يُقِيمُ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَيْهِ عُقُوبَةَ مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الذُّنُوبِ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ .

أَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ مِثْلُ : الِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللهِ كَدُعَاءِ الْأَمْوَاتِ لِتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ ، وَالنَّذْرِ لِلْأَمْوَاتِ ، وَالذَّبْحِ لَهُمْ ، فَهَذِهِ الْكَبَائِرُ وَأَمْثَالُهَا كُفْرٌ أَكْبَرُ ، يَجِبُ الْبَيَانُ لِمَنِ ارْتَكَبَهَا ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ تَابَ بَعْدَ الْبَيَانِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ، وَإِلَّا قَتَلَهُ وَلِيُّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ (١) .

(١) فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ لِلْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْإِفْتَاءِ ، السُّؤَالُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفَتْوَى رَقْمِ (٥٠٠٣) ، عَبْدُ اللهِ بْنُ قَعُودٍ ( عُضْوٌ ) عَبْدُ اللهِ بْنُ غُدَيَّانَ ( عُضْوٌ ) ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي (نَائِبُ الرَّئِيسِ) ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ ( الرَّئِيسُ ) .

وَالْخُلَاصَةُ :

فَإِنَّهُ مِمَّا سَبَقَ نَخْلُصُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَفْيُ الْإِيمَانِ عَنِ الْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّهُ مَنْ تَأَكَّدَ دُخُولُهُ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ ، وَهَذَا لَيْسَ لِعَامَّةِ النَّاسِ ، بَلْ هُوَ مِنْ شَأْنِ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ وَالْقُضَاةِ وَوَلِيِّ الْأَمْرِ ، فَهُمُ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَلَى الْأَشْخَاصِ ، لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .

وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا رَأَى أَحَداً مِنْ إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ وَقَعَ فِي عَمَلٍ مُكَفِّرٍ ، أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ أَنَّ عَمَلَهُ هَذَا كُفْرٌ ، وَيَنْصَحَهُ بِتَرْكِهِ بِالْأُسْلُوبِ الْحَسَنِ ، فَإِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَمَلَهُ الَّذِي أَوْجَبَ كُفْرَهُ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ ، وَهُوَ مُتَوَعَّدٌ بِمَا تَوَعَّدَ اللهُ بِهِ مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ(١) .

(١) انْظُرْ : فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ لِلْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْإِفْتَاءِ ، السُّؤَالُ الْخَامِسُ مِنَ الْفَتْوَى رَقْمِ (٤٤٤٦) ، عَبْدُ اللهِ بْنُ قَعُودٍ ( عُضْوٌ ) عَبْدُ اللهِ بْنُ غُدَيَّانَ ( عُضْوٌ ) ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي (نَائِبُ الرَّئِيسِ) ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ ( الرَّئِيسُ ) .

مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ

مِنْ مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ

فَبَيْنَمَا نَجِدُ فَرِيقاً يَتَسَرَّعُونَ فِي إِطْلَاقِ الْكُفْرِ ، فَيُكَفِّرُونَ بِالْكَبِيرَةِ ، وَلَا يَحْكُمُونَ بِإِسْلَامِ مَنْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَصَلَّى وَصَامَ ، وَأَدَّى فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ ، مَا لَمْ يَتَحَقَّقُوا إِسْلَامَهُ بِشُرُوطِ حُدُودِهَا ، لَمْ تَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ ، وَذَلِكَ كَحَالِ الْخَوَارِجِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ .

نَجِدُ فَرِيقاً آخَرَ فَرَّطَ أَيَّمَا تَفْرِيطٍ وَمَنَعَ التَّكْفِيرَ مَنْعاً بَاتًّا ، وَرَأَى أَنَّ مَنْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ تَكْفِيرُهُ بِحَالٍ ؛ بَلْ قَالُوا : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا إِطْلَاقُ الْكُفْرِ يَكُونُ عَلَى الْأَعْمَالِ .

وَمِنْ هُنَا فَهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ أَحَداً أَبَداً حَتَّى الْمُرْتَدِّينَ ، وَمُدَّعِي النُّبُوَّةِ ، وَجَاحِدِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ ؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خُرُوجِ أَصْحَابِهَا مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ .

أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ : فَقَدْ هَدَاهُمُ اللهُ لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ، لِالْتِزَامِهِمْ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ .

فَهُمْ لَا يَمْنَعُونَ التَّكْفِيرَ بِإِطْلَاقٍ ، وَلَا يُكَفِّرُونَ بِكُلِّ ذَنْبٍ ، وَلَمْ يَقُولُوا إِنَّ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّكْفِيرِ بِالْعُمُومِ دُونَ تَحَقُّقِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ ، وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا فِي إِثْبَاتِ وَصْفِ الْإِسْلَامِ لِمَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْتِزَامَ الْإِسْلَامِ ، أَوْ ظَهَرَ مِنْهُ إِرَادَةُ الدُّخُولِ فِيهِ ، بَلْ يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِأَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُوَحِّدِينَ ، وَبِمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ ، أَوْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِيهِ .

وَمَنْ أَتَى بِمُكَفِّرٍ وَاجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ ، وَانْتَفَتْ فِي حَقِّهِ الْمَوَانِعُ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَجْبُنُونَ ، وَلَا يَتَمَيَّعُونَ ، وَلَا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ تَكْفِيرِهِ (١) .

(١) انْظُرْ : مَجْمُوعَ الْفَتَاوَى : ٢٨/ ٥٠٠ـ٥٠٨ ، ضَوَابِطَ التَّكْفِيرِ ، عَبْدُ اللهِ الْقَرْنِيُّ ، ص : ٩ ، ١٠ ، وَظَاهِرَةَ التَّكْفِيرِ ، لِلْأَمِينِ الْحَاجِّ مُحَمَّدٍ أَحْمَدَ ، ص : ٧ ، نَوَاقِضَ الْإِيمَانِ الْقَوْلِيَّةَ وَالْفِعْلِيَّةَ ، د. عَبْدُ الْعَزِيزِ الْعَبْدُ اللَّطِيفِ ، ص : ١٩٧ . نَوَاقِضَ الْإِيمَانِ الِاعْتِقَادِيَّةَ وَضَوَابِطَ التَّكْفِيرِ عِنْدَ السَّلَفِ ، د. مُحَمَّدٌ الْوُهَيْبِيُّ ، ص : ٢٠١ـ٣٠٩ . وَعَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، مُحَمَّدٌ الْحَمَدُ ، تَقْدِيمُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بَازٍ ص : ٥٦ .

فَتَاوَى حَوْلَ

التَّكْفِيرِ وَالْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ

لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ

وَالْعَلَّامَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجِبْرِينِ

وَاللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ لِلْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْإِفْتَاءِ

الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ

سُئِلَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ :

● عَنْ حُكْمِ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ (١) ؟

فَأَجَابَ :

إِنَّ الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى مِنْ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ تَنْفِيذٌ لِحُكْمِ اللهِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى رُبُوبِيَّتِهِ ، وَكَمَالِ مُلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ ، وَلِهَذَا سَمَّى اللهُ تَعَالَى الْمَتْبُوعِينَ فِي غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى أَرْبَابًا لِمُتَّبِعِيهِمْ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (٢) .

فَسَمَّى اللهُ تَعَالَى الْمَتْبُوعِينَ أَرْبَابًا حَيْثُ جُعِلُوا مُشَرِّعِينَ مَعَ اللهِ تَعَالَى ، وَسَمَّى الْمُتَّبِعِينَ عُبَّادًا حَيْثُ إِنَّهُمْ ذَلُّوا لَهُمْ وَأَطَاعُوهُمْ فِي مُخَالَفَةِ حُكْمِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

وَقَدْ قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : « بَلْ إِنَّهُمْ حَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ وَأَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ فَاتَّبَعُوهُمْ فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ » (١) .

(١) انْظُرْ : مَجْمُوعَ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ : (٢/ ١٤٠ـ١٤٤) وَ (٦/ ١٥٨ـ١٦٢). وَكِتَابَ ( إِزَالَةُ السِّتَارِ عَنِ الْجَوَابِ الْمُخْتَارِ لِهِدَايَةِ الْمُحْتَارِ) لِابْنِ عُثَيْمِينَ ، صَفْحَةَ : (٨٨ـ٩٠).

(٢) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، الْآيَةُ : ٣١ .

إِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ـ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ التَّحَاكُمُ إِلَى غَيْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ ـ وَرَدَتْ فِيهِ آيَاتٌ بِنَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُ ، وَآيَاتٌ بِكُفْرِهِ وَظُلْمِهِ وَفِسْقِهِ .

فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ نَفْيُ الْإِيمَانِ عَنْهُ :

فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١) .

(١) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِرَقْمِ (٣٠٩٤) . وَابْنُ جَرِيرٍ بِرَقْمِ (١٦٦٣١) وَ(١٦٦٣٢) وَ(١٦٦٣٣). وَأَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ : (٣/ ٢٣) . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ وَغُطَيْفِ بْنِ أَعْيَنَ، وَغُطَيْفُ بْنُ أَعْيَنَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الْحَدِيثِ . قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْأَرْنَاؤُوطُ فِي تَحْقِيقِهِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ : لَكِنْ فِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِرَقْمِ (١٦٦٣٤) وَبِهِ يَقْوَى . وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

فَوَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْمُدَّعِينَ لِلْإِيمَانِ وَهُمْ مُنَافِقُونَ بِصِفَاتٍ :

الْأُولَى : أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونَ التَّحَاكُمُ إِلَى الطَّاغُوتِ ، وَهُوَ كُلُّ مَا خَالَفَ حُكْمَ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ ، لِأَنَّ مَا خَالَفَ حُكْمَ اللهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ طُغْيَانٌ وَاعْتِدَاءٌ عَلَى حُكْمِ مَنْ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) .

الثَّانِيَةُ : أَنَّهُمْ إِذَا دُعُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ صَدُّوا وَأَعْرَضُوا .

الثَّالِثَةُ : أَنَّهُمْ إِذَا أُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ، وَمِنْهَا أَنْ يُعْثَرَ عَلَى صَنِيعِهِمْ جَاءُوا يَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ مَا أَرَادُوا إِلَّا الْإِحْسَانَ وَالتَّوْفِيقَ ؛ كَحَالِ مَنْ يَرْفُضُ الْيَوْمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَيَحْكُمُ بِالْقَوَانِينِ الْمُخَالِفَةِ لَهَا ، زَعْمًا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْإِحْسَانُ الْمُوَافِقُ لِأَحْوَالِ الْعَصْرِ .

ثُمَّ حَذَّرَ سُبْحَانَهُ هَؤُلَاءِ الْمُدَّعِينَ لِلْإِيمَانِ الْمُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ وَمَا يُكِنُّونَهُ مِنْ أُمُورٍ تُخَالِفُ مَا يَقُولُونَ ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَعِظَهُمْ وَيَقُولَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا .

ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْحِكْمَةَ مِنْ إِرْسَالِ الرَّسُولِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُطَاعَ الْمَتْبُوعَ لَا غَيْرَهُ مِنَ النَّاسِ مَهْمَا قَوِيَتْ أَفْكَارُهُمْ وَاتَّسَعَتْ مَدَارِكُهُمْ .

ثُمَّ أَقْسَمَ تَعَالَى بِرُبُوبِيَّتِهِ لِرَسُولِهِ الَّتِي هِيَ أَخَصُّ أَنْوَاعِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَالَّتِي تَتَضَمَّنُ الْإِشَارَةَ إِلَى صِحَّةِ رِسَالَتِهِ ﷺ ، أَقْسَمَ بِهَا قَسَمًا مُؤَكَّدًا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ :

(١) سُورَةُ النِّسَاءِ ، الْآيَاتُ : ٦٠ـ ٦٥ .

(٢) سُورَةُ الْأَعْرَافِ ، الْآيَةُ : ٥٤ .

الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ التَّحَاكُمُ فِي كُلِّ نِزَاعٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .

الثَّانِي : أَنْ تَنْشَرِحَ الصُّدُورُ بِحُكْمِهِ ، وَلَا يَكُونَ فِي النُّفُوسِ حَرَجٌ وَضِيقٌ مِنْهُ .

الثَّالِثُ : أَنْ يَحْصُلَ التَّسْلِيمُ التَّامُّ بِقَبُولِ مَا حَكَمَ بِهِ وَتَنْفِيذِهِ بِدُونِ تَوَانٍ أَوِ انْحِرَافٍ .

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ كُفْرُهُ وَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ :

فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١) . وَقَوْلِهِ : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (٢) وَقَوْلِهِ : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٣) .

وَهَلْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ تَتَنَزَّلُ عَلَى مَوْصُوفٍ وَاحِدٍ ؟ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَهُوَ كَافِرٌ ظَالِمٌ فَاسِقٌ ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَ الْكَافِرِينَ بِالظُّلْمِ وَالْفِسْقِ، فَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤) . وَقَالَ تَعَالَى : ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٥) . فَكُلُّ كَافِرٍ ظَالِمٌ فَاسِقٌ .

(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٤ .

(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٥ .

(٣) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٧ .

(٤) سُورَةُ الْبَقَرَةِ ، الْآيَةُ : ٢٥٤.

(٥) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، الْآيَةُ : ٨٤ .

أَوْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ تَتَنَزَّلُ عَلَى مَوْصُوفِينَ بِحَسَبِ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ؟ وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي وَاللهُ أَعْلَمُ .

فَنَقُولُ :

● مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ اسْتِخْفَافًا بِهِ ، أَوِ احْتِقَارًا لَهُ ، أَوِ اعْتِقَادًا أَنَّ غَيْرَهُ أَصْلَحُ مِنْهُ وَأَنْفَعُ لِلْخَلْقِ فَهُوَ كَافِرٌ كُفْرًا مُخْرِجًا عَنِ الْمِلَّةِ ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَصْنَعُونَ لِلنَّاسِ تَشْرِيعَاتٍ تُخَالِفُ التَّشْرِيعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةَ ، لِتَكُونَ مِنْهَاجًا يَسِيرُ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَصْنَعُوا تِلْكَ التَّشْرِيعَاتِ الْمُخَالِفَةَ لِلشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِلَّا وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا أَصْلَحُ وَأَنْفَعُ لِلْخَلْقِ ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ ، وَالْجِبِلَّةِ الْفِطْرِيَّةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْدِلُ عَنْ مِنْهَاجٍ إِلَى مِنْهَاجٍ يُخَالِفُهُ، إِلَّا وَهُوَ يَعْتَقِدُ فَضْلَ مَا عَدَلَ إِلَيْهِ وَنَقْصَ مَا عَدَلَ عَنْهُ .

● وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَهُوَ لَمْ يَسْتَخِفَّ بِهِ ، وَلَمْ يَحْتَقِرْهُ ، وَلَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْلَحُ مِنْهُ ، وَأَنْفَعُ لِلْخَلْقِ ، وَإِنَّمَا حَكَمَ بِغَيْرِهِ تَسَلُّطًا عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ، أَوِ انْتِقَامًا مِنْهُ لِنَفْسِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَهَذَا ظَالِمٌ وَلَيْسَ بِكَافِرٍ، وَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ ظُلْمِهِ بِحَسَبِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَوَسَائِلِ الْحُكْمِ .

● وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ لَا اسْتِخْفَافًا بِحُكْمِ اللهِ، وَلَا احْتِقَارًا ، وَلَا اعْتِقَادًا أَنَّ غَيْرَهُ أَصْلَحُ وَأَنْفَعُ لِلْخَلْقِ ، وَإِنَّمَا حَكَمَ بِغَيْرِهِ مُحَابَاةً لِلْمَحْكُومِ لَهُ ، أَوْ مُرَاعَاةً لِرِشْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَهَذَا فَاسِقٌ ، وَلَيْسَ بِكَافِرٍ وَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ فِسْقِهِ بِحَسَبِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَوَسَائِلِ الْحُكْمِ .

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ فِيمَنِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّهُمْ عَلَى وَجْهَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ بَدَّلُوا دِينَ اللهِ فَيَتَّبِعُونَهُمْ عَلَى التَّبْدِيلِ ، وَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ وَتَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللهُ ، اتِّبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا دِينَ الرُّسُلِ فَهَذَا كُفْرٌ ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ شِرْكًا .

الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ بِتَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ ـ كَذَا الْعِبَارَةُ الْمَنْقُولَةُ عَنْهُ ـ ثَابِتًا لَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَعَاصِي فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ .

وَسُئِلَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ أَيْضًا :

● هَلْ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي يَحْكُمُ فِيهَا الْقَاضِي وَبَيْنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُعْتَبَرُ تَشْرِيعًا عَامًّا (١) ؟

فَأَجَابَ :

نَعَمْ هُنَاكَ فَرْقٌ ، فَإِنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي تُعْتَبَرُ تَشْرِيعًا عَامًّا لَا يَتَأَتَّى فِيهَا التَّقْسِيمُ السَّابِقُ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَطْ ، لِأَنَّ هَذَا الْمُشَرِّعَ تَشْرِيعًا يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ إِنَّمَا شَرَّعَهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ أَصْلَحُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَنْفَعُ لِلْعِبَادِ كَمَا سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ .

وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنْ يَسْتَبْدِلَ هَذَا الْحُكْمَ بِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى بِحَيْثُ يَكُونُ عَالِمًا بِحُكْمِ اللهِ ، وَلَكِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْحُكْمَ الْمُخَالِفَ لَهُ أَوْلَى وَأَنْفَعُ لِلْعِبَادِ مِنْ حُكْمِ اللهِ ، أَوْ أَنَّهُ مُسَاوٍ لِحُكْمِ اللهِ ، أَوْ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ حُكْمِ اللهِ إِلَيْهِ جَائِزٌ فَيَجْعَلُهُ الْقَانُونَ الَّذِي يَجِبُ التَّحَاكُمُ إِلَيْهِ فَمِثْلُ هَذَا كَافِرٌ كُفْرًا مُخْرِجًا عَنِ الْمِلَّةِ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ لَمْ يَرْضَ بِاللهِ رَبًّا وَلَا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَلَا بِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) .

(١) انْظُرْ : مَجْمُوعَ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ : (٢/ ١٤٤ ـ ١٤٧) ، وَكِتَابَ إِزَالَةِ السِّتَارِ عَنِ الْجَوَابِ الْمُخْتَارِ لِهِدَايَةِ الْمُحْتَارِ ) لِابْنِ عُثَيْمِينَ ، صَفْحَة : (٩٠ ـ ٩٢) .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٣) . وَلَا يَنْفَعُهُ صَلَاةٌ وَلَا زَكَاةٌ وَلَا صَوْمٌ ، وَلَا حَجٌّ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ بِبَعْضٍ كَافِرٌ بِهِ كُلِّهِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤) .

وَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا أُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (٥) .

الثَّانِي : أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى حُكْمًا مُخَالِفًا لَهُ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ دُونَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ قَانُونًا يَجِبُ التَّحَاكُمُ إِلَيْهِ فَلَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ :

(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٥٠ .

(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٤ .

(٣) سُورَةُ مُحَمَّدٍ ، الْآيَاتُ : ٢٦ ـ ٢٨ .

(٤) سُورَةُ الْبَقَرَةِ ، الْآيَةُ : ٨٥ .

(٥) سُورَةُ النِّسَاءِ ، الْآيَتَانِ : ١٥٠ ، ١٥١ .

الْأُولَى : أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا بِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى مُعْتَقِدًا أَنَّ مَا خَالَفَهُ أَوْلَى مِنْهُ وَأَنْفَعُ لِلْعِبَادِ ، أَوْ أَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ ، أَوْ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ حُكْمِ اللهِ إِلَيْهِ جَائِزٌ ، فَهَذَا كَافِرٌ كُفْرًا مُخْرِجًا عَنِ الْمِلَّةِ لِمَا سَبَقَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ .

الثَّانِيَةُ : أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا بِحُكْمِ اللهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ أَوْلَى وَأَنْفَعُ لَكِنْ خَالَفَهُ بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَوْ نَفْعِ الْمَحْكُومِ لَهُ ، فَهَذَا ظَالِمٌ وَلَيْسَ بِكَافِرٍ ، وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) .

الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَكِنْ خَالَفَهُ لِهَوًى فِي نَفْسِهِ أَوْ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ إِلَيْهِ ، فَهَذَا فَاسِقٌ وَلَيْسَ بِكَافِرٍ ، وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) .

وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ـ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ـ مِنَ الْمَسَائِلِ الْكُبْرَى الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا حُكَّامُ هَذَا الزَّمَانِ ، فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ لَا يَتَسَرَّعَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ خَطِيرَةٌ ، ـ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُصْلِحَ لِلْمُسْلِمِينَ وُلَاةَ أُمُورِهِمْ وَبِطَانَتَهُمْ ـ ، كَمَا أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ الَّذِي آتَاهُ اللهُ الْعِلْمَ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِهَؤُلَاءِ الْحُكَّامِ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ وَتَبِينَ الْمَحَجَّةُ ، فَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَلَا يَحْقِرَنَّ نَفْسَهُ عَنْ بَيَانِهِ ، وَلَا يَهَابَنَّ أَحَدًا فِيهِ ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ .

(١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٥٠ .

(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٤ .

وَسُئِلَتِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ :

● مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ هَلْ هُوَ مُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ كُفْرًا أَكْبَرَ وَتُقْبَلُ مِنْهُ أَعْمَالُهُ ؟ (١) .

فَأَجَابَتْ :

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ وَصَحْبِهِ . . وَبَعْدُ :

قَالَ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) . وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) .

لَكِنْ إِنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ وَاعْتَقَدَهُ جَائِزًا فَهُوَ كُفْرٌ أَكْبَرُ وَظُلْمٌ أَكْبَرُ وَفِسْقٌ أَكْبَرُ يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ .

أَمَّا إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الرِّشْوَةِ أَوْ مَقْصِدٍ آخَرَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ آثِمٌ ، يُعْتَبَرُ كَافِرًا كُفْرًا أَصْغَرَ ، وَظَالِمًا ظُلْمًا أَصْغَرَ ، وَفَاسِقًا فِسْقًا أَصْغَرَ لَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْمِلَّةِ ، كَمَا أَوْضَحَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ .

وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ .

(١) اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ ، السُّؤَالُ الْحَادِي عَشَرَ مِنَ الْفَتْوَى رَقْمِ (٥٧٤١) . عَبْدُ اللهِ بْنُ غُدَيَّانَ (عُضْوٌ) وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي ( نَائِبُ الرَّئِيسِ ) وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ (الرَّئِيسُ) .

(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٤ .

(٣) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٥ .

(٤) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٧ .

وَسُئِلَتِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ أَيْضًا :

● مَتَى يَجُوزُ التَّكْفِيرُ ؟ وَمَتَى لَا يَجُوزُ ؟ وَمَا نَوْعُ التَّكْفِيرِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) ؟

فَأَجَابَتْ :

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ . . وَبَعْدُ :

أَمَّا قَوْلُكَ مَتَى يَجُوزُ التَّكْفِيرُ ؟ وَمَتَى لَا يَجُوزُ ؟ فَنَرَى أَنْ تُبَيِّنَ لَنَا الْأُمُورَ الَّتِي أَشْكَلَتْ عَلَيْكَ حَتَّى نُبَيِّنَ لَكَ الْحُكْمَ فِيهَا .

أَمَّا نَوْعُ التَّكْفِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فَهُوَ كُفْرٌ أَكْبَرُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ : « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ رَدًّا لِلْقُرْآنِ وَجَحْدًا لِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ » أ . هـ .

وَأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ لَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ مَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مِنَ الرِّشْوَةِ أَوْ غَيْرِ هَذَا ، أَوْ عَدَاوَتُهُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَوْ قَرَابَتُهُ أَوْ صَدَاقَتُهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذَا لَا يَكُونُ كُفْرُهُ أَكْبَرَ ؛ بَلْ يَكُونُ عَاصِيًا لِلَّهِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي كُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ وَظُلْمٍ دُونَ ظُلْمٍ وَفِسْقٍ دُونَ فِسْقٍ .

وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ .

(١) اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ ، السُّؤَالُ الثَّامِنُ مِنَ الْفَتْوَى رَقْمِ (٥٢٢٦) . عَبْدُ اللهِ بْنُ قُعُودٍ (عُضْوٌ) عَبْدُ اللهِ بْنُ غُدَيَّانَ (عُضْوٌ) وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي ( نَائِبُ الرَّئِيسِ ) وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ (الرَّئِيسُ) .

وَسُئِلَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ :

● عَنْ حُكْمِ طَاعَةِ الْحَاكِمِ الَّذِي لَا يَحْكُمُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ (١) ؟

فَأَجَابَ :

وَالْحَاكِمُ الَّذِي لَا يَحْكُمُ بِكِتَابِ اللهِ ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَا تَجِبُ مُحَارَبَتُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، بَلْ وَلَا تَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَصِلَ إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ ؛ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ مُنَابَذَتُهُ ، وَلَيْسَ لَهُ طَاعَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ

وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ يَصِلُ إِلَى الْكُفْرِ بِشَرْطَيْنِ :

الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ لَمْ يَكْفُرْ بِمُخَالَفَتِهِ .

الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ اعْتِقَادَ أَنَّهُ حُكْمٌ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْوَقْتِ ، وَأَنَّ غَيْرَهُ أَصْلَحُ مِنْهُ ، وَأَنْفَعُ لِلْعِبَادِ ، وَبِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ يَكُونُ الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ كُفْرًا مُخْرِجًا عَنِ الْمِلَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) . وَتَبْطُلُ وِلَايَةُ الْحَاكِمِ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ عَلَى النَّاسِ ، وَتَجِبُ مُحَارَبَتُهُ ، وَإِبْعَادُهُ عَنِ الْحُكْمِ .

أَمَّا إِذَا كَانَ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْحُكْمَ بِهِ ـ أَيْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ـ هُوَ الْوَاجِبُ ، وَأَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ ، لَكِنْ خَالَفَهُ لِهَوًى فِي نَفْسِهِ أَوْ إِرَادَةِ ظُلْمِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ، فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ بَلْ هُوَ إِمَّا فَاسِقٌ أَوْ ظَالِمٌ ، وَوِلَايَتُهُ بَاقِيَةٌ ، وَطَاعَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاجِبَةٌ ، وَلَا تَجُوزُ مُحَارَبَتُهُ أَوْ إِبْعَادُهُ عَنِ الْحُكْمِ بِالْقُوَّةِ ، وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ إِلَّا أَنْ نَرَى كُفْرًا صَرِيحًا عِنْدَنَا فِيهِ بُرْهَانٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى (١) .

(١) انْظُرْ : مَجْمُوعَ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ : ٢ / ١٤٧ ، ١٤٨ .

(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ : ٤٤ .

(١) لِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : « بَايَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا ، وَأَثَرَه عَلَيْنَا ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، قَالَ : إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ اللهِ بُرْهَانٌ » . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٧٠٥٦) . وَمُسْلِمٌ بِرَقْمِ (١٨٤١) .

التَّكْفِيرُ بِالذُّنُوبِ وَتَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ

سُئِلَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ :

● هَلْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ إِذَا ارْتَكَبَ مُكَفِّراً ؟ (١) .

فَأَجَابَ قَائِلاً :

إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ فِي حَقِّهِ جَازَ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ ، وَلَوْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ مَا انْطَبَقَ وَصْفُ الرِّدَّةِ عَلَى أَحَدٍ ، فَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُرْتَدِّ فِي الدُّنْيَا ، هَذَا بِاعْتِبَارِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، أَمَّا أَحْكَامُ الْآخِرَةِ فَتُذْكَرُ عَلَى الْعُمُومِ لَا عَلَى الْخُصُوصِ .

وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ : لَا نَشْهَدُ لِأَحَدٍ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ ، إِلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ .

وَكَذَا نَقُولُ : « مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ » (٢) وَلَكِنْ لَا نَحْكُمُ بِهَذَا لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، إِذْ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِالْأَوْصَافِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْأَشْخَاصِ إِلَّا بِتَحَقُّقِ شُرُوطِ انْطِبَاقِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ .

(١) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ : ٢ / ١٢٥.

(٢) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ (٢٠١٤) . وَمُسْلِمٌ بِرَقْمِ (٧٦٠) . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ . وَلَيْسَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَلَا مُسْلِمٍ قَوْلُهُ : « وَمَا تَأَخَّرَ » .

وَسُئِلَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ أَيْضاً :

● عَنْ شُرُوطِ الْحُكْمِ بِتَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ ؟ وَحُكْمِ مَنْ عَمِلَ شَيْئاً مُكَفِّراً مَازِحاً؟ (١) .

فَأَجَابَ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ :

لِلْحُكْمِ بِتَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ شَرْطَانِ :

أَحَدُهُمَا : أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ مِمَّا يُكَفِّرُ .

الثَّانِي : انْطِبَاقُ الْحُكْمِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ عَالِماً بِذَلِكَ قَاصِداً لَهُ ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً لَمْ يَكْفُرْ . لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٢) . وَقَوْلِهِ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ (٣) . وَقَوْلِهِ : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٤) .

لَكِنْ إِذَا فَرَّطَ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ وَالتَّبَيُّنِ لَمْ يُعْذَرْ ، مِثْلُ : أَنْ يَبْلُغَهُ أَنَّ عَمَلَهُ هَذَا كُفْرٌ فَلَا يَتَثَبَّتُ ، وَلَا يَبْحَثُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَعْذُوراً حِينَئِذٍ .

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِعَمَلِ مَا يُكَفِّرُ لَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ ، مِثْلُ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْكُفْرِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ (٥) ، وَمِثْلُ أَنْ يَنْغَلِقَ فِكْرُهُ فَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ لِشِدَّةِ فَرَحٍ وَنَحْوِهِ ، كَقَوْلِ صَاحِبِ الْبَعِيرِ الَّذِي أَضَلَّهَا ، ثُمَّ اضْطَجَعَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ فَإِذَا بِخِطَامِهَا مُتَعَلِّقاً بِالشَّجَرَةِ فَأَخَذَهُ ، وَقَالَ : « اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ » أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ (١) .

(١) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ : ٢/ ١٢٥ . ، ١٢٦ .

(٢) سُورَةُ النِّسَاءِ ، الْآيَةُ : ١١٥ .

(٣) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، الْآيَةُ : ١١٥ .

(٤) سُورَةُ الْإِسْرَاءِ ، الْآيَةُ : ١٥ .

(٥) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [ سُورَةُ النَّحْلِ، الْآيَةُ : ١٠٦] .

لَكِنْ مَنْ عَمِلَ شَيْئاً مُكَفِّراً مَازِحاً فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ .

وَسُئِلَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جِبْرِين :

● قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللهُ : « وَلَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ » . فَمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ ؟ (٢) .

فَأَجَابَ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى :

مُرَادُهُ مَا دَامَ مُسْلِماً ، أَمَّا إِذَا عَمِلَ عَمَلاً مُكَفِّراً خَرَجَ بِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ فَلَا يُقَالُ مُسْلِمٌ ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا نُكَفِّرُ الْمُسْلِمَ الَّذِي يَعْمَلُ بِأَعْمَالِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِضِدِّهَا .

أَمَّا إِذَا عَمِلَ بِضِدِّهَا لَا شَكَّ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ الْمُكَفِّرِ ؛ سَوَاءٌ اعْتِقَادِيّاً أَوْ بَدَنِيّاً .

وَالْأَعْمَالُ الْمُكَفِّرَةُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيراً مِنْهَا الَّذِينَ تَوَسَّعُوا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ فِي بَابِ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْصَلَ الْأَعْمَالَ الْمُكَفِّرَةَ الْمُخْرِجَةَ عَنِ الْمِلَّةِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ خَصْلَةٍ ، تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ شَرْحِ الْإِقْنَاعِ لِلْفِقْهِ الْحَنْبَلِيِّ ، وَفِي الْكُتُبِ الَّتِي تَتَوَسَّعُ فِي الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى .

(١) سَبَقَ تَخْرِيجُهُ صَفْحَةَ : ٤٢ .

(٢) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ جِبْرِين ، الْعَقِيدَةُ ( الْجُزْءُ السَّادِسُ ) .

وَسُئِلَ الْعَلَّامَةُ بْنُ جِبْرِين أَيْضاً :

● مَا صِحَّةُ هَذِهِ الْمَقُولَةِ : « وَلَا نُكَفِّرُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا »؟ (١) .

فَأَجَابَ حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ :

يَعْنِي لَا نُكَفِّرُهُ بِالذُّنُوبِ إِلَّا إِذَا اسْتَحَلَّهَا ، وَهَذَا صَحِيحٌ ، فَإِنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ الذَّنْبَ وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ يَكْفُرُ ، فَإِذَا رَأَيْنَا مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْخَمْرَ حَلَالٌ وَلَوْ مَا شَرِبَهَا قُلْنَا : هَذَا كَافِرٌ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ صَادَمَ النُّصُوصَ ، وَإِذَا رَأَيْنَا مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الصَّلَاةَ سَاقِطَةٌ أَوْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً أَوْ لَيْسَتْ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي ، قُلْنَا : هَذَا كَافِرٌ ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ شَيْئاً مَعْلُوماً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ، وَهَكَذَا الْأَشْيَاءُ الضَّرُورِيَّةُ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ .

وَسُئِلَ الشَّيْخُ بْنُ جِبْرِين أَيْضاً :

● هَلْ يَجُوزُ تَكْفِيرُ أَعْيَانِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحُكَّامِ وَأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ وَالذُّنُوبِ ؟ وَهَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْعَاصِي ؟ (١) .

فَأَجَابَ غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ :

لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ أَعْيَانِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا أَعْيَانِ الْوُلَاةِ ، مَا لَمْ يُظْهِرُوا كُفْراً بَوَاحاً (١) ، وَلَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَهْلِ الذُّنُوبِ ، فَلَيْسَ أَحَدٌ بِمَعْصُومٍ.

(١) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ جِبْرِين ، الْعَقِيدَةُ ( الْجُزْءُ السَّادِسُ ) .

(٢) الْمَرْجِعُ السَّابِقُ.

وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْعَاصِي إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحْسَنُ مِنْهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُ نُصْحُهُمْ وَتَوْجِيهُهُمْ وَدَلَالَتُهُمْ عَلَى الْخَيْرِ ، فَإِنْ قَبِلُوا وَإِلَّا بَرِئَتِ الذِّمَّةُ ، وَمَتَى أَصَرُّوا عَلَى اقْتِرَافِ السَّيِّئَاتِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ هَجْرُهُمْ رَجَاءَ أَنْ يَتَأَثَّرُوا ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْإِسْلَامِ ، وَلَا مُقَاطَعَتُهُمْ ، وَلَا الْخُرُوجُ عَلَى الْوُلَاةِ ، وَلَوْ أَظْهَرُوا بَعْضَ الْبِدَعِ الْمُكَفِّرَةِ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .

وَعَلَيْكَ نُصْحُ جَارِكَ وَإِقْنَاعُهُ بِعَدَمِ التَّكْفِيرِ ، فَإِنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْعَفْوَ ذَنْباً وَالذَّنْبَ كُفْراً ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِمُ الْحَدِيثُ أَنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ (٢) ، وَقَدْ قَاتَلَهُمُ الصَّحَابَةُ ، مَعَ أَنَّهُمْ يَحْقِرُونَ صَلَاتَهُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ ، وَصِيَامَهُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ ، فَأَرَى الِاقْتِصَارَ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَالِاسْتِدْلَالَ بِالْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَسِيرَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَالْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ .

وَسُئِلَتِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ :

● هَلْ يُمْكِنُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِهِ أَنْتَ كَافِرٌ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِعَمَلِهِ ؟ (٣) .

(١) لِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَقَدْ سَبَقَ تَخْرِيجُهُ صَفْحَةَ : ٦٨ .

(٢) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِرَقْمِ ( ٣٣٤٤) . وَمُسْلِمٌ بِرَقْمِ (١٠٦٤) . مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

(٣) اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ ، السُّؤَالُ الْخَامِسُ مِنَ الْفَتْوَى رَقْمِ (٤٤٤٦) . عَبْدُ اللهِ بْنُ قُعُودٍ (عُضْوٌ) عَبْدُ اللهِ بْنُ غُدَيَّانَ (عُضْوٌ) وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي ( نَائِبُ الرَّئِيسِ ) وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ (الرَّئِيسُ) .

فَأَجَابَتْ :

الْحَمْدُ لِلهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ . . وَبَعْدُ :

إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ كَافِراً فَالْمَشْرُوعُ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّ عَمَلَهُ كُفْرٌ وَيَنْصَحَهُ بِتَرْكِهِ بِالْأُسْلُوبِ الْحَسَنِ ، فَإِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَمَلَهُ الَّذِي أَوْجَبَ كُفْرَهُ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ ، وَهُوَ مُتَوَعَّدٌ بِمَا تَوَعَّدَ اللهُ بِهِ مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ ، وَالْوَاجِبُ التَّثَبُّتُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَعَدَمُ التَّعَجُّلِ بِالتَّكْفِيرِ حَتَّى يَتَّضِحَ الدَّلِيلُ .

وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ .

وَسُئِلَتِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ أَيْضاً :

● هَلْ مِنْ حَقِّ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَقُولُوا عَلَى شَخْصٍ مَا إِنَّهُ كَافِرٌ وَيَتَّهِمُوهُ بِالْكُفْرِ؟ (١) .

فَأَجَابَتْ :

الْحَمْدُ لِلهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ . . وَبَعْدُ :

تَكْفِيرُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مَشْرُوعٌ بِأَنْ يُقَالَ : مَنِ اسْتَغَاثَ بِغَيْرِ اللهِ فِيمَا دَفْعُهُ مِنِ اخْتِصَاصِ اللهِ كَافِرٌ ، كَمَنِ اسْتَغَاثَ بِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ وَلِيٍّ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَشْفِيَهُ أَوْ يَشْفِيَ وَلَدَهُ مَثَلاً .

(١) اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ ، السُّؤَالُ الثَّانِي مِنَ الْفَتْوَى رَقْمِ (٦١٠٩) . عَبْدُ اللهِ بْنُ قُعُودٍ (عُضْوٌ) عَبْدُاللهِ بْنُ غُدَيَّانَ (عُضْوٌ) وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي ( نَائِبُ الرَّئِيسِ ) وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ (الرَّئِيسُ) .

وَتَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ إِذَا أَنْكَرَ مَعْلُوماً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَالصَّلَاةِ أَوِ الزَّكَاةِ أَوِ الصَّوْمِ بَعْدَ الْبَلَاغِ وَاجِبٌ ، وَيُنْصَحُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ قَتْلُهُ كُفْراً ، وَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ تَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ عِنْدَمَا يُوجَدُ مِنْهُ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ مَا أُقِيمَ حَدٌّ عَلَى مُرْتَدٍّ عَنِ الْإِسْلَامِ .

وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ .